أثارت مسألة التعيينات في مناصب حساسة بجماعة الدارالبيضاء، مؤخرا، نقاشات طويلة وعريضة الى درجة ان ولاية الدار البيضاء راسلت محمد ساجد ، رئيس مجلس المدينة ، بشأن خلفية إعادة تعيين أحد الموظفين في منصب مسؤول بمصلحة رخص البناء بعد أن استبعد من هذا المنصب قبل أشهر . واحتجت فرق في مجلس المدينة على قرار ساجد عزل موظف آخر من منصب رئيس المصلحة الدائمة لمراقبة شركة ليدك، وتعيين آخر قادم من الشركة ذاتها ليشغل هذا المنصب! المثير للاستغراب والتساؤل بالنسبة لأي متتبع للشأن المحلي بالعاصمة الاقتصادية، ومنذ دخول الدارالبيضاء في نظام وحدة المدينة بقيادة ساجد لولايتين متتاليتين، هو طريقة التعيينات في المناصب الحساسة والمهمة جدا في الهيكل الاداري الجماعي. في بداية ولايته الاولى، استقدم محمد ساجد مؤسسة مختصة في اختيار الأطر، لشغل المناصب بمختلف درجاتها (في مسرحية حبكت خيوطها بشكل جيد) تمتح فصولها من المثل الدارجي (نسمع ليك ومانديرش برأيك)! ففي تجاهل تام لكل المقترحات التي قدمتها تلك المؤسسة، سيفاجئ ساجد الجميع بتعيينات لموظفين مغمورين، لم يسبق أن تحملوا أية مسؤولية مهمة في الجماعات السابقة التي كانت تؤثث الدارالبيضاء قبل وحدة المدينة، فمثلا في قطاع ، كقطاع النقل الذي يعد من القطاعات الحيوية والمعقدة جدا، في مدينة من حجم البيضاء، سيتم منذ 2004 الى يومنا هذا، وضع مصير هذا القطاع بين يدي موظفة إدارية، كانت تشتغل بمصلحة الحالة المدنية، في حين تم تهميش عدد من المهندسين والأطر المختصة في المجال، ليظل السؤال المطروح هو: لماذا هذا الاختيار من قبل رجل قادم من عالم المقاولة والمال والأعمال؟ وفي مجال آخر أكثر حيوية، ويسيل لعاب الدوماليين والممارسين للشأن المحلي، ألا وهو قطاع التعمير، سيد كل القطاعات بكل الجماعات الحضرية، ستتضاعف علامات التعجب والاستغراب والاستفهام، اذا علمنا أن محمد ساجد ، بعقلية رجل الاعمال العصري والذكي جدا، سيعين في منصب مدير مديرية التعمير موظفا إداريا، استطاع أن يتدرج في السلم الاداري ليصل الى السلم العاشر آنذاك متصرف مساعد، رغم أن مقاطعات الدار البيضاء تعج بأكثر من 60 مهندسا معماريا. واذا ما افترضنا أن التعيينات الأولى التي قام بها رئيس الجماعة في هذا المجال، جاءت في سياق الارتباك الذي طبع بداية التجربة، فالرجل سيظهر أنه لم يكن مرتبكا قط بسبب إكراهات المسؤولية الجديدة. ففي سنة 2011، اي بعد مرور سبع سنوات، سيعين في ذات المنصب موظفا إداريا له نفس رتبة سابقه، وهو الاختيار الذي يطرح أيضا تساؤلا عريضا؟ وفي قطاع ، يعد من القطاعات التي تثير أكثر من نقاش وهو قطاع النظافة، هذا القطاع الذي يبتلع اليوم ، وكما أشرنا الى ذلك في عدد سابق، أكثر من 70 مليار سنتيم سنويا ، والذي يتطلب تدبيره وتسييره مستوى عاليا من الكفاءة والتقنية، سيضع ساجد على رأسه إطارا كانت تعمل كموظفة بمركب محمد الخامس أيام الجماعات السابقة، ولم يسبق أن تبوأت أية مسؤولية قبل نظام وحدة المدينة، وظلت لوحدها تتحكم في ميزانية 52 مليارا بدون أي فريق، وهي الميزانية القريبة جدا من ميزانية البرلمان المغربي (60 مليارا) ؟! ألم يكن هذا الاختيار مغامرة نحو المجهول؟ وفاء لنفس النهج القديم، وحفاظا على نفس الهاجس، قام محمد ساجد في سنة 2011 ، بتعيين مهندس معماري كاتبا عاما للجماعة الحضرية للدارالبيضاء، في الوقت الذي تزدحم مكاتب مقاطعات العاصمة الاقتصادية بأفواج من الكتاب العامين، خريجي المدارس المختصة التابعة لوزارة الداخلية، وهو ما أسال الكثير من الأسئلة؟ فمهندس يعين مكان الاداري، والاداري بدل المهندس، وهو خلط فيه كثير من اللبس؟! ساجد سيتوج هذه التعيينات بتنصيب إطار مالي، سبق أن تحملت مسؤولية قسم العتاد وتم عزلها بعد الأخطاء التي راكمتها رغم التغطية من المستفيدين من منصبها على رأس قسم الممتلكات، وما أدراك ما قسم الممتلكات، خصوصا مع «الثغرات» ، التي عرفها القطاع ، وأضاف لها قسم الشؤون القانونية، الذي رغم وجود أطر محنكة على رأسه في السابق ذات اختصاص قانوني ، كانت تستنزف من هذا القسم في المحاكم في كل سنة، أكثر من 7 مليارات كمعدل رقمي، يذهب لكل من تقدم بدعوى قضائية ضد الجماعة. فما بال موظفة مختصة في المالية لا علاقة لها بعالم القانون؟ ونذكر هنا أن هذه الموظفة كانت مسؤولة عن قطاع العتاد (المرآب وحظيرة السيارات) وفي سياق «صفقة إطار» مع شركة اكترت سياراتها للجماعة، ارتكبت خطأ كلف المدينة الملايين، حيث عقدت صفقة مع تلك الشركة في اكتوبر واعتبرت أن نهايتها المالية في اكتوبر المقبل من السنة الموالية، وهو ما لا تعترف به صفقات الاطار التي تؤكد أن السنة المالية تبتدئ من 1 يناير وتنتهي في 31 دجنبر، وأن أي استغلال ولو لمدة شهر يعتبر سنة! ووقعت لصالح الشركة باعتراف بدين، وقامت الأخيرة برفع دعوى قضائية على الجماعة. لذا فالسؤال عريض بشأن مثل هذا التعيين؟! للإشارة فقط، إن الطموح لأي منصب هو حق مشروع لأي موظف، وإثارتنا لهذه النماذج من التعيينات ، على سبيل المثال لا الحصر، لا نستقصد من خلالها الحط من قدرة وكفاءة أي موظف جماعي، ولكن الهدف، هو أن نبين ماهية ودوافع مثل هذه الاختيارات في المناصب، التي يجد الموظف نفسه «مجبرا» على تحملها، وهي في الحقيقة تخدم أهداف البعض. إن أي ملاحظ لمنهجية العمل التي يتبعها رجل الأعمال العصري محمد ساجد، والمنعش العقاري الجديد، وصاحب الصفقات الكبرى، يتضح له أن هذه التعيينات لم تكن عشوائية، بل كان مخططا لها بإحكام، ونابعة من تخطيط مسبق في التعامل مع تدبير وتسيير أكبر جماعة في المغرب. فأكبر الصفقات المتعلقة بالنقل الحضري «مررت» في سنة 2004 بتأشير ممن عينهم في المسؤولية وتحت مسؤوليتهم الإدارية ، وهي التعيينات التي مكنت من تمرير الصفقات العقارية الكبرى من طرف الرئيس «المنعش العقاري الجديد»، وهو الأمر الذي يستحيل مع مهندسين معماريين أكفاء! وفي سنة 2004، أيضا، سيتم تمرير صفقات تدبير قطاع النظافة الى الشركات الثلاث (سيطا، تكميد، سوجيديما) تحت مسؤولية و على «عاتق» قسم يفتقر الى جميع الوسائل المادية واللوجستيكية والبشرية الكفيلة بتتبع الاختلالات الكبيرة، التي ستظهر لاحقا ، والتي استنزفت من الجماعة الأموال الطائلة، مع انعدام نظافة في مستوى مدينة عصرية! وفي سباق مع الزمن، ومع اقتراب انتهاء ولاية ساجد، ومن أجل تمرير ما بقي من «الوزيعة» الجماعية، كبعض الملفات القانونية التي رفض رئيس القسم المعزول التأشير عليها ، ورغبة في الحد من إثارة مشكل الممتلكات الجماعية بالاضافة إلى ملفات أخرى، التي يتطلب تدبيرها ، في هاته الأشواط الاضافية من عمر المجلس، سرية تامة، قام بتعبيد الطريق للتعيينين الأخيرين، أي الكاتب العام (العلبة السوداء) ومسؤولة العتاد سابقا!