منافسة شديدة بين حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب ''البام'' للفوز برئاسة جماعة البئر الجديد    الملك يهنئ رئيس جمهورية الهند بمناسبة احتفال بلاده بعيدها الوطني    الدرهم المغربي يتراجع مقابل الدولار الأمريكي    الرئيس الجزائري: اتفقت مع أردوغان على رفع مستوى التبادل التجاري مع تركيا إلى 5 مليارات دولار    مقتل مواطن مغربي في قصف لقوات حفتر لمسجد قرب العاصمة الليبية طرابلس    بعد "إصلاحات" بن سلمان: إسرائيل تعلن في مرسوم جديد السماح بالسفر رسميا للسعودية    دولة فلسطينية لن تكون “القدس” عاصمتها وابن سلمان يدعم الخطة    إضحك مع محمد علي: غضب من المصريين وأعلن اعتزاله السياسة !    حسنية أكادير يعود بتعادل بطعم الفوز من نيجيريا ويتأهل لربع نهائي كأس الكاف    الجيش الملكي يحقق فوزا مهما خارج ميدانه على حساب نهضة الزمامرة    جمال سلامي يقرر منح لاعبيه "يومي راحة" بعد مباراة الترجي    رسميا.. اتحاد طنجة يعلن رحيل الدميعي ومريانة عن الفريق وبيدرو الأقرب لخلافته    أمن بني مكادة بطنجة يوقف قاصرا للاشتباه في تورطه في أفعال إجرامية    وجدة: إحالة 5 أشخاص على النيابة العامة لتورطهم في التزوير واستعماله في تنظيم عمليات الهجرة غير الشرعية    معبر الكركرات يقود وفداً أمنياً موريتانياً رفيعاً إلى المغرب !    ترسيم الحدود البحرية.. إسبانيا تهدد المغرب باللجوء للأمم المتحدة صادق عليه مجلس النواب    القبض على أفراد عصابة متخصصة في تزوير وثائق ال"فيزا"    مقتل مواطن مغربي و إصابة 3 ليبيين بعد سقوط قذائف عشوائية بليبيا    فيروس كورونا: أرقام للاتصال بخلية أزمة لسفارة المغرب ببكين وبوزارة الخارجية    ليست كأعراض الزكام.. العلامات الأولى للإصابة بفيروس كورونا    أخنوش يأخذ قيادة حزبه لأبيدجان لاستقطاب مغاربة إفريقيا جنوب الصحراء    الصين تعلن التوصل إلى دواء فعال لعلاج فيروس كورونا القاتل    فيديو/وهبي : الأصالة والمعاصرة أخطر حزب سياسي بالمغرب    فاتح شهر جمادى الآخرة لعام 1441 ه غدا الاثنين    طقس مستقر مع سماء صافية .. ماذا قالت الأرصاد عن طقس الإثنين ؟    توقيف أشغال بناء ثانوية بالقنيطرة إثر انهيار سقف حجرة في طور البناء    التساقطات المطرية.. طنجة الأعلى على مستوى جهة الشمال    العداء المغربي لقواحي يفوز بلقب الدورة 31 لماراطون مراكش الدولي    نهضة بركان يمطر شباك إدجوبي البينيني بخماسية في كأس "الكاف"    مصدر صحي ينفي إصابة صينيين زارا ميدلت بفيروس “كورونا”    حقيقة إيقاف صينيين يشتبه في إصابتهما ب “كورونا” في “كازا”    مصرع عامل بناء أثناء عمله بعمارة بطنجة    تطور جديد في قضية “قتيل منزل نانسي عجرم”.. مكالمة بين زوجها والقتيل من شأنها إظهار الحقيقة    بعد 6 أشهر عطالة ب 52 مليون شهريا، الجامعة تفسخ عقد الفرنسي بوميل والأخير يلجأ للفيفا للمطالبة "بجوج مليار"    الرجاويون يختارون محمد الدويك كأفضل لاعب في مباراة الترجي التونسي    شركات تُعلن إفلاسها بجهة طنجة تطوان الحسيمة    صور/ نساء شماليات يكسرن احتكار الرجال للصيد البحري !    رجل المطاحن يتسلم قيادة “الباطرونا”    سلمى رشيد تجر أيت باجا إلى الكليبات    العروسي و”التغيير في الملامح”    “رباب فيزيون” تغني”أفلاح”    عاجل.. الصين تعلن عن مفاجأة كبيرة بخصوص فيروس “كورونا”    “الهاكا” تشارك في معرض الإذاعة والصوتيات الرقمية لسنة 2020 بباريس    أونسا: إتلاف وإرجاع 17 ألفا و641 طنا من المنتجات الغذائية غير الصالحة للاستهلاك خلال 2019    قافلة منتدى FITS تقف على المؤهلات السياحية لإقليم تنغير (صور) في إطار النسخة الثامنة للمنتدى    تصريحات جديدة لماكرون عن حرب الجزائر تثير موجة انتقادات في فرنسا    محمد عبد المنعم زهران يعيد«هندسةُ العالم»    تحفظ عن كشف الثروة المعدنية.. رباح: ترسيم الحدود تحصيل حاصل في حوار تلفزيوني    قاسم سليماني: ما مستقبل القوات الأمريكية في العراق بعد مقتله؟    الONE وشركة (طاقة المغرب) يوقعان العقود المتعلقة بتجديد الوحدات من 1 إلى 4 للمحطة الحرارية للجرف الأصفر    أصالة ردا على عدم مواجهة الكاميرا فحفلها: أنا حولة – فيديو    كيم كارداشيان متهمة بالسرقة.. وها العقوبة اللي كتسناها    تفصلنا 3 أشهر عن رمضان.. وزارة الأوقاف تعلن عن فاتح جمادى الثانية    الإعلان بتطوان عن الفائزين بجائزة القراء الشباب للكتاب المغربي شبكة القراءة بالمغرب ودار الشعر بتطوان    الاثنين.. أول أيام جمادى الأولى    معرفة المجتمع بالسلطة .. هواجس الخوف وانسلات الثقة    وقائع تاريخية تربط استقرار الحكم بالولاء القبلي والكفاءة السياسية    من المرابطين إلى المرينيين .. أحقية الإمارة والتنافس على العرش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مغامرة التجريب في رِوايَةِ «صبي الطين الأبدي»لإدريس الجرماطي
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 17 - 12 - 2018

بسرده يجوب بك مغارات وربوعا مفعمة بعبق التاريخ ورائحة أحداث ولت لكنها دوما معلقة بالذاكرة…
هو ذا السارد الذي يدهشك ويلج بك ما لم تتوقع أن تلجه وتسلك تضاريسه الوعرة …
هل لمبدعنا عيون عوالم أخرى ينفرد بها لوحده ؟ أم انه يحول ما يراه إلى مختلف يعتقد في جدواه إبداعيا؟ أسئلة قد نطرحها عليه يوما ما .
عبر شوارع ورزازات يحادث البسطاء والمثقفين وكل الذين يعرفون سخاءه وتواضعه، وحديثه الطريف الموحي إلى شخصيات مروياته الكثيرة …
حين نذكر إدريس الجرماطي، نتذكر أحداث مسروداته الملغزة التي تسلمك من درب إلى درب ومن حزن إلى فرحة ومن فرحة إلى بحث عن مجهول، ومن بحث إلى تساؤل ، ومن تساؤل إلى حلم بالأجوبة الشافية ، ومن بدء إلى عود يجعلك تعيش عوالم تمتعك بقدر ما تدهشك وتوقظ بعض مكنونات أعماقك …
افي سرده أصوات تأتي بأبعادها من أعماق محفوفة بالمجاهل والأنفاق المغرية بالمغامرة والإبحار.
لقد تحدث عن الحقيقة والسراب، عن الحفاوة والعذاب … تحدث عن الدمعة والبسمة، وربط الأقوال والأحداث وناسب بين هذه وتلك فخلق عوالم مفعمة بأحاسيس تحمل ما تعج به نفوس شخصيات أحداث روايته الأولى والثانية…
وهاهو يصدر روايته الجديدة محاولا سبر اغوار الذات في علاقتها بالواقع الحافل بالوقائع والمجريات.
في روايته الجديدة « صبي الطين «(*) يواصل تحليقه في عوالم يرسمها كي يرتادها القارئ، مسافرا عبر الحلم والبحث والرعب .
رواية على خط التجريب عبر تكثيف الحدث بشكل يصير الطافي على الشخصيات هذه الأخيرة التي تكاد تختفي في خضم تناسل الأحداث متخذة عدة اتجاهات ، اتجاهات للوصف وأخرى للتفكير، وأخرى للإدهاش الدافع إلى التأمل والتفكير في المراد ، وقد تحول هذه الصيغة دون القبض على الحدث في تنامي وتطوره ، وهنا تكون الرواية موجهة إلى نخبة من قراء الرواية والشعر حتى ، فالرواية مفعمة بأنفاس شعرية من حيث التكثيف التركيبي للمسرود.
فالجرماطي له القدرة على التخيل المتوالد في اللحظة ، مما يضفي الحركية الممتعة والمتعبة في ذات الوقت للقارئ الذي يمسك به الحدث الأول، فلا يطلق سراحه للمتابعة حتى يغرق في أجواء من التفاعلات بين الشخصيات وما تتابع وتفكر فيه أو تحاول الفكاك منه . يقول الكاتب في مستهل الفصل الأول» في البدء كانت الفوضى،غبار بلا حواس، حبات المطر تتساقط مع الأرض في موكب يعلوه الانتظار ، أية خرائط انتظار تكون بذلك حقلا لهذا الفراغ، والقناص ،في بداية الصباح يشد على الزناد ينتظر بدوره داخل دوامة الانتظار، أول طائر، يكون ضحية ، حيث الفضاء مسرح،كل له فيه انتظار خاص،والضحايا ضحايا، وكل في تسابق رغبة في حضور موسم كله زهور تمنح أريجها وعبقها للمارة، يحدث هذا في قرية اسمها روض ومسرح، ملامح تجسد مشهدا عالقا في لبلاب الزوار الذين يحبون رؤية الثلوج والعواصف،وليلي السمر الهادئة التي تصنع بالهمس أحداثا وصورا تقتل الرتابة، والملل ، واليومي الاعتيادي، وتمتد إلى القلوب بعفوية وجمال ، رغم أناسها البسطاء الذين يعيشون على الكفاف، يأكلون الرغيف ، ويعدون الأيام ، مؤمنين بأن القدر سيد الأدلة في عالم الإنسان، المكان منطقة يسكنها الجبليون ، الجبليون…فقط» ص17.
والكاتب يحاول أن يرسم الفضاء الذي سيكون موضع الصراع بين الشخصيات والأحداث لكن هذا الرسم رسم ملغز تغيبه الانزياحات الكثيرة المُخفية المراد الذي سيساهم في تطوير الحدث نحو التأزم والاحتدام، مما يدفع القارئ كي يبقى سجين خيوط الأحداث التي تلف نحو الأوصاف والتأملات في الفضاء والأشياء الموصوفة بشكل فريد.
إنه التوتر المستفز المعقد وهو يحوم بك في متاهات السؤال عن الجاني والمظلوم والحالم المحروم. وكأننا بصدد نص فلسفي يحاول أن يعمق الرؤية إلى المشكل الذي تتخبط فيه الشخصيات في أماكن موبوءة تعج بالتيه والبحث والأسئلة الصعبة.
فالأحداث المتصاعدة التي هي قوى الصراع مع البطل وغيره من الشخوص لا نحس بها بقدر ما نحس بما يدور حوله من وقائع تتناسل تناسلا قبل أن يفضي ذلك إلى نقطة تحول باهتة بلا ظلال بارزة ، فالقوى في النص حاضرة بقوة لكنها في ذات الوقت مغيبة لما يحوم حولها من قضايا وتحولات صغيرة ، وأحداث مغلقة على ذاتها.
« كتب الكائن الليلي في أوراقه الداخلية عبر أنفاسه عدة خطوط ، ومسامير وخربشات وأشكال كالمزامير.في مخيلته الأفكار تتالى في سمو حضرة الليل،لم ينته بعد ، ولن ينهي بياض الأوراق ، لأن الزقاق مشهد لا يطاق ، على طاولته فنجان قهوة بارد، تذكر نسيم النافذة، قام من مكانه ، نظر مليا إلى المكتوب ، لا شيء غير بياض في بياض. القلم يتآكل بين أسنانه المتآكلة بفعل السجائر، سيجارة تتلوها سيجارة على الليلة تقصر في عمقه المتألم ، سافر عبر نافذته الأخرى الخارجية عنه ، على الرصيف ، صخرة تميل إلى لون التراب ، فرد : من يقي التراب من التراب؟ ظل يتساءل…» ص 18.
فالسرد في الرواية تفصيلي جعله الوصف المكثف مغلقا لكنه يشي بالكثير ، وهنا تكمن بعض جماليته. وإذا كان الإسهاب في سرد الحدث من أهم خصائص الرواية ، فإن هذا الإسهاب إلى جانب الإدهاش وغرابة العوالم المرسومة من قبل الكاتب جعلت روايته لها من الفرادة ما يدخلها في باب التجريب .
رواية الجرماطي في جانب من جوانبها رواية وجدانية ، فهي مفعمة بالأحاسيس والمآسي المثيرة لمشاعر القراء بما تحمله من حساسيات ملمحة إلى المظالم الاجتماعية في علاقتها بالقضاء والصراع الطبقي.
يقول الكاتب « هل في السجل ذكرى دون مسدس ، الرصاصة أزعجت القرية ، ومسحت ملامح الهناء فينا؟
يقينا بأن هاته الرصاصة ظلت مرسومة على خد الطفل اليتيم ، وهو يتفقد آخر قطرة دم تنزف من أمه ، وهي تلفظ أنفاسها الاخيرة ، تاركة في الأمواج غضب السؤال، وحرمة قدر لا يقي من دموع تشهد حرارة الماء العاكر، ووسط السيول غياب الإنسان؟. « ص30.
بهذه الأوصاف الموحية والعميقة لمآسي ببعض شخصيات الرواية ، جعل إدريس الجرماطي روايته تسودها أجواء شاعرية مثيرة تحيل على الحرمان ومشتقاته ، فهو وإن كان يعيش في وجدانه كمبدع يحاول النأي بنفسه كي يرى الحدث عبر مخيلته من بعيد ، وبين الحاضر والماضي والمستقبل ، ينساق وراء سبك الحدث عبر أدواته الفنية إيماء وإيحاء كي ينتهي بروايته إلى تشكيل عالم يضج بالأحداث المتداخلة المنبثقة من ذات مأزومة تبحث عن خلاص.
فالرواية في مجمل معمارها خرقت الهدوء السردي، منخرطة في خضم الإبهار المتعلق بالشخصيات والفضاءات والأحداث والأوصاف حتى.
إنه الإدهاش حين يخترق المعتاد نحو تقنيات أعمق وأوسع تأثيرا حين يزود بشحنات متولدة من تصادمات الحدث مع الحدث، تصادم المصالح و الصراعات من أجل الحيرة والانعتاق.
ونختم بقول كاتبة مقدمة هذه الرواية أسماء بردوز « رواية كما عودنا تحتاج إلى التسلح بتلاوين الفهم وتجنيد الحواس ،وانضباط العقل في مهمة خوض غمار التحليل ، وتلقي المباغثة بحنكة الذكاء المزاوج لحداقة الفطنة..فأنت تجد هذا الإدريس ، يدخلك المقام بسحر مدركا لأزمة التلقي ، حيث يبسط لك ظل الهدوء سابقا ، ويلقي بك في ما بعد في شباك التلاحق الفكري لأحداث تراها بعيدة غريبة عنك ، لكنها في صلبها تدقيق في ماهية الحبلى بالشوك والوجع». ص 5.
رواية «صبي الطين الأبدي» لإدريس الجرماطي ، عن سليكي أخوين الطبعة الأولى فبراير 2018م.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.