يتماهى الفيلم مع العديد من الأفلام من حيث المظهر كما هي حالة الفيلم الإسباني «مائة عام من الغفران» وفيلم هتشكوك الشهير « النافذة الخلفية» وبطله جيمس ستيوارت... وفيلم «غابة من الزجاج» للممثل الأمريكي بريس ويليس... وفيلم أرنولد شوا زينغر «المدمر». يقترب الفيلم من هذه الأفلام ليجد لنفسه خصوصية في مشهده العام الأرجنتيني... وطرح مسألة تبييض الأموال وإيجاد الطريقة المثلى لها عبر سرقة الأبناك وإعادة ترويج المال بطريقة أخرى... تلخص السينما الأرجنتينية المشهد العام الاجتماعي والسياسي في الأرجنتين بحساسية جديدة تنأى عن النمطية والبحث عن قصص اجتماعية تجذب شرائح اجتماعية كبيرة من المجتمع الأرجنتيني للفرجة السينمائية... بأفلام بسيطة في مظهرها عميقة في غوصها في البحث عن الأعطاب المجتمعية الكامنة فيه... تحفل هذه السينما بقصص سينمائية مشوقة يعمل مخرجوها على كتابتها من بداية الفيلم حتى نهايته... ويتحملون مسؤولية نجاح الفيلم وفشله...كما تابعنا في أفلام «باولينا « و»اللاجئ».. إلخ، وصولا إلى فيلم « حتى نهاية النفق «)2016( للمخرج الأرجنتيني ليوناردو سباغرليا في فيلمه الروائي الثالث. يقدم المخرج ليوناردو سباغرليا كما في فيلميه السابقين، «مساجين النسيان» (2001)و»مسألة مبادئ» (2011 (، بنفس التشويق وحكاية بسيطة متقنة... حكاية رجل مقعد يدعى خواكين بماض من الحسرة يعاقب نفسه بالانزواء في شقته وحيدا بكرسي متحرك ومع كلب مريض يرى فيه علته... يشتغل بإصلاح الأجهزة الالكترونية... لكن الحاجة والعوز والفقر ترمي به إلى أن يستأجر غرفة لراقصة للتعري صحبة ابنتها المراهقة.... تتسلل الكاميرا منذ المشهد الأول من الشارع بلقطة متحركة إلى منزل خواكين المعاق لترسم حالة من عدم الرضا والبؤس المحيط بالنفس والبدن... صورة تحمل معها أسئلة مقلقة عن أسباب هذه الحسرة المتغلغلة في النفس... وعن ماض سحيق للرجل... تتغير الصورة شيئا ما بدخول الراقصة... وتتغير الصورة من القتامة والسوداوية إلى ألوان الحياة الوردية.. رغم أنها راقصة للتعري في ناد.. تحمل معها بعض السرور لقلب خواكين المفجوع... هل يحتاج بطل الفيلم خواكين للفرح أم لرغبة الجنس الدفينة فيه وهو يحملق في الراقصة بنظرات تملؤها الشهوة؟ حالة منالتراضي تنشأ بين خواكين والراقصة وابنتها ورابعهم الكلب ... وحالة من الوئام تبدأ في التبلور... ولكن فجأة هناك ما يبدد سير هذا التناغم... شطر الحكاية في جزئه الثالث .... بداية حفر نفق تحت المنزل... بغية سرقة بنك في الجوار... فكما يقال فللحيطان آذان... يلتقط خواكين بحدسه السريع عمليات الحفر ومن ثمة يعقد العزم أن يعوض كل ما فاته... عن ماض من السجن وإعاقة وبؤس وفقر في الحاضر... لكن كيف يغوص الرجل المقعد في دواليب حكاية سرقة مخطط لها بنوع من الإحكام والتروي ومن قبل عصابة متخصصة ومحترفة لفعل السرقة؟... تتناسل الأسئلة لنرى أن خواكين الرجل المقعد الذي يستطيع أن يفعل أكثر من أناس في كامل قواهم الجسدية والبدنية... هنا تكمن رسالة الفيلم ... أن المقعد ليس مقعد اليدين والأرجل ولكن المقعد والمعاق.. مقعد العقل... الجزء الأكثر تشويقا في الفيلم ... الجزء الرابع .... مواجهة خواكين مع رجال العصابة... كما هي نهاية أفلام التشويق والحركة... وكما هي للحظات الكبرى في أفلام اللصوصية والسرقات المخطط لها بإحكام ننتظر النهاية والمفاجأة الكبرى كيف سيعمل خواكين على قلب المشهد... لصالحه.. وكيف سيؤدي الثمن؟ في الجانب الفني للفيلم نجد الممثلة الإسبانية كلارا لاغو... والتي أدت الدور بإتقان وتغلبت على لغتها الاسبانية لتحاكي النبرة الأرجنتينية... أجادت الدور وحملت معها أحاسيس الأمومة وغنج الراقصة والنظر إلى المكتري الرجل المقعد والكلب البائس... في الفيلم نجد دورين هامين ثانوين أنقذا الفيلم من الرتابة... الأول جسده الممثل بابلو إيتشاري في دور غاليرتو ثم الثاني دور الممثل الثانوي جسده فريديريكو لوبي في دور غوتمان... أديا دور لصين بارعين... يتماهى الفيلم مع العديد من الأفلام من حيث المظهر كما هي حالة الفيلم الإسباني «مائة عام من الغفران» وفيلم هتشكوك الشهير « النافذة الخلفية» وبطله جيمس ستيوارت... وفيلم «غابة من الزجاج» للممثل الأمريكي بريس ويليس... وفيلم أرنولد شوا زينغر «المدمر». يقترب الفيلم من هذه الأفلام ليجد لنفسه خصوصية في مشهده العام الأرجنتيني... وطرح مسألة تبييض الأموال وإيجاد الطريقة المثلى لها عبر سرقة الأبناك وإعادة ترويج المال بطريقة أخرى... داخل الفيلم، نجد نفسيات الأبطال المنهارة والهشة والمعقدة... لصوص وراقصة ومقعد وكلب مريض... مجتمع مصغر لمجتمع تستشري فيه السرقة والأمراض والأعطاب، ويصبح فيه اللصوص أبطالا... أحلام تراود بعض شخصيات الفيلم بتحقيق حلم العمر والانقضاض على اللحظة المناسبة... نفسيات غارقة في واقع اجتماعي هش يطبعه البؤس وماض مهزوم وفاشل ولحظة مفاجئة تأتي وقد حان الأوان للترامي عليها مهما كلف الأمر... عاملان أساسيان أعطيا لفيلم «حتى نهاية النفق» قوة ونجاحا وتشويقا... تصوير المبدع فليكس مونتي بلقطات ومشاهد تتسلل إلى عمق نفسيات أبطال الفيلم.. وموسيقى أصيلة تتخلل مشاهد الفيلم لتمنح زخما فيلميا يؤجج النفسيات ويدفعها سواء بإدراك أو بغير وعي إلى أن تغوص بعيدا في عملية السرقة... مسألة في غاية الأهمية ويمتلكها قلة من المخرجين.. كيف يستطيع المخرج أن يحوز على انتباه المشاهدين وبنفس التشويق حتى اللحظة الأخيرة من الفيلم؟ المخرج ليوناردو سباغرليا استطاع أن يقبض الأنفاس حتى الرمق الأخير من الفيلم، بقصة تبدو بسيطة في مظهرها، عميقة في تجلياتها وشخوصها وتعمقها في الكيان الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والحياة السياسية الهشة في الأرجنتين... يلمح ويلمح ويرمز المخرج إلى أكثر من مظهر للصوصية... وإلى أن المعاقين من الساسة بخطبهم وأفكارهم وإعاقاتهم يسرقون حلم أجيال قادمة... رسالة الفيلم واضحة في تجلياتها الكبرى: السارق لا يعاقب وأن خاتمته هي أن يسود ويستحوذ... بلاغة الفيلم الرمزية والدلالية مغلفة بقصة سرقة تنتهي إلى أن يأكل الفأر القط في نهاية المطاف... فالذكاء سلعة نادرة، ومن يوظفه في السرقة وتبييض الأموال يكون في نهاية المطاف الرجل الأقدر على سياقة القطيع بكامله...