هلال يرأس لجنة بناء السلام الأممية    بوصلة إفريقية للمستقبل .. فاعلون من أنحاء القارة يعدّون بالرباط "ميثاق البحر"    خبير يشكك في صرامة عقوبات الكاف بعد أحداث نهائي المغرب والسنغال    الشراكة المغربية الأوروبية: رهانات اقتصادية وأمنية وسياسية في زمن التحولات العالمية    محكمة الاستئناف بتطوان تفتتح السنة القضائية 2026 بحصيلة تؤشر على تحسن الأداء وارتفاع نسب البت في مختلف القضايا        من بينهم أمنيين.. تسهيل تهريب سلع مقابل عمولات مالية يورط 24 شخصا بطنجة    تقرير رسمي يدعو إلى إسناد رعاية الأشخاص في وضعية هشاشة إلى أسر مستقبلة وتنظيم اقتصاد الرعاية بالمغرب    ليلة سقوط الكاف    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الأحمر        بايتاس : الواردات المائية بالسدود بلغت 5829,16 مليون متر مكعب    جازابلانكا 2026.. روبي ويليامز أيقونة البوب البريطاني يحيي لأول مرة حفلا في شمال إفريقيا        أخبار الساحة    "الكونفدرالية": إدانة المدافعين عن المال العام مس خطير بحرية التعبير    اللجنة الإدارية الوطنية: الاستحقاقات الديمقراطية لصيف هذه السنة محطة فاصلة    استئناف جزئي لحركة الملاحة البحرية        تعزيز القطب الطبي لأكادير بإطلاق الجيل الجديد من الجراحة الروبوتية بالمستشفى الجامعي    الجامعة تتجه لاستئناف قرارات "الكاف"        أوروبا تصنف "الحرس الثوري" إرهابيا    سفارة إسبانيا تقدّم "البرنامج الثقافي"    المكتب الوطني للمطارات يعلن تعليق الأنشطة الجوية بمطار تطوان    جيرار لارشي: الروابط بين فرنسا والمغرب يمكن أن تشكل مرجعا لإرساء علاقة متناغمة بين ضفتي المتوسط وبين أوروبا وإفريقيا    إغلاق مطار سانية الرمل بتطوان مؤقتا بسبب التساقطات المطرية الكثيفة    البرتغال.. خمسة قتلى وانقطاع واسع للكهرباء بسبب العاصفة "كريستين"    الاتحاد الصيني لكرة القدم يعلن عقوبات صارمة ضد التلاعب والفساد    نشرة انذارية تحذر من اطار قوية قد تصل الى 120 ملم    معارضتنا الاتحادية، المحكمة الدستورية والإعلام .. لا نخشى في الحق لومة خصم أو صديق    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة            تحذير فلسطيني من استهداف "أونروا"    مايكروسوفت تتخطى توقعات إيرادات خلال الربع الأخير من 2025    دوري أبطال أوروبا.. حارس بنفيكا يقر بعدم إدراكه حسابات التأهل في لحظات جنونية    فيتنام وأوروبا يرقيان التعاون التجاري    العدوان الامبريالي على فنزويلا    "مايكروسوفت" تتخطى التوقعات بإيرادات بلغت 81.3 مليار دولار خلال الربع الأخير من 2025    فرنسا تمهد لتسليم قطع فنية وتراثية منهوبة    متوسط العمر المتوقع يبلغ أعلى مستوى في أمريكا        فرنسا.. مجلس الشيوخ يقر قانونا لإعادة قطع فنية وتراثية تعود للحقبة الاستعمارية إلى دولها الأصلية        كأس أمم إفريقيا بالمغرب تحطم أرقاماً قياسية رقمية وتتجاوز 6 مليارات مشاهدة    عالم جديد…شرق أوسط جديد    إفران تستضيف الدورة ال27 من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير    الحاجة إلى التربية الإعلامية لمواجهة فساد العوالم الرقمية        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في اتجاه مجتمع الحداثة

يبدو أن المغرب يسير بخطى حثيثة وثابتة نحو بناء دولة مدنية عصرية رغم كل أشكال المقاومة والاعتراض للقوى الرجعية المعادية للتجديد الديني وللاجتهاد المستنير، ومما يدعو إلى التفاؤل أن القرارات المتخذة في هذا الاتجاه التحديثي صادرة عن أهم مؤسسات الدولة: المؤسسة الملكية والمؤسسة التشريعية والمؤسسة الحكومية، وبالتالي فهي موضوع إجماع وطني يعكس انخراط المغرب في المنظومة الكونية لحقوق الإنسان ويجسد الإرادة الجماعية للطبقة السياسية المغربية لتحديث الدولة والمجتمع.
في الأيام القليلة الماضية:
– صدور الظهير الشريف رقم 1.00.350، متعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني لحقوق الإنسان. وبغض النظر عن بنود القانون الجديد الذي صادق عليه البرلمان بغرفتيه في الدورة الأخيرة، والتي هي موضوع نقاش لن ينتهي بين نشطاء حقوق الإنسان، فإن حيثيات الظهير تؤكد على «استكمال بناء الدولة العصرية للحق والقانون»، و «أن صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وضمان ممارستها، تعد أمانة دستورية من صميم مهام أمير المؤمنين» الذي يلتزم « بمواصلة العمل على النهوض بحقوق الإنسان وصيانة الحريات وترسيخ دولة الحق والقانون وتعزيز كرامة المواطن ضمن مفهوم شمولي لحقوق الإنسان باعتبارها رافعة قوية لتنمية تتكامل فيها كل أبعاد الحقوق من سياسية ومدنية واقتصادية واجتماعية وثقافية».
– صدور بلاغ للديوان الملكي القاضي بأحقية المرأة المغربية بممارسة مهنة العدول،»بناء على الأحكام الشرعية المتعلقة بالشهادة وأنواعها، والثوابت الدينية للمغرب، وفي مقدمتها قواعد المذهب المالكي، واعتبارا لما وصلت إليه المرأة المغربية من تكوين وتثقيف علمي رفيع، وما أبانت عنه من أهلية وكفاءة واقتدار في توليها لمختلف المناصب السامية…
– مصادقة الحكومة المغربية على مشروع قانون بشأن محاربة العنف ضد النساء، وهو الأول في تاريخ المملكة بعدما بقي النقاش حوله معلقا منذ اقتراحه سنة 2013. وقد جاء في البيان الحكومي، أنّ مشروع القانون يستند إلى «الحقوق التي كرّسها دستور المملكة، والذي نصّ على المساواة والنهوض بحقوق المرأة وحمايتها وحظر ومكافحة كلّ أشكال التمييز».
– تصريح وزير العدل محمد اوجار الذي أكد على احترام الحريات الفردية والحياة الخاصة، بما فيها العلاقات الجنسية الرضائية بين راشدين وإفطار رمضان، شريطة احترام الفضاء العام، وتأكيد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، المصطفى الرميد، أنه لا يمكن مصادرة حرية العقيدة، وأن هناك ضوابط للتوفيق بين حرية المعتقد وتعاطي المجتمع مع ذلك.


في غضون أسبوعين تواترت قرارات ومواقف وقوانين تصب جميعها في ترسيخ حقوق الإنسان، وحماية الحريات الفردية وتوسيع مجالها، ودعم المساواة بين الجنسين، وذلك من خلال تأويل متقدم لأحكام الشريعة.
لقد جاء في بلاغ الديوان الملكي القاضي بحق المرأة في ممارسة العدولية أن القرار تم بناء على " الأحكام الشرعية المتعلقة بالشهادة وأنواعها، والثوابت الدينية للمغرب، وفي مقدمتها قواعد المذهب المالكي، واعتبارا لما وصلت إليه المرأة المغربية من تكوين وتثقيف علمي رفيع، وما أبانت عنه من أهلية وكفاءة واقتدار في توليها لمختلف المناصب السامية". وفي ديباجة الظهير الشريف المتعلق بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ورد أن " صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وضمان ممارستها، تعد أمانة دستورية من صميم مهامنا السامية بصفتنا أميرا للمؤمنين. كما أنها تجسيد لأسس حضارتنا وثقافتنا وقيمنا الإسلامية السمحة، ولالتزاماتنا الدولية بخصوص حماية حقوق الإنسان، وصونها، والنهوض بها باعتبار كل منها مرجعية في هذا الشأن".
ومن الواضح أن هذه القرارات تمحورت حول موضوعين هما في العمق مترابطان أقوى ارتباط: موضوع حقوق الإنسان ولاسيما مسألة الحريات الفردية، وتحقيق المساواة بين الجنسين من خلال تمكين المرأة من مزيد من الحقوق وحمايتها من العنف بكل أشكاله. ومما لا ريب فيه أن تزامن تنزيل هذه القوانين والتعبير عن هذه المواقف ليس أمرا اعتباطيا أو مجرد مصادفة، وإنما هي قوانين ومواقف تندرج ضمن مقاربة سياسية/ قانونية لتنزيل مقتضيات دستور 2011 تنزيلا ديمقراطيا سيتيح للمغرب السير قدما نحو مجتمع الحداثة التي بدون شيوع قيمها النبيلة لا يمكن قيام مجتمع ديمقراطي بالمعنى السوسيو ثقافي للديمقراطية التي تسعى حركات الإسلام السياسي إلى اختزالها في الانتخابات.
وإذا كانت الدولة بكل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية قد وضعت المغرب على سكة الحداثة في أفق بناء دولة مدنية ينعم فيها المغربي بحريته كاملة، غير منقوصة، في ظل دولة القانون والمساواة وحقوق الإنسان، فإن مسؤولية منظمات المجتمع المدني في الدفاع عن هذا التوجه وترسيخه وتنميته، من خلال عمل تثقيفي/ توعوي مستدام وقادر على تحويل القوانين والمبادئ إلى ممارسات يومية، مسؤولية ثابتة وضرورية وحاسمة.
دعاة التطرف الديني على اختلاف أطيافهم لن يهدأ لهم بال من أجل تقويض المشروع الديمقراطي الحداثي، وهاهم يشنون حربا "دينية" شعواء ضد الأشخاص والمؤسسات، متأبطين سيوف التكفير ورماح التشكيك في العقيدة، وهي حرب خطيرة واستراتيجية، لا يمكن مواجهتها دون تعبئة كل حاملي وحاملات قيم الحداثة والتقدم في كل المجالات، ثقافية وفنية ورياضية، ناهيك عن الأحزاب السياسية الديمقراطية. ولأن الحداثة رؤية للعالم والوجود الإنساني في كل أبعاده، جوهرها حرية الفكر والجسد والإبداع فإن المقاربة التشريعية/ القانونية ليست بالكاد كافية لانتصارها في مجتمع يعاني من "فوات تاريخي" حسب تعبير ياسين الحافظ (الهزيمة والاديولوجية المهزومة)، لذلك، لا مناص من إنجاز ثورة حقيقية في التعليم والتربية ومجمل مؤسسات التنشئة والتثقيف الجماهيري، صحيح أن الحداثة "تيار جارف" تصعب مقاومته (عبد لله العروي) لكن هي أيضا فعالية بشرية وإنجاز إنساني.

يبدو أن المغرب يسير بخطى حثيثة وثابتة نحو بناء دولة مدنية عصرية رغم كل أشكال المقاومة والاعتراض للقوى الرجعية المعادية للتجديد الديني وللاجتهاد المستنير، ومما يدعو إلى التفاؤل أن القرارات المتخذة في هذا الاتجاه التحديثي صادرة عن أهم مؤسسات الدولة: المؤسسة الملكية والمؤسسة التشريعية والمؤسسة الحكومية، وبالتالي فهي موضوع إجماع وطني يعكس انخراط المغرب في المنظومة الكونية لحقوق الإنسان ويجسد الإرادة الجماعية للطبقة السياسية المغربية لتحديث الدولة والمجتمع.
في الأيام القليلة الماضية:
– صدور الظهير الشريف رقم 1.00.350، متعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني لحقوق الإنسان. وبغض النظر عن بنود القانون الجديد الذي صادق عليه البرلمان بغرفتيه في الدورة الأخيرة، والتي هي موضوع نقاش لن ينتهي بين نشطاء حقوق الإنسان، فإن حيثيات الظهير تؤكد على «استكمال بناء الدولة العصرية للحق والقانون»، و «أن صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وضمان ممارستها، تعد أمانة دستورية من صميم مهام أمير المؤمنين» الذي يلتزم « بمواصلة العمل على النهوض بحقوق الإنسان وصيانة الحريات وترسيخ دولة الحق والقانون وتعزيز كرامة المواطن ضمن مفهوم شمولي لحقوق الإنسان باعتبارها رافعة قوية لتنمية تتكامل فيها كل أبعاد الحقوق من سياسية ومدنية واقتصادية واجتماعية وثقافية».
– صدور بلاغ للديوان الملكي القاضي بأحقية المرأة المغربية بممارسة مهنة العدول،»بناء على الأحكام الشرعية المتعلقة بالشهادة وأنواعها، والثوابت الدينية للمغرب، وفي مقدمتها قواعد المذهب المالكي، واعتبارا لما وصلت إليه المرأة المغربية من تكوين وتثقيف علمي رفيع، وما أبانت عنه من أهلية وكفاءة واقتدار في توليها لمختلف المناصب السامية…
– مصادقة الحكومة المغربية على مشروع قانون بشأن محاربة العنف ضد النساء، وهو الأول في تاريخ المملكة بعدما بقي النقاش حوله معلقا منذ اقتراحه سنة 2013. وقد جاء في البيان الحكومي، أنّ مشروع القانون يستند إلى «الحقوق التي كرّسها دستور المملكة، والذي نصّ على المساواة والنهوض بحقوق المرأة وحمايتها وحظر ومكافحة كلّ أشكال التمييز».
– تصريح وزير العدل محمد اوجار الذي أكد على احترام الحريات الفردية والحياة الخاصة، بما فيها العلاقات الجنسية الرضائية بين راشدين وإفطار رمضان، شريطة احترام الفضاء العام، وتأكيد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، المصطفى الرميد، أنه لا يمكن مصادرة حرية العقيدة، وأن هناك ضوابط للتوفيق بين حرية المعتقد وتعاطي المجتمع مع ذلك.


في غضون أسبوعين تواترت قرارات ومواقف وقوانين تصب جميعها في ترسيخ حقوق الإنسان، وحماية الحريات الفردية وتوسيع مجالها، ودعم المساواة بين الجنسين، وذلك من خلال تأويل متقدم لأحكام الشريعة.
لقد جاء في بلاغ الديوان الملكي القاضي بحق المرأة في ممارسة العدولية أن القرار تم بناء على " الأحكام الشرعية المتعلقة بالشهادة وأنواعها، والثوابت الدينية للمغرب، وفي مقدمتها قواعد المذهب المالكي، واعتبارا لما وصلت إليه المرأة المغربية من تكوين وتثقيف علمي رفيع، وما أبانت عنه من أهلية وكفاءة واقتدار في توليها لمختلف المناصب السامية". وفي ديباجة الظهير الشريف المتعلق بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ورد أن " صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وضمان ممارستها، تعد أمانة دستورية من صميم مهامنا السامية بصفتنا أميرا للمؤمنين. كما أنها تجسيد لأسس حضارتنا وثقافتنا وقيمنا الإسلامية السمحة، ولالتزاماتنا الدولية بخصوص حماية حقوق الإنسان، وصونها، والنهوض بها باعتبار كل منها مرجعية في هذا الشأن".
ومن الواضح أن هذه القرارات تمحورت حول موضوعين هما في العمق مترابطان أقوى ارتباط: موضوع حقوق الإنسان ولاسيما مسألة الحريات الفردية، وتحقيق المساواة بين الجنسين من خلال تمكين المرأة من مزيد من الحقوق وحمايتها من العنف بكل أشكاله. ومما لا ريب فيه أن تزامن تنزيل هذه القوانين والتعبير عن هذه المواقف ليس أمرا اعتباطيا أو مجرد مصادفة، وإنما هي قوانين ومواقف تندرج ضمن مقاربة سياسية/ قانونية لتنزيل مقتضيات دستور 2011 تنزيلا ديمقراطيا سيتيح للمغرب السير قدما نحو مجتمع الحداثة التي بدون شيوع قيمها النبيلة لا يمكن قيام مجتمع ديمقراطي بالمعنى السوسيو ثقافي للديمقراطية التي تسعى حركات الإسلام السياسي إلى اختزالها في الانتخابات.
وإذا كانت الدولة بكل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية قد وضعت المغرب على سكة الحداثة في أفق بناء دولة مدنية ينعم فيها المغربي بحريته كاملة، غير منقوصة، في ظل دولة القانون والمساواة وحقوق الإنسان، فإن مسؤولية منظمات المجتمع المدني في الدفاع عن هذا التوجه وترسيخه وتنميته، من خلال عمل تثقيفي/ توعوي مستدام وقادر على تحويل القوانين والمبادئ إلى ممارسات يومية، مسؤولية ثابتة وضرورية وحاسمة.
دعاة التطرف الديني على اختلاف أطيافهم لن يهدأ لهم بال من أجل تقويض المشروع الديمقراطي الحداثي، وهاهم يشنون حربا "دينية" شعواء ضد الأشخاص والمؤسسات، متأبطين سيوف التكفير ورماح التشكيك في العقيدة، وهي حرب خطيرة واستراتيجية، لا يمكن مواجهتها دون تعبئة كل حاملي وحاملات قيم الحداثة والتقدم في كل المجالات، ثقافية وفنية ورياضية، ناهيك عن الأحزاب السياسية الديمقراطية. ولأن الحداثة رؤية للعالم والوجود الإنساني في كل أبعاده، جوهرها حرية الفكر والجسد والإبداع فإن المقاربة التشريعية/ القانونية ليست بالكاد كافية لانتصارها في مجتمع يعاني من "فوات تاريخي" حسب تعبير ياسين الحافظ (الهزيمة والاديولوجية المهزومة)، لذلك، لا مناص من إنجاز ثورة حقيقية في التعليم والتربية ومجمل مؤسسات التنشئة والتثقيف الجماهيري، صحيح أن الحداثة "تيار جارف" تصعب مقاومته (عبد لله العروي) لكن هي أيضا فعالية بشرية وإنجاز إنساني.
يبدو أن المغرب يسير بخطى حثيثة وثابتة نحو بناء دولة مدنية عصرية رغم كل أشكال المقاومة والاعتراض للقوى الرجعية المعادية للتجديد الديني وللاجتهاد المستنير، ومما يدعو إلى التفاؤل أن القرارات المتخذة في هذا الاتجاه التحديثي صادرة عن أهم مؤسسات الدولة: المؤسسة الملكية والمؤسسة التشريعية والمؤسسة الحكومية، وبالتالي فهي موضوع إجماع وطني يعكس انخراط المغرب في المنظومة الكونية لحقوق الإنسان ويجسد الإرادة الجماعية للطبقة السياسية المغربية لتحديث الدولة والمجتمع.
في الأيام القليلة الماضية:
– صدور الظهير الشريف رقم 1.00.350، متعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني لحقوق الإنسان. وبغض النظر عن بنود القانون الجديد الذي صادق عليه البرلمان بغرفتيه في الدورة الأخيرة، والتي هي موضوع نقاش لن ينتهي بين نشطاء حقوق الإنسان، فإن حيثيات الظهير تؤكد على «استكمال بناء الدولة العصرية للحق والقانون»، و «أن صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وضمان ممارستها، تعد أمانة دستورية من صميم مهام أمير المؤمنين» الذي يلتزم « بمواصلة العمل على النهوض بحقوق الإنسان وصيانة الحريات وترسيخ دولة الحق والقانون وتعزيز كرامة المواطن ضمن مفهوم شمولي لحقوق الإنسان باعتبارها رافعة قوية لتنمية تتكامل فيها كل أبعاد الحقوق من سياسية ومدنية واقتصادية واجتماعية وثقافية».
– صدور بلاغ للديوان الملكي القاضي بأحقية المرأة المغربية بممارسة مهنة العدول،»بناء على الأحكام الشرعية المتعلقة بالشهادة وأنواعها، والثوابت الدينية للمغرب، وفي مقدمتها قواعد المذهب المالكي، واعتبارا لما وصلت إليه المرأة المغربية من تكوين وتثقيف علمي رفيع، وما أبانت عنه من أهلية وكفاءة واقتدار في توليها لمختلف المناصب السامية…
– مصادقة الحكومة المغربية على مشروع قانون بشأن محاربة العنف ضد النساء، وهو الأول في تاريخ المملكة بعدما بقي النقاش حوله معلقا منذ اقتراحه سنة 2013. وقد جاء في البيان الحكومي، أنّ مشروع القانون يستند إلى «الحقوق التي كرّسها دستور المملكة، والذي نصّ على المساواة والنهوض بحقوق المرأة وحمايتها وحظر ومكافحة كلّ أشكال التمييز».
– تصريح وزير العدل محمد اوجار الذي أكد على احترام الحريات الفردية والحياة الخاصة، بما فيها العلاقات الجنسية الرضائية بين راشدين وإفطار رمضان، شريطة احترام الفضاء العام، وتأكيد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، المصطفى الرميد، أنه لا يمكن مصادرة حرية العقيدة، وأن هناك ضوابط للتوفيق بين حرية المعتقد وتعاطي المجتمع مع ذلك.


في غضون أسبوعين تواترت قرارات ومواقف وقوانين تصب جميعها في ترسيخ حقوق الإنسان، وحماية الحريات الفردية وتوسيع مجالها، ودعم المساواة بين الجنسين، وذلك من خلال تأويل متقدم لأحكام الشريعة.
لقد جاء في بلاغ الديوان الملكي القاضي بحق المرأة في ممارسة العدولية أن القرار تم بناء على " الأحكام الشرعية المتعلقة بالشهادة وأنواعها، والثوابت الدينية للمغرب، وفي مقدمتها قواعد المذهب المالكي، واعتبارا لما وصلت إليه المرأة المغربية من تكوين وتثقيف علمي رفيع، وما أبانت عنه من أهلية وكفاءة واقتدار في توليها لمختلف المناصب السامية". وفي ديباجة الظهير الشريف المتعلق بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ورد أن " صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وضمان ممارستها، تعد أمانة دستورية من صميم مهامنا السامية بصفتنا أميرا للمؤمنين. كما أنها تجسيد لأسس حضارتنا وثقافتنا وقيمنا الإسلامية السمحة، ولالتزاماتنا الدولية بخصوص حماية حقوق الإنسان، وصونها، والنهوض بها باعتبار كل منها مرجعية في هذا الشأن".
ومن الواضح أن هذه القرارات تمحورت حول موضوعين هما في العمق مترابطان أقوى ارتباط: موضوع حقوق الإنسان ولاسيما مسألة الحريات الفردية، وتحقيق المساواة بين الجنسين من خلال تمكين المرأة من مزيد من الحقوق وحمايتها من العنف بكل أشكاله. ومما لا ريب فيه أن تزامن تنزيل هذه القوانين والتعبير عن هذه المواقف ليس أمرا اعتباطيا أو مجرد مصادفة، وإنما هي قوانين ومواقف تندرج ضمن مقاربة سياسية/ قانونية لتنزيل مقتضيات دستور 2011 تنزيلا ديمقراطيا سيتيح للمغرب السير قدما نحو مجتمع الحداثة التي بدون شيوع قيمها النبيلة لا يمكن قيام مجتمع ديمقراطي بالمعنى السوسيو ثقافي للديمقراطية التي تسعى حركات الإسلام السياسي إلى اختزالها في الانتخابات.
وإذا كانت الدولة بكل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية قد وضعت المغرب على سكة الحداثة في أفق بناء دولة مدنية ينعم فيها المغربي بحريته كاملة، غير منقوصة، في ظل دولة القانون والمساواة وحقوق الإنسان، فإن مسؤولية منظمات المجتمع المدني في الدفاع عن هذا التوجه وترسيخه وتنميته، من خلال عمل تثقيفي/ توعوي مستدام وقادر على تحويل القوانين والمبادئ إلى ممارسات يومية، مسؤولية ثابتة وضرورية وحاسمة.
دعاة التطرف الديني على اختلاف أطيافهم لن يهدأ لهم بال من أجل تقويض المشروع الديمقراطي الحداثي، وهاهم يشنون حربا "دينية" شعواء ضد الأشخاص والمؤسسات، متأبطين سيوف التكفير ورماح التشكيك في العقيدة، وهي حرب خطيرة واستراتيجية، لا يمكن مواجهتها دون تعبئة كل حاملي وحاملات قيم الحداثة والتقدم في كل المجالات، ثقافية وفنية ورياضية، ناهيك عن الأحزاب السياسية الديمقراطية. ولأن الحداثة رؤية للعالم والوجود الإنساني في كل أبعاده، جوهرها حرية الفكر والجسد والإبداع فإن المقاربة التشريعية/ القانونية ليست بالكاد كافية لانتصارها في مجتمع يعاني من "فوات تاريخي" حسب تعبير ياسين الحافظ (الهزيمة والاديولوجية المهزومة)، لذلك، لا مناص من إنجاز ثورة حقيقية في التعليم والتربية ومجمل مؤسسات التنشئة والتثقيف الجماهيري، صحيح أن الحداثة "تيار جارف" تصعب مقاومته (عبد لله العروي) لكن هي أيضا فعالية بشرية وإنجاز إنساني.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.