بوريطة يبرز بمالابو الرؤية الملكية لتعاون جنوب–جنوب قائم على الشراكة والتضامن    الجمعية الوطنية للأعمال الاجتماعية لموظفي قطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني    كييتا تدعو إلى تحقيق السيادة الرقمية    10 ملايين زائر لمتحف السيرة النبوية    صراع المغرب وإسبانيا على المواهب.. بيتارش يختار "لا روخا"    أخنوش لبرلمانيي الأحرار: رهان المرحلة هو كسب معركة التواصل حول المنجز الحكومي    الثانوية التقنية ابن سليمان الرسموكي بتيزنيت في j-60..قيادة ومحاكاة في العد التنازلي لباكالوريا النجاح والتميز    كنفاوي يقف بإقليم الحسيمة على إنتاج وتسويق ألواح "الدلاحية"    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    السنغال تحتفي بالكأس في باريس    تظاهرات واسعة النطاق ضد ترامب    تسجيل انتعاش سياحي بطنجة خلال يناير 2026    إسبانيا تغيّر الساعة مجددًا رغم انتقادات سانشيز.. جدل متواصل حول جدوى التوقيت الصيفي    جثة شخص بالقرب من مؤسسة تعليمية تستنفر شرطة القصر الكبير    تلفزيون المنار: مقتل 3 صحفيين في غارة إسرائيلية على لبنان    أخنوش: رئاسة عكاشة للفريق النيابي تعزز رهان "الأحرار" على التمكين السياسي للمناضلين الشباب    رأي: منطق الطرد كعنوان لأزمة أعمق داخل الحزب    "ميتا" تعتزم إطلاق نظارات ذكية جديدة لمستخدمي العدسات الطبية    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    التعاون العلمي المغربي الاوربي : تمديد المشاركة في برنامج "PRIMA    حملة طبية تعتني ب"الأسرة الأمنية"    انسحاب "بوبا" من عرض ودية السنغال والبيرو.. وتصعيد قانوني مغربي يواكب المباراة    بحضور الوزير بركة.. تكريم أبطال مواجهة تداعيات الاضطرابات الجوية الأخيرة بجهة الشمال        المغرب يساند مرصد الاتصال بالنيجر    لاعبو إيران يحيّون ذكرى ضحايا غارة جوية على مدرسة    تعادل بطعم الدروس.. وهبي يضع النقاط على الحروف بعد لقاء الإكوادور    المستشار الجماعي محمد الغرباوي يدعو إلى نزع ملكية فندق 'مرحبا' بالجديدة وإدراجه ضمن أولويات المجلس    دعوات لتعميم قرار منع الشواء بمحلات الجزارة على جميع أحياء الجديدة    كبيرة حولتها إيران صغيرة    بعد أن بلغت أسعار اللحوم الحمراء 130 درهما..مساءلة وزير الفلاحة عن أسباب الغلاء رغم الدعم الموجه "للكسابة"    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .        ماكي سال يبتعد عن خلافة غوتيريش    "فدرالية اليسار": ملايير الدعم لا تنعكس على الأسعار بل تذهب لحسابات الوسطاء والمضاربين    غارات إسرائيل تتوسع بجنوب لبنان    معزوز: من التخطيط إلى التنفيذ .. الأرقام تكشف تطور جهة الدار البيضاء سطات    إقصاء المصدّرين نحو السوق الإفريقية من دعم مصدري الطماطم يثير جدلا حول خلفيات القرار    كلوب عن صلاح: من أفضل اللاعبين في تاريخ ليفربول وسفير رائع لبلاده    حكيمي: "المنتخب المغربي في مرحلة انتقالية وعلينا الاستعداد جيدا لبلوغ أفضل جاهزية للمونديال"    الحوثيون يعلنون استهداف مواقع عسكرية إسرائيلية بصواريخ لأول مرة منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط    الأرجنتين تهزم موريتانيا دون إقناع    وهبي يبدأ رحلة "الأسود" بتعادل باهت أمام الإكوادور وإشارات مقلقة رغم تفادي السقوط    تافراوت تحتفي بكنزها الطبيعي: انطلاق الدورة 13 لمهرجان اللوز في أبريل المقبل    من العتمة إلى الحب .. التشكيل كخلاص أنطولوجي    التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    عودة النقاش الاستراتيجي في المغرب؟ 3/2 الاتفاق الثلاثي المغربي الاسرائيلي الأمريكي: كيف نفكر تحت النيران؟    تطوان تحتفي باليوم العالمي للشعر وتكرم العياشي أبو الشتاء في "ربيع الشعر"    ربيع الجاكاراندا للمسرح المتوسطي يزهر في رياض السلطان    الفنان جمال الغيواني يصدر أربعة أغاني جديدة    شَغَبُ المَاءْ    أسَابِيع الحرْب والنَّجِيعْ    جهة الدارالبيضاء سطات تحتضن ربع الحالات المسجلة وطنيا .. نحو 34 ألف حالة سل في 2025 والمعدل الوطني للإصابة يرتفع إلى 91 حالة لكل 100 ألف نسمة    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بيوفيلموغرافيا الجيلالي فرحاتي ملاحظات أولية


مكانة متميزة في حقل الابداع السينمائي
الجيلالي فرحاتي مخرج مغربي عصامي مثقف ، ولد يوم 3 غشت 1948بآيت واحي الأمازيغية ( اقليم الخميسات ) ، وترعرع وشب مند 1950 بمدينة طنجة التي لازال يقطن بها الى الآن . تتمحور مواضيع أفلامه حول تيمات اجتماعية في الغالب ، متنوعة ومتداخلة ، عبر قصص بسيطة في أحداثها لكن معالجتها على مستويات السيناريو والتصوير والاخراج والتشخيص والمونطاج وغير دلك من جوانب العمل السينمائي فيها مجهود ملحوظ ودرجة كبيرة من الابداعية والتمكن من أدوات التعبير بالصورة المتحركة وتوابعها . انه واحد من المخرجين المغاربة القلائل الدين فرضوا احترامهم على عشاق السينما الرفيعة ، بفضل أسلوبه السينمائي المتميز ، الدي ظل وفيا له الى الآن مند انطلاقة مسيرته كمخرج سينمائي في سبعينات القرن الماضي .
لقد تلقى تكوينا رصينا في اللغة والأدب الفرنسيين وفي علم الاجتماع بالجامعة الفرنسية ، وانخرط كممثل ومؤلف في حركة مسرح الهواة بطنجة ، وتعزز هدا الانخراط بمشاركته في أنشطة الجامعة الدولية للمسرح بباريس كممثل ومخرج ، كما انفتح على عوالم السينما مند مرحلتي الطفولة والمراهقة بطنجة وشاهد العديد من الأفلام الأمريكية والأروبية والمصرية والهندية المتنوعة المواضيع والأشكال وغيرها . وبعد نضجه الفكري بدأ يدقق في اختياراته ويركز على مشاهدة روائع الأفلام والمسرحيات ، الشيء الدي سيجره الى ممارسة السينما كهواية في بداية الأمر ، قبل أن يقرر الدخول الى عالمها الابداعي من بابه الواسع واحتراف التشخيص وكتابة السيناريو والاخراج والانتاج ، خصوصا بعد عودته الى المغرب واستقراره بمدينة طنجة العزيزة على قلبه والتي تحضر أجواؤها وفضاءاتها الجميلة في جل أفلامه .
وتجدر الاشارة الى أن فترة العشر سنوات ( 1968 - 1978 ) التي قضاها الجيلالي فرحاتي بفرنسا قد لعبت دورا كبيرا في تكوينه الثقافي ( أدب وعلوم انسانية بالأساس ) وصقل مواهبه الفنية ( مسرح ، سينما ، تشكيل ، موسيقى ، شعر ... ) ، التي انبثقت أولا بطنجة عندما كان تلميدا بمدارس البعثة الثقافية الفرنسية ، الشيء الدي أهله لينطلق بثبات في مسيرة سينمائية اخراجية موفقة ليصبح أحد كبار ممثلي سينما المؤلف بالمغرب والعالم العربي وافريقيا .
ولعل ما يشهد على مكانته المتميزة في حقل الابداع السينمائي الجوائز العديدة التي حصدتها أفلامه في مختلف المهرجانات السينمائية الوطنية والدولية واختياره كعضو أو رئيس في لجن تحكيم مسابقات الأفلام في الداخل والخارج . كما يشهد عليها حضوره اللافت في وسائط الاعلام المختلفة عبر حوارات معه أو عبر كتابات نقدية وصحافية تتمحور حول أعماله السينمائية وتجربته الفنية عموما ، بالاضافة الى صدور كتابين سنة 2010 حول تجربته السينمائية الأول جماعي بعنوان " نظرات في سينما الجيلالي فرحاتي " ، أصدره مهرجان مرتيل السينمائي بمشاركة النقاد محمد صوف ومحمد باكريم ومحمد كلاوي ومبارك حسني ومحمد اشويكة وفريد الزاهي والراحل نور الدين كشطي (1956 - 2010) اضافة الى المخرج لطيف لحلو والباحث رشيد برهون ، والثاني من تأليف الناقد بوبكر الحيحي بعنوان " الجيلالي فرحاتي : سينما المكلومين " .
فيما يلي وقفة مركزة على معطيات من حياته وأفلامه ( أي بيوفيلموغرافيته ) تتخللها ملاحظات أولية :
الحضور المزدوج للتشخيص والاخراج
يحق لسينما المؤلف بالمغرب أن تفتخر بالمكانة المتألقة التي أصبح يحتلها المبدع الجيلالي فرحاتي داخلها ، فالمتأمل في تجربته السينمائية يلاحظ أن عمرها يقارب أربعة عقود ، كانت انطلاقته كممثل سينمائي سنة 1972 في فيلم الأمريكي روبرت وايز " لقاء عابر بباريس " وكمخرج سينمائي هاوي سنتي 1973 بالفيلم القصير الصامت " كاروم " و 1974 بالفيلم القصير الصامت كدلك " صباح الخير سيدتي " ، اللدين صورهما بكاميرا سوبر 8 . وفي سنة 1978 أخرج باكورة أفلامه الروائية الطويلة " جرحة في الحائط " كثمرة للقائه بالمبدعة الطنجاوية فريدة بنليزيد التي ساعدته في انتاجه الى جانب المركز السينمائي المغربي . وبعد دلك أخرج ستة أفلام سينمائية طويلة وفيلم قصير هي على التوالي : " عرائس من قصب " سنة 1981 و " شاطىء الأطفال الضائعين " سنة 1991 و " خيول الحظ " و " المنديل الأزرق " سنة 1995 ، وهدا الأخيرفيلم قصير أخرجه احتفاء بالدكرى المئوية لميلاد السينما ، و " ضفائر " سنة 2000 و " داكرة معتقلة " سنة 2004 و " عند الفجر " سنة 2009 ، بالاضافة الى اخراجه لأربعة أفلام تلفزيونية ومشاركته كممثل في أفلام مغربية وأجنبية ندكر منها بالخصوص : " ابن السبيل " لمحمد عبد الرحمان التازي و " لا تلمس المرأة البيضاء " للايطالي ماركو فيريري و " حلم طنجة " للاسباني خوان مينيون و " با د س " لمحمد عبد الرحمان التازي و " أمريكي في طنجة " لمحمد أولاد محند و " لعبة القدر " لعمر الشرايبي و " الدار الكبيرة " للطيف لحلو ....
أول ملاحظة يمكن ابداؤها بصدد بيوفيلموغرافية الجيلالي فرحاتي هي كونه ظل يجمع طيلة مسيرته الفنية بين التشخيص و الاخراج سواء في السينما أو المسرح . ففيما يتعلق بالسينما يلاحظ أن عدد الأفلام التي أخرجها يعادل تقريبا عدد الأفلام التي شارك فيها كممثل مع الغير . كما يمكن تسجيل حضوره كممثل رئيسي في كل أفلامه باستثناء " شاطىء الأطفال الضائعين " و " ضفائر " . ادن مسيرته السينمائية يتداخل فيها الوقوف أمام وخلف الكاميرا ، ولا يقتصر الأمر هنا على التشخيص والاخراج فقط بل يتعداهما الى كتابة السيناريو والمشاركة في المونطاج والانتاج وغير دلك من جوانب العملية الابداعية السينمائية . وهدا ليس غريبا على مبدع كانت انطلاقته أولا كممثل ثم مخرج ، في المسرح أولا وبعد دلك في السينما ، فميله وعشقه للتشخيص في المسرح والسينما انطلق مند الطفولة وتعزز بمشاهدات فيلمية ومسرحية غدت داكرته البصرية في المراهقة وبانفتاح على مسرح الهواة بطنجة ، تشخيصا وتأليفا ، قبل حصوله على البكالوريا الأدبية سنة 1967 وبعدها ، الشيء الدي حفزه على دراسة الفن الدرامي والانفتاح على ورشات التكوين التي كان ينظمها آنداك المركز الثقافي الفرنسي بطنجة ، والمساهمة في كتابة مسرحيات وتشخيص أدوار أساسية فيها . وما عزز هدا العشق هو استفادته من تداريب أخرى بالديار الفرنسية التي حل بها أواخر سنة 1968 ، ومن تكوينات تطبيقية عبر الممارسة خصوصا في اطار أنشطة الجامعة الدولية للمسرح بباريس من 1969 الى 1971 وتعاونه قبل دلك بقليل مع أحمد المعنوني في انجاز عمل مسرحي بعنوان " صدى ألفا " ألفه وأخرجه هدا الأخير بفرنسا أواخر 1968 وشخصه الجيلالي فرحاتي وادارته لفرقة مسرحية بستراسبورغ تحقق من خلالها اخراج مجموعة من المسرحيات . ومن غريب الصدف أن يحضر المعنوني كمنفد للانتاج في آخر أفلام الجيلالي " عند الفجر " بعد أربعة عقود من تعاونهما المسرحي المشار اليه أعلاه وبعد ثلاثة عقود من انطلاقتهما السينمائية الفعلية معا سنة 1978 : فرحاتي بفيلم " جرحة في الحائط " ، الدي أدار تصويره أحمد المعنوني ، وهدا الأخير بباكورة أفلامه الروائية الطويلة " أليام أليام " .
مخرج دو خلفية ثقافية صلبة
كل هدا النشاط الفني تم بالموازاة مع تكوين الجيلالي فرحاتي الجامعي الرصين الدي توج بحصوله على اجازة في السوسيولوجيا ، فهدا التكوين الجامعي والداتي وما ترتب عنه من خلفية ثقافية شمولية صلبة لعب دورا كبيرا في تشكيل رؤيته الفنية وبناء أسلوبه التعبيري الخاص والمتميز مع اعطاء مضامين أفلامه بعدا انسانيا كونيا عميقا .
ان المكانة التي أصبحت تحتلها أفلام فرحاتي في حضيرة الابداع السينمائي هي نتيجة مجهودات دؤوبة وتكوين مستمر وموهبة وقادة وانفتاح على الآخرين والتعاون معهم . وهده المكانة تدكرنا بسينمائيي السبعينات الدين دشنوا الانطلاقة الحقيقية للسينما في بلادنا (أي الانطلاقة الابداعية ) أمثال حميد بناني وأحمد البوعناني وسهيل بنبركة ومومن السميحي ومصطفى الدرقاوي ومحمد الركاب وأحمد المعنوني وغيرهم ، كما تدكرنا تجربة فرحاتي الفنية ، التي يحضر فيها البعد المسرحي بقوة ، بتجربة نبيل لحلو ، رجل المسرح بامتياز الدي استطاع أن ينحت له أسلوبا خاصا به كممثل ومخرج وكاتب سيناريو ... في اطار التجربة السينمائية المغربية الفتية . فهناك نقط مشتركة بينهما كالوقوف أمام وخلف الكاميرا في جل أفلامهما والجمع بين الممارستين المسرحية والسينمائية بدرجات متفاوتة والحضور الاعلامي اللافت والمختلف أيضا . لكن الفرق كبير بينهما في الشخصية وأسلوب التعبير السينمائي . كلاهما يعتبر " غزير الانتاج " نسبيا : فنبيل لحلو يحتل المرتبة الثالثة بثمانية أفلام روائية طويلة ، الى جانب حكيم نوري ، بعد مصطفى الدرقاوي ، الدي لا زال يحتل المرتبة الأولى بأحد عشر فيلما ، وحسن بنجلون الدي خولته أفلامه التسعة احتلال المرتبة الثانية ، أما فرحاتي فيحتل بأفلامه السبعة المرتبة الخامسة بعد الدرقاوي وبنجلون ولحلو ونوري . وعلى دكر " غزارة الانتاج " ، التي تسمح بها الوضعية الانتاجية المغربية الحالية ، نلاحظ أن هناك انتظامية في العملية الابداعية لدى فرحاتي ودلك لأنه ، باستثناء الفاصل الزمني بين فيلميه الثاني " عرائس من قصب " (1981) والثالث " شاطىء الأطفال الضائعين " (1991) الدي بلغ عشر سنوات ، فهو يبدع فيلما طويلا كل أربع الى خمس سنوات . وهدا ما نلاحظه في تواريخ انجاز أفلامه التالية : فمن " شاطىء الأطفال الضائعين " (1991) الى " عند الفجر " (2009) ، مرورا ب " خيول الحظ " (1995) و " ضفائر " (2000) و " داكرة معتقلة " (2004) ، تتراوح المدة الفاصلة بين فيلم وآخر بين أربع وخمس سنوات . فكيف نفسر ادن هده الانتظامية البطيئة نسبيا ؟
الجيلالي فرحاتي ليس واحدا من المتهافتين على انجاز أي عمل مهما كان الثمن ، ولعل هدا هو السر في محافظته على تألقه الابداعي مند انطلاقته الى الوقت الراهن . فعندما تأتيه فكرة حول موضوع معين ، يتركها تختمر في دهنه ويقوم بالموازاة مع دلك ببحث في الموضوع وقراءة ما يرتبط به من أدبيات ، وبعد دلك ينتقل الى مرحلة الكتابة على الورق ، التي يتمخض عنها نص أولي للسيناريو يظل قابلا للاضافات والتعديلات الى أن يستقيم في شكله النهائي ورقيا . وهدا يعني أن مشروع كل فيلم جديد يأخد وقته الكافي لكي ينضج . بعد توفر ميزانية محترمة لتحويل السيناريو الى فيلم ، يشرع الجيلالي في تكوين فريق العمل واختيار الفضاءات وتهييىء شروط التصوير . وأثناء مباشرة التصوير لا ينظر الجيلالي الى السيناريو كنص مقدس بل يدخل عليه تعديلات كلما كان دلك ضروريا ، وبعد التصوير يتدخل المخرج أيضا أثناء المونطاج وما يعرف بعمليات ما بعد التصوير . ادن العملية الابداعية تظل مستمرة بداية من لحظة ما قبل الكتابة السيناريستية وأثناء لحظة الكتابة وبعدها ، الى أن يخرج الفيلم في صورته النهائية . وهدا يعني أن فرحاتي مهووس بالتفاصيل والجزئيات ولا يفتر عن التفكير في مشاريعه الابداعية ، فكل فيلم يكون جاهزا في مخيلته أولا وبعد دلك يبحث له عن شكل وامكانيات لاخراجه من الوجود بالقوة الى الوجود بالفعل . انه فنان مرهف الاحساس ، يعشق عمله حتى النخاع ، ولعل هدا العشق الصوفي هو سر نجاحه وفرض احترامه على الآخرين .
خصوصية في أسلوب الكتابة السينمائية
المتتبع العارف وهو يتأمل في فيلموغرافيا الجيلالي فرحاتي يلاحظ أن هدا الأخير مهووس بالتفاصيل ودلك لأنه لا يترك صغيرة أو كبيرة الا ويفكر فيها بعمق ، ولعل هدا هو ديدن المخرجين الكبار الدين يتميزون بابداع أسلوب خاص بهم يميزهم عن غيرهم . ان بصمة فرحاتي الابداعية تتجلى في أفلامه من بدايتها الى نهايتها ، فالعناوين مثلا لا يختارها بعشوائية وانما يحاول من خلالها أن يختزل جوهر ما يرغب في ايصاله الى المتلقي عبر الصور والأصوات التي يحكي بها قصصه . ان العنوان غالبا ما يكون بمثابة البوابة أو المفتاح الدي يساعد على الولوج الى عوالم الفيلم بعد مشاهدته ويمكن من سبر أغواره ، فعناوين مثل " جرحة في الحائط " و " عرائس من قصب " و " شاطئ الأطفال الضائعين " و " ضفائر " و " خيول الحظ " و " داكرة معتقلة " وغيرها تدفع المتلقي الى اعمال عقله عن طريق التأويل وطرح الأسئلة المتعددة . لايترك الجيلالي شيئا للصدفة بل يفكر في التفاصيل ، وما دام يبدل مجهودا فكريا في تدقيقه للجزئيات فهو يرفض أن يكون متلقي أفلامه سلبيا ، فهدا الأخير عليه أن يشغل عقله ومخيلته ليشارك في عملية التواصل ويملأ البياضات التي يتركها المخرج ودلك عن طريق التحاور مع عالم الفيلم وتفكيك ميكانيزماته وقرائة عنوانه ومكوناته قراءة خاصة .
تتميز أفلام فرحاتي بمضامينها الغنية ورموزها القابلة لعدة تأويلات لا يمكن اعتبار أي منها تأويلا نهائيا وكاملا . انها أفلام تعبر أكثر مما تظهر وزمن الحركة فيها أقل من زمن الوصف ، ولهدا غالبا ما يكون ايقاعها بطيئا يتوخى المخرج من ورائه تمكين عين المتلقي من التمتع بجمالية اللقطات التي لا تختلف أحيانا عن لوحات تشكيلية بمؤثتاتها وألوانها وزوايا التقاطها وغير دلك . في أفلامه تشتت شبيه بتشتت الحياة نفسها ، وضبابية على مستوى المضامين ، لا نعرف أين تبدأ القصة وأين تنتهي ؟ فليس هناك ماضي ولا مستقبل ، وحده الحاضر هو المهيمن بآلامه ومعاناته . التيمات التي تناولها الجيلالي بعمق انساني كوني وبأسلوب غير مباشر يغلب عليه التلميح دون التصريح ويحضر فيه الرمز والتشبيه والاستعارة ويدعو المتلقي الى المشاركة في بناءالمعنى ، متعددة ومتداخلة منها التيه والتهميش والهوية والطفولة ومعاناة المبدعين والاغتصاب بأشكاله المختلفة ومعاناة المرأة ووضعيتها الدونية داخل مجتمع محافظ مكبل بالتقاليد البالية ... أفلامه ليست ثرثارة ، كما هو الشأن في السينما السائدة ، بل فيها اقتصاد واضح في الحوار لأن الجيلالي يطلق فيها العنان للكاميرا لتعبر بصورها وتقنياتها عن رؤاه للوجود والانسان والمجتمع والفن وغير دلك . أما الممثلون فتشخيص جلهم تلقائي ومقنع وسبب دلك يرجع الى ادارة المخرج لهم وهو العارف بخبايا مهنة التمثيل التي مارسها في المسرح والسينما لعقود ولايزال ، فقربه من عوالمهم مكنهم من تفجير جانب كبير من طاقاتهم التشخيصية عبر حركات أجسادهم وتقاسيم وجوههم وصمتهم كدلك ، وليس غريبا تبعا لدلك أن يتألق في أفلامه ممثلون وممثلات كسعاد فرحاتي شقيقته و الراحل محمد تيمود و سليمة بنمومن والعربي اليعقوبي وحميد الزوغي وجوديا بلكبير وغيرهم . ان ادارته الجيدة لهم وتواطؤه الايجابي معهم ، كممثل ومخرج ، مكنهم من نقل معاناة أبطاله النفسية والاجتماعية الى المتلقي بصدق وعمق ملحوظين .
يحق ادن لسينما المؤلف أن تفتخر بأفلام الجيلالي فرحاتي لأن هدا الأخير يقترح ويعرض الأفكار من خلالها ويدعو المتلقي الى اقتسامها معه ، وبهدا تتحقق المتعة لهما معا : متعة التعبير ومتعة الفرجة والتأويل.
أحمد سيجلماسي
''الفوانيس السينمائية'' نرجو التفضل بذكر المصدر والكاتب عند الاستفادة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.