عزوف المخاطرة يُبقي تقلب الذهب    كرة القدم ..الوداد الرياضي يعلن انفصاله بالتراضي عن المدرب محمد أمين بنهاشم    وهبي يقود أول حصة تدريبية ل"الأسود"    حصيلة ضحايا الحرب بالشرق الأوسط    الأندية المغربية.. حضور دائم في المراحل المتقدمة من المسابقات الإفريقية    توقيف شخص بضواحي طنجة متلبسا ب 4000 قرص مهلوس من نوع "إكستازي"    تدبير انتقالي لمستشفى الحسن الثاني بأكادير.. وزارة الصحة تحسم إعادة انتشار الموظفين باتفاق مع النقابات    الرئيس ترامب يتحدث عن "تغيير للنظام" في إيران، وتحقيق تقدم في المفاوضات    الفرنسية في المغرب: لغة نفوذ أم خيار سيادي؟    21 مارس يوم الأم .. حين يصبح الحنان أسلوب حياة    المرشحتان من أصول مغربية في باريس.. انسحاب كنافو لم ينقذ داتي    إعادة تكوين القطيع الوطني.. إطلاق عملية المراقبة وصرف الشطر الثاني من الدعم المباشر    باب الكبير يحتضن معرضا فنيا جماعيا بالريشة والصورة    نصر مكري يكرم عمه محمود بأغنية "حتى أنا بعيوبي" ويستانف جولته الفنية    أحزاب بتطوان تعتزم سلك مسطرة العزل تجاه مستشارين في "أغلبية البكوري"    أكثر من 862 ألف مغربي يحملون تصاريح الإقامة القانونية بإسبانيا سنة 2025    إشادة مقدسية بدور وكالة بيت مال القدس في دعم صمود السكان    نشرة إنذارية.. زخات رعدية محليا قوية مصحوبة بتساقط البرد اليوم الاثنين بعدد من مناطق المملكة    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    طنجة تحتضن الدورة 12 للمهرجان الدولي للفيلم "كاب سبارطيل" من 22 إلى 25 أبريل المقبل    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    ثلاث قتلى في حادث مأساوي بضواحي دمنات وإصابة عدد من الركاب    الصين.. تسقيف الزيادة في أسعار الوقود للتخفيف من تداعيات ارتفاع أسعار النفط عالميا    غيابات الحراس تربك حسابات الوداد        حيّ بن يقضان    أكاديمية المملكة تقارب تحولات التعليم    ماذا حدث داخل مطار لاغوارديا؟ .. تفاصيل الحادث المأساوي الذي أربك الرحلات    التامني: دعم النقل تحول لحلقة مفرغة تغذي الريع والبديل إحياء "سامير" ومراجعة تحرير المحروقات    تصنيف عالمي يضع المغرب ضمن الدول الأكثر مناعة ضد الإرهاب    "على باب السيما"..        مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    حموني يطالب بالتحقيق في تلاعب شركات المحروقات بالمخزون الاحتياطي واستغلاله في رفع الأسعار وزيادة الأرباح    الوطنيّون الجدد    ترامب يعلن إرجاء الضربات على منشآت الطاقة الإيرانية بعد محادثات "جيدة للغاية"    بعد الإقصاء من كأس الكونفيدرالية.. منخرطو الوداد يدقون ناقوس الخطر في وجه أيت منا ويحملونه مسؤولية الإخفاق    رسائل تتجاوز البروتوكول .. موريتانيا تستبعد البوليساريو من "تهاني العيد"    الملك يبارك العيد الوطني الباكستاني    إيران تطلق تهديدات ب"تلغيم الخليج"    "ميتا" تطلق برنامجا عبر "فيسبوك" لاستقطاب صناع المحتوى    بيدري يعترف بمعاناة برشلونة بعد تخطي عقبة رايو فاييكانو في "الليغا"    إعادة انتخاب كيم جونغ أون رئيسا لشؤون الدولة في كوريا الشمالية        العملة الكورية تصل إلى أدنى مستوى منذ 17 سنة    المغاربة في المرتبة 112 عالمياً في مؤشر السعادة    أجواء باردة وممطرة في توقعات اليوم الإثنين بالمغرب        نشاط تربوي وترفيهي مميز لفائدة أطفال دوار الرضا بإقليم تارودانت    المغرب يحل في المرتبة 107 عالميا في مؤشر الديمقراطية الليبرالية    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    السُّكَّرِيّ: العِبْءُ النَّفْسِيُّ لِمَرَضٍ لا يَمْنَحُ مَرِيضَهُ أَيَّ اسْتِرَاحَةٍ    كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك خلال الصيام؟    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السرد و أنساقه السيميائية
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 07 - 08 - 2025

تنهض رواية ( محنة ابن اللسان ) للأديب جمال بندحمان « 1 « على مستويات عديدة من الإنزياحات المتعلقة بتعاقدات الشكل الروائي ، لذا فهي بالأساس تتطلب متلقيا ب « كفايات إقرائية « خاصة لفك الشفرات التأويلية لهذا العمل الأدبي المندرج فيما يجوز وصفه ب [ استطيقا السرود الثقافية ] .
تنبني هذه الاستراتيجيات الإنزياحية بالدرجة الأولى على الرواكز التالية :
أ – كوننا بصدد [ رواية أفكار ] حيث السرد الحدثي ليس سوى ذريعة بنائية لصوغ تخييل حكائي مضارع لروح ( الرواية الذهنية ) .
ب – كون هذا العمل الأدبي على مستوى البناء السردي اعتمد على محفل [ المحكي الميتاروائي ] و صنعة التضعيف الذاتي بجغل السرد موضوع ميتا – اشتغال ، أي أن الرواية تعرف محايثة متعددة الصيغ لاشتباك السرد بالميتاسرد . « 2 «
ج – اعتماد الرواية في صناعة الشخصية على نمط من « التجريد الرمزي « يختلف عن القياسات التخييلية لمبدأ « تطابقات التشخيص المرجعي « . فالشخصية في الرواية تنزاح عن قاعدة ( الإيهام بالمرجع ) « 3 « من أجل تشخيصية رمزية هي من وجهة سيميائيات الأهواء لدى غريماس تعبيرعن مثالات من الوعي و القيم و الفكر . « 4 «
هذه الرواكز الثلاث تنعقد في اشتغالها حول تدبير ما ينعت في المقاربة السيميائية ب ( وضعيات سردية ) تتمحور دلاليا حول [ بنية الإخفاق ] التي صاغ حولها الناقد الحصيف محمد الداهي أطروحة نقدية بعنوان [ متعة الإخفاق : المشروع التخييلي لعبد الله العروي ] « 5 « ، و هي موضوعة مرتبطة في تأسيسات الفكر الهيجلي ( بانتفاء التطابق بين الواقع و المثال ) « 6 « و أيضا في مفارقات الذاتية الخالصة و المطلق الخالص للكينونة .
ينضاف إلى هذا المستوى من التأويل أن النمذجة الشخوصية المعتمدة ( الراوي باعتباره أنا تخييلية ثانية للكاتب ، و المعلم ، و الصحفي ، و المحامي ، و المتكلم نسبة إلى علم الكلام في دلالته التعيينية و الرمزية ) ، و لكي نعفي القارىء من مشقة كشف الفروق و التمايزات بينها سنحيلها إلى ثلاث مدونات و هي : ( القبيلة و الزاوية و الحزب ) باعتبارها البنيات الثقافية السوسيولوجية و الانتروبولوجية الرمزية التي تتحرك في فضاء الوعي الروائي .
من داخل هذا المناخ التخييلي و على مستوى التشخيص السردي ينطلق الروائي جمال بندحمان – و هو الضليع بمشابك و كمائن المنهج السيميائي و تحليل الخطاب – من تشغيل فاتك تتضافر فيه سيميائيات الخطاب الصوفي و الخطاب الإعلامي و الخطاب السياسي وفق سردنة تحبيكية لتقاطعات اللغة / اللسان بأنماط متعددة من الوعي / الأوعاء . كل ذلك في أفق رسم المناخات الاجتماعية و الوعي الثقافي المصاحب لها على مسار حقبة تاريخية من أول السبعينات إلى اللحظة الراهنة ، مجتلبا إلى ديناميات التخييل الآثار المرجعية للوافع و التاريخ و السيرة في بعديها الأوتوبيوغرافي و البيوغرافي ، و نسجا متعدد الطبقات من نصوص الذاكرة و الأدب و الشعر و الفلسفة و الثقافة الشعبية و الخيال الرمزي و الأساطيري .
لا يمكن قراءة هذه الرواية بمنأى عن التقاطع بين « حاضر السرد « و « أزمنة الذاكرة « فنحن بصدد رواية لا تسمح لنا ب ( قراءة الذات ) خارج الأثر النافذ لمعول الزمن و سطوة قبضته . فالذوات لا تملك تلك الهبة الإكسيرية لاسترجاع الزمن أو وقفه ، فقط ما يمكنها القيام به هو بالذات ما تقوم به الكتابة الروائية في مسعاها كسلطة تقديرية للمراجعة و النقد الذاتي . ذلك رهان الرواية و مرتكز قصديات الكاتب و هو يختبر وعي مرحلة بمجهر التأمل والمراجعة و التصحيح لمعرمة مكامن الخلل و العطب في انبناءات و عينا ، و أشكال الأقدار و المصائر التي تحكمت في وعينا و لا وعينا ،و نسجت البنيات النصية العميقة لثقافتنا المقيدة إلى [ بنية الإخفاق ] .
يقول الصحفي في الفصل الثاني من الرواية : « كلنا نبيع الكلام « و هو ما يقتضي [ إرجاء الحقيقة ] كما ينصص على ذلك المحامي في الفصل الثالث في مرافعاتهالتي يخلط فيها [ خطاب الحقيقة بخطاب الوهم ]. نفس الشيء يفعله الراوي في الرواية ( و هو الممثل للضمير الأدبي ) حين يتكلم الكاتب عن [ مبدأ الرقابة في الحكي / الوعي ] التي تعمل بمنطق [ الإضاءة و التعتيم ] حسب القول المأثور لمحمد برادة في روايته ( لعبة النسيان ) « 7 « .
تبدأ محنة ابن اللسان حين يتخلى عن الحقيقة و تتحول اللعة و الخطابات إلى أجروميات للوهم و الزيف و الترهات و مراكمات الأخطاء ، خضوعا لقهرية سلط القبيلة أو الزاوية أو الحزب ، و حين يتحول الوعي إلى إملاءات و ولاءات ، و حين يخضع الفكر بمقتضى تعبير ميشيل فوكو إلى نظام المراقبة و العقاب .
تجسد الرواية هذا الوضع المفارق الساخر منذ الفصل الرابع ( المتكلمون ) من خلال البحث عن [ توافق ] ص 102 لتنميط مبدأ التعددية وفق قاعدة التراضي و إرجاء مبدأ الإختلاف لصالح ما تصفه الرواية بكونه توافقا .
هكذا يتم التنازل تدريجيا عن ( حلم الراوي ) ص 108 و ( محكي الجرح ) ص 124 و ( حكي التشظي ) ص 131 بكل مكابداتها و تجاريحها و عذابات الكائن في أزمنة العتمة و الأحلام المجهضة لصالح ( محكي التقارير ) ص 136 .. و ذلك من حلال نوع من التسريد يضمن للكاتب صيغة للقول بأن الوعي و الفكر و الثقافة حين تغدو ضحية التنميط و تتخلى عن مبدأ الحرية و الإرادة ، مثلما أن تتخلى عن مبدأ التنسيب لصالح مطلق كلياني شمولي ، فإن سؤال المصير و حلم الدوات بوجود مثالي يصير حلما شبحيا داخل لغة تتكلم لتقول أي شيء و لا شيء .
في مساحة التقاطع بين العام و الخاص و بين الذاتي و الموضوعي و في تشاكلات التلاقي بين السيرة الذاتية و نص الذاكرة و إحالات الواقع و التاريخ و خلال كل الفصول لا يكف الكاتب كلما قربنا من الجوهر الصميمي لذاته الخاصة كلما قلب علينا الطاولة و شردنا في التخوم البعيدة ل [ تعددية بوليفونية ] على مستوى اللغة و الصوت السردي . لا يكف يزاوج داخل الرواية بين لغة الاستبطان كما هو حال روايات تيار اللاوعي و أسلوبية الديالوجيزم الحواري الباختيني ، بكل كرنفاله التخييلي من الأسلبة و المعارضة و الباروديا و المحاكاة الهجائية . إنه بارع في كلتا الصيغتين ، يزيد من ذلك حدة اقتناصه لمبدأ السخرية و استجلابه من المفارقات الساخرة لمشهدة و مسرحة عالم روائي فقد اليقين و صار أشبه بمتاهات و غموص و غرائبية عالم ( المسخ ) أو ( القلعة ) لفرانز كافكا ، مع سيادة عارمة لأجواء العبث و اللامعقول و فقدان المعنى .
أحد مكمن جوانب الخصوصية في هذا العمل الروائي نقف عليه فيما سنسميه ب [ البوليفونية الأجناسية و البوليفونية الخطابية ] ، فعدا كون الرواية استقطبت إلى جماليات التشاكل الأجناسي : القصة القصيرة و الشعر و الخطابة و المقالة و المناظرة و النقد مبرزة عمق الأطروحة الجمالية التي أبان عنها سيرفانتس في « دون كيشوت « من كون أي نشوء روائي لا ينهض إلا على الحوار الدائب بين الرواية و مغايراتها الأجناسية وفق منطق ل ( تجاذبات سلطة الحقيقة و حقيقة السلطة ) « 8 « .. فإن الوجه الآخر هو الظاهر في اعتماد الروائي بنيتي [ النص المفتوح و النص المتراكب ] في تنضيد مستويات الخطاب جاعلا بنيات التجاور و التوازي و التقاطع تنسج لغة سردية يتكلم فيها اللسان : لغة الحوار و الجدل و المرافعة و المناظرة و الشرح و التعليق و التأويل و البيان و الخطابة و هو في هذا المسعى يكشف عن مفارقات « اللغة كوجود و الوجود كلغة « كما يعبر عن ذلك بول ريكور في كتابه ( الذات عينها باعتبارها آخر ) و هو يطارح مفهوم الهوية السردية و سؤال الحقيقة و التأويل . « 9 «
لا يكتب جمال بندحمان الرواية من منظور كونه كان دائما منشغلا بسؤال الأدب و النقد و مقاربة كل أشكال الخطابات و التفكير في سؤال الثقافة و الإبداع . نعم هذا البروفايل قائم و لا غبار عليه و لكن لا ننسى أن رواية « محنة ابن اللسان « في مناشئها المقاصدية هي ترجمة ( بأحد الأشكال ) للوجه الآخر للكاتب الكاشف عن انخراطه في العمل الثقافي و العمل الأدبي [ كموقف و كالتزام و كأطروحة ] ذلك هو الميسم المحدد أيضا لهوية الكاتب و لهوية الرواية بشكل عام . و هذا المستوى من النظر نقف عليه بجلاء في تسخير خطاب السرد داخل الرواية من أجل بيان الأطروحة و الأطروحة النقيض و ذهاب لغة السرد نحو ما يسميه كبيدي فارغا في كتابه ( خطابات ، الحكي ، الصورة ) في القول أن المبدأ التشخيصي للواقع و الحقيقة في الرواية يقوم على الإدراك العميق بأنه ليس هناك واقع مرجعي محدد و مطلق ، بل أقوى ما تقدمه لنا الرواية يرسخ كون تمثلاتنا للواقع تؤكد أن الواقع الذي نتحدث هو في المحصلة ( تجسيد لمستويات متعددة من الواقع و تنضيدا متعدد الاشتغال في الكشف عن صور الواقع ) . « 10 «
في النهاية رواية « محنة ابن اللسان « هي رواية جيل أتى إلى اللغة و الكلام من خرائط متعددة و من تصارعات وعي ثقافي متعدد المرجعيات ، من استلاب الموقف العرفاني إلى استلاب خطاب النضال اليساري و اغترابة في سياسة توافق المصالح و الميل إلى تغليب المصلحة الذاتية على مبدأ الحق و الواجب .جيل حمل إرث ذاكرة معطوبة و كان ضحية قراءات خاطئة للواقع و التاريخ نتيجة تنابذ المواقف و الرؤى و المصالح في علاقته بمنظومة القبيلة و الزاوية و الحزب .
*****
هوامش :
1 – جمال بندحمان « محنة ابن اللسان « أفريقيا الشرق 2024 المغرب .
2 – را : حول الميتاسرد كتاب ( السرد المفتون بذاته : من الكينونة المحضة إلى الوجود المقروء ) للناقد العراقي رسول محمد رسول ، منشورات الشارقة 2015 .
3 – رولان بارت « التحليل البنيوي للسرد « ترجمة منذر عياشي مركز الإنماء الحضاري حلب 1993 .
4 – غريماس و جاك فونتني « سيميائيات الأهواء « ترجمة سعيد بنكراد دار الكتاب الجديد 2010 .
5 – محمد الداهي ّ متعة الإخفاق : المشروع التخييلي لعبد الله العروي « المركز الثقافي للكتاب الدار البيضاء 2022
6 – هيجل « فينومولوجيا الروح « – بالفرنسية – منشورات فلاماريون باريس 2012 .
7 – و قد اعتمدها بعد ذلك في مختلف رواياته و صارت استراتيجية نصانية لتنسيب الصوت و الوعي السردي
8 – ذلك هو عمق الأطروحة النظرية لميخائيل باختين في مختلف كتبه .
9 – بول ريكور « الذات عينها كآخر « ترجمة جورج زيناتي المنظمة العربية للترجمة بيروت 2005 .
10 – كيبيدي فارغا « خطابات ، الحكي ، الصورة « – بالفرنسية – منشورات مارسيل ديديه باريس 1970 .

تنهض رواية ( محنة ابن اللسان ) للأديب جمال بندحمان « 1 « على مستويات عديدة من الإنزياحات المتعلقة بتعاقدات الشكل الروائي ، لذا فهي بالأساس تتطلب متلقيا ب « كفايات إقرائية « خاصة لفك الشفرات التأويلية لهذا العمل الأدبي المندرج فيما يجوز وصفه ب [ استطيقا السرود الثقافية ] .
تنبني هذه الاستراتيجيات الإنزياحية بالدرجة الأولى على الرواكز التالية :
أ – كوننا بصدد [ رواية أفكار ] حيث السرد الحدثي ليس سوى ذريعة بنائية لصوغ تخييل حكائي مضارع لروح ( الرواية الذهنية ) .
ب – كون هذا العمل الأدبي على مستوى البناء السردي اعتمد على محفل [ المحكي الميتاروائي ] و صنعة التضعيف الذاتي بجغل السرد موضوع ميتا – اشتغال ، أي أن الرواية تعرف محايثة متعددة الصيغ لاشتباك السرد بالميتاسرد . « 2 «
ج – اعتماد الرواية في صناعة الشخصية على نمط من « التجريد الرمزي « يختلف عن القياسات التخييلية لمبدأ « تطابقات التشخيص المرجعي « . فالشخصية في الرواية تنزاح عن قاعدة ( الإيهام بالمرجع ) « 3 « من أجل تشخيصية رمزية هي من وجهة سيميائيات الأهواء لدى غريماس تعبيرعن مثالات من الوعي و القيم و الفكر . « 4 «
هذه الرواكز الثلاث تنعقد في اشتغالها حول تدبير ما ينعت في المقاربة السيميائية ب ( وضعيات سردية ) تتمحور دلاليا حول [ بنية الإخفاق ] التي صاغ حولها الناقد الحصيف محمد الداهي أطروحة نقدية بعنوان [ متعة الإخفاق : المشروع التخييلي لعبد الله العروي ] « 5 « ، و هي موضوعة مرتبطة في تأسيسات الفكر الهيجلي ( بانتفاء التطابق بين الواقع و المثال ) « 6 « و أيضا في مفارقات الذاتية الخالصة و المطلق الخالص للكينونة .
ينضاف إلى هذا المستوى من التأويل أن النمذجة الشخوصية المعتمدة ( الراوي باعتباره أنا تخييلية ثانية للكاتب ، و المعلم ، و الصحفي ، و المحامي ، و المتكلم نسبة إلى علم الكلام في دلالته التعيينية و الرمزية ) ، و لكي نعفي القارىء من مشقة كشف الفروق و التمايزات بينها سنحيلها إلى ثلاث مدونات و هي : ( القبيلة و الزاوية و الحزب ) باعتبارها البنيات الثقافية السوسيولوجية و الانتروبولوجية الرمزية التي تتحرك في فضاء الوعي الروائي .
من داخل هذا المناخ التخييلي و على مستوى التشخيص السردي ينطلق الروائي جمال بندحمان – و هو الضليع بمشابك و كمائن المنهج السيميائي و تحليل الخطاب – من تشغيل فاتك تتضافر فيه سيميائيات الخطاب الصوفي و الخطاب الإعلامي و الخطاب السياسي وفق سردنة تحبيكية لتقاطعات اللغة / اللسان بأنماط متعددة من الوعي / الأوعاء . كل ذلك في أفق رسم المناخات الاجتماعية و الوعي الثقافي المصاحب لها على مسار حقبة تاريخية من أول السبعينات إلى اللحظة الراهنة ، مجتلبا إلى ديناميات التخييل الآثار المرجعية للوافع و التاريخ و السيرة في بعديها الأوتوبيوغرافي و البيوغرافي ، و نسجا متعدد الطبقات من نصوص الذاكرة و الأدب و الشعر و الفلسفة و الثقافة الشعبية و الخيال الرمزي و الأساطيري .
لا يمكن قراءة هذه الرواية بمنأى عن التقاطع بين « حاضر السرد « و « أزمنة الذاكرة « فنحن بصدد رواية لا تسمح لنا ب ( قراءة الذات ) خارج الأثر النافذ لمعول الزمن و سطوة قبضته . فالذوات لا تملك تلك الهبة الإكسيرية لاسترجاع الزمن أو وقفه ، فقط ما يمكنها القيام به هو بالذات ما تقوم به الكتابة الروائية في مسعاها كسلطة تقديرية للمراجعة و النقد الذاتي . ذلك رهان الرواية و مرتكز قصديات الكاتب و هو يختبر وعي مرحلة بمجهر التأمل والمراجعة و التصحيح لمعرمة مكامن الخلل و العطب في انبناءات و عينا ، و أشكال الأقدار و المصائر التي تحكمت في وعينا و لا وعينا ،و نسجت البنيات النصية العميقة لثقافتنا المقيدة إلى [ بنية الإخفاق ] .
يقول الصحفي في الفصل الثاني من الرواية : « كلنا نبيع الكلام « و هو ما يقتضي [ إرجاء الحقيقة ] كما ينصص على ذلك المحامي في الفصل الثالث في مرافعاتهالتي يخلط فيها [ خطاب الحقيقة بخطاب الوهم ]. نفس الشيء يفعله الراوي في الرواية ( و هو الممثل للضمير الأدبي ) حين يتكلم الكاتب عن [ مبدأ الرقابة في الحكي / الوعي ] التي تعمل بمنطق [ الإضاءة و التعتيم ] حسب القول المأثور لمحمد برادة في روايته ( لعبة النسيان ) « 7 « .
تبدأ محنة ابن اللسان حين يتخلى عن الحقيقة و تتحول اللعة و الخطابات إلى أجروميات للوهم و الزيف و الترهات و مراكمات الأخطاء ، خضوعا لقهرية سلط القبيلة أو الزاوية أو الحزب ، و حين يتحول الوعي إلى إملاءات و ولاءات ، و حين يخضع الفكر بمقتضى تعبير ميشيل فوكو إلى نظام المراقبة و العقاب .
تجسد الرواية هذا الوضع المفارق الساخر منذ الفصل الرابع ( المتكلمون ) من خلال البحث عن [ توافق ] ص 102 لتنميط مبدأ التعددية وفق قاعدة التراضي و إرجاء مبدأ الإختلاف لصالح ما تصفه الرواية بكونه توافقا .
هكذا يتم التنازل تدريجيا عن ( حلم الراوي ) ص 108 و ( محكي الجرح ) ص 124 و ( حكي التشظي ) ص 131 بكل مكابداتها و تجاريحها و عذابات الكائن في أزمنة العتمة و الأحلام المجهضة لصالح ( محكي التقارير ) ص 136 .. و ذلك من حلال نوع من التسريد يضمن للكاتب صيغة للقول بأن الوعي و الفكر و الثقافة حين تغدو ضحية التنميط و تتخلى عن مبدأ الحرية و الإرادة ، مثلما أن تتخلى عن مبدأ التنسيب لصالح مطلق كلياني شمولي ، فإن سؤال المصير و حلم الدوات بوجود مثالي يصير حلما شبحيا داخل لغة تتكلم لتقول أي شيء و لا شيء .
في مساحة التقاطع بين العام و الخاص و بين الذاتي و الموضوعي و في تشاكلات التلاقي بين السيرة الذاتية و نص الذاكرة و إحالات الواقع و التاريخ و خلال كل الفصول لا يكف الكاتب كلما قربنا من الجوهر الصميمي لذاته الخاصة كلما قلب علينا الطاولة و شردنا في التخوم البعيدة ل [ تعددية بوليفونية ] على مستوى اللغة و الصوت السردي . لا يكف يزاوج داخل الرواية بين لغة الاستبطان كما هو حال روايات تيار اللاوعي و أسلوبية الديالوجيزم الحواري الباختيني ، بكل كرنفاله التخييلي من الأسلبة و المعارضة و الباروديا و المحاكاة الهجائية . إنه بارع في كلتا الصيغتين ، يزيد من ذلك حدة اقتناصه لمبدأ السخرية و استجلابه من المفارقات الساخرة لمشهدة و مسرحة عالم روائي فقد اليقين و صار أشبه بمتاهات و غموص و غرائبية عالم ( المسخ ) أو ( القلعة ) لفرانز كافكا ، مع سيادة عارمة لأجواء العبث و اللامعقول و فقدان المعنى .
أحد مكمن جوانب الخصوصية في هذا العمل الروائي نقف عليه فيما سنسميه ب [ البوليفونية الأجناسية و البوليفونية الخطابية ] ، فعدا كون الرواية استقطبت إلى جماليات التشاكل الأجناسي : القصة القصيرة و الشعر و الخطابة و المقالة و المناظرة و النقد مبرزة عمق الأطروحة الجمالية التي أبان عنها سيرفانتس في « دون كيشوت « من كون أي نشوء روائي لا ينهض إلا على الحوار الدائب بين الرواية و مغايراتها الأجناسية وفق منطق ل ( تجاذبات سلطة الحقيقة و حقيقة السلطة ) « 8 « .. فإن الوجه الآخر هو الظاهر في اعتماد الروائي بنيتي [ النص المفتوح و النص المتراكب ] في تنضيد مستويات الخطاب جاعلا بنيات التجاور و التوازي و التقاطع تنسج لغة سردية يتكلم فيها اللسان : لغة الحوار و الجدل و المرافعة و المناظرة و الشرح و التعليق و التأويل و البيان و الخطابة و هو في هذا المسعى يكشف عن مفارقات « اللغة كوجود و الوجود كلغة « كما يعبر عن ذلك بول ريكور في كتابه ( الذات عينها باعتبارها آخر ) و هو يطارح مفهوم الهوية السردية و سؤال الحقيقة و التأويل . « 9 «
لا يكتب جمال بندحمان الرواية من منظور كونه كان دائما منشغلا بسؤال الأدب و النقد و مقاربة كل أشكال الخطابات و التفكير في سؤال الثقافة و الإبداع . نعم هذا البروفايل قائم و لا غبار عليه و لكن لا ننسى أن رواية « محنة ابن اللسان « في مناشئها المقاصدية هي ترجمة ( بأحد الأشكال ) للوجه الآخر للكاتب الكاشف عن انخراطه في العمل الثقافي و العمل الأدبي [ كموقف و كالتزام و كأطروحة ] ذلك هو الميسم المحدد أيضا لهوية الكاتب و لهوية الرواية بشكل عام . و هذا المستوى من النظر نقف عليه بجلاء في تسخير خطاب السرد داخل الرواية من أجل بيان الأطروحة و الأطروحة النقيض و ذهاب لغة السرد نحو ما يسميه كبيدي فارغا في كتابه ( خطابات ، الحكي ، الصورة ) في القول أن المبدأ التشخيصي للواقع و الحقيقة في الرواية يقوم على الإدراك العميق بأنه ليس هناك واقع مرجعي محدد و مطلق ، بل أقوى ما تقدمه لنا الرواية يرسخ كون تمثلاتنا للواقع تؤكد أن الواقع الذي نتحدث هو في المحصلة ( تجسيد لمستويات متعددة من الواقع و تنضيدا متعدد الاشتغال في الكشف عن صور الواقع ) . « 10 «
في النهاية رواية « محنة ابن اللسان « هي رواية جيل أتى إلى اللغة و الكلام من خرائط متعددة و من تصارعات وعي ثقافي متعدد المرجعيات ، من استلاب الموقف العرفاني إلى استلاب خطاب النضال اليساري و اغترابة في سياسة توافق المصالح و الميل إلى تغليب المصلحة الذاتية على مبدأ الحق و الواجب .جيل حمل إرث ذاكرة معطوبة و كان ضحية قراءات خاطئة للواقع و التاريخ نتيجة تنابذ المواقف و الرؤى و المصالح في علاقته بمنظومة القبيلة و الزاوية و الحزب .
*****
هوامش :
1 – جمال بندحمان « محنة ابن اللسان « أفريقيا الشرق 2024 المغرب .
2 – را : حول الميتاسرد كتاب ( السرد المفتون بذاته : من الكينونة المحضة إلى الوجود المقروء ) للناقد العراقي رسول محمد رسول ، منشورات الشارقة 2015 .
3 – رولان بارت « التحليل البنيوي للسرد « ترجمة منذر عياشي مركز الإنماء الحضاري حلب 1993 .
4 – غريماس و جاك فونتني « سيميائيات الأهواء « ترجمة سعيد بنكراد دار الكتاب الجديد 2010 .
5 – محمد الداهي ّ متعة الإخفاق : المشروع التخييلي لعبد الله العروي « المركز الثقافي للكتاب الدار البيضاء 2022
6 – هيجل « فينومولوجيا الروح « – بالفرنسية – منشورات فلاماريون باريس 2012 .
7 – و قد اعتمدها بعد ذلك في مختلف رواياته و صارت استراتيجية نصانية لتنسيب الصوت و الوعي السردي
8 – ذلك هو عمق الأطروحة النظرية لميخائيل باختين في مختلف كتبه .
9 – بول ريكور « الذات عينها كآخر « ترجمة جورج زيناتي المنظمة العربية للترجمة بيروت 2005 .
10 – كيبيدي فارغا « خطابات ، الحكي ، الصورة « – بالفرنسية – منشورات مارسيل ديديه باريس 1970 .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.