في ثمانينات القرن الماضي انتشرت الجرائم بفاس بشكل مريب، وفي هذه الفترة عرف المغرب أحداثا ذهب ضحيتها عدد من المواطنين، حدث ذلك في 19 يناير 1984 حيث شهدت مجموعة من المدن – من بينها الناضور والحسيمة وتطوان والقصر الكبير ومراكش… – احتجاجات نتيجة ارتفاع الأسعار والزيادة قي ثمن الخبز، وذلك في سياق اقتصادي تميز بتطبيق سياسة التقويم الهيكلي المملاة من طرف الصندوق الدولي … في ظل هذه الأجواء، وذات صباح من تلك الصبحيات الحزينة، رن هاتف منزلي الثابت، رفعت السماعة حيث تناهى إلي صوت أجش، وخاطبني قائلا.. «إن المعلم رئيس الشرطة القضائية يطلبك للحضور إلى مكتبه في الساعة 11 صباحا لأمر يهمك». تواردت في ذهني عدة احتمالات، وتساءلت مع نفسي: ترى ماذا يخبئ لي القدر؟ وما نوع التهمة التي ستوجه لي؟ في هذه الفترة كنت مستشارا بمجلس فاس الاتحادي، إلى جانب عملي الإعلامي، وقبل التوجه الى مقر الشرطة القضائية اتصلت بالأخ جوهر الكاتب الإقليمي الأسبق للاتحاد الاشتراكي وأخبرته بمضمون المكالمة الهاتفية، ثم توجهت إلى الدائرة الأمنية بالبطحاء حسب الموعد المحدد. استقبلني ضابط بالكتابة الخاصة للرئيس وقدمت له نفسي وسبب قدومي، ابتسم الضابط مرحبا بي، مرددا أن الرئيس في انتظاري. عادت الوساوس الى ذهني لتؤرقني، غير أن حسن الاستقبال والابتسامة أعادا الطمأنينة إلى نفسي .وبعد بضع دقائق أدخلني الضابط الى مكتب الرئيس المرحوم الميلودي الحمدوشي «كولومبو المغرب» . قام من أريكته وصافحني بحرارة وجلس قبالتي ليطلب لي قهوة سوداء، وبادرني بالسؤال حول المجلس وطرق الاشتغال. كما سألني عن أوضاع التعليم، ليحدثني بعد ذلك عن مشاكل العمل وخاصة بقسم الشرطة القضائية، مشيرا إلى أنه يعامل المواطنين سواسية ويطبق القانون على الجميع ولايبالي بالتدخلات من أية جهة، وانتقل بعد ذلك للحديث عن الأدب والأدباء وعن الرواية والشعر والنقد الأدبي ، ثم القانون الجنائي وغير ذلك من المواضيع المختلفة. وبعد هذه الجلسة التعارفية، نادى على «الحاج»، وهو ضابط بالشرطة القضائية، وطلب منه أن يحضر له ملفا، وقبل أن يناوله الملف تراءت لي بين دفتيه صورة لمقال سبق أن نشرته بالجريدة حول جريمة نكراء تعرضت لها فتاة قرب ثانوية القرويين حيث اغتصبها أحد المجرمين بوحشية ثم تناول شفرة حادة ومررها ببشاعة على جهازها التناسلي وتركها مرمية في قارعة الطريق في حالة يرثى لها، ثم أشار إلى المقال قائلا «إنك ختمت مراسلتك متسائلا عن دور الشرطة في هذه النازلة؟، وأنا أؤكد لك أنني ذهبت شخصيا لزيارة الفتاة واشتريت لها الدواء، وبالمناسبة فإن الجاني لم يقف عند ارتكاب هذه الجريمة البشعة، بل مارسها مع عدد من السيدات من بينهن سيدة متزوجة حضرت لمكتبي ووضعت شكاية في الموضوع وأرشدتني إلى شخص معين قمت باعتقاله، ولما استنطقته أدركت أنه مريض نفساني عاش طفولته مع أمه التي كانت تمارس الدعارة فتكونت لديه عقدة ضد النساء». طلب مني في نهاية حديثه أن اتصل به لأخذ الخبر من مصدره، فأخبرته بأنني عضو في اللجنة الإعلامية الحزبية، فترجاني أن أبلغ إخواني بطلبه، لكن، مع الأسف، الإخوة المراسلون اعتقدوا أن العميد يريد توجيه الإعلام الحزبي. لتقع بعد ذلك جريمة قتل بالمدينة العتيقة، ونشرت خبر الجريمة قبل الاتصال به، ليستدعيني مرة أخرى حيث وجدته غاضبا، فحاولت تهدئته مبررا الموقف بأن أحد المواطنين هو من كان وراء نشر الخبر، غير انه غضب، مشيرا إلى أن المراسلة بتوقيع أحد المراسلين الاتحاديين ، فأدركت أنه اطلع على المراسلة، لأننا في تلك الفترة كنا نبعث بمراسلاتنا hors sac عبر الستيام إلى الدارالبيضاء، ورغم ذلك توطدت العلاقة بيني وبينه وأصبح مصدرا من مصادر أخباري. إن لقب «كولومبو المغرب» لم يأت من فراغ، بل اكتسبه الراحل من أسلوبه المتبع للوصول إلى حل الجرائم المعقدة، بالإضافة إلى محاربته لبارونات المخدرات خاصة لما عين بطنجة ، حيث لم يغر بالأموال التي عرضت عليه لإخفاء جرائم تهريب المخدرات، مما جعل الصحافة الاسبانية والفرنسية تكتب عنه وتشرفه بلقب «كولومبو المغرب». بعد ذلك، قدم الميلودي الحمدوشي، استقالته من وظيفته الأمنية، وأصبح أستاذا جامعيا، كما أنه ربط علاقات متينة مع أهل الأدب بفاس في طليعتهم الشاعر الرقيق الروائي المهدي حاضي والدكتور المسرحي الراحل محمد الكغاط وأستاذ علم الاجتماع احمد شراك وغيرهم من المثقفين والمثقفات، وتفرغ لكتابة الرواية البوليسية ومن أشهرها «الحوت الأعمى» التي تحولت إلى شريط تلفزي، و«مخالب الموت» و«حلم جميل» و«ضحايا الفجر» وغيرها.