حين يقترب الشتاء من ذروته، ويبدأ البرد في طرق الأبواب طرقًا لا يُخطئه الجسد، تعود الذاكرة الشعبية إلى واحدة من أقدم محطات التقويم الفلكي الشعبي: أربعينية الشتاء، أو ما كان يُعرف قديما بدخول «الليالي». أربعون يوما من الصقيع الصريح، تبدأ في الخامس والعشرين من دجنبر وتنتهي مع الثاني من فبراير، شكّلت عبر قرون طويلة مرجعا زمنيا دقيقًا لحياة الناس، وزراعتهم، وحتى لغتهم اليومية. لم يكن البرد في هذه الليالي مجرد انخفاض في درجات الحرارة، بل حالة عامة تُرى وتُحسّ؛ ندى يثقل الفجر، وبخار يتصاعد من الأنفاس، وأوراق شجر تتساقط إيذانا بدخول فصل لا يرحم العظام. وكان الأجداد، بحدسهم المتراكم وتجربتهم الطويلة، يقسمون هذه الأربعين إلى مراحل لكل واحدة طبعها واسمها وحكايتها، دون خرائط طقس أو أقمار صناعية. في نصفها الأول، كانت البرودة تعلن عن نفسها بقسوة مفاجئة، بردٌ حادّ يداهم الجسد ويوقظ الإحساس الحقيقي بالشتاء، ترافقه رياح وعواصف تزيد المشهد حدّة. أما النصف الثاني، فكان أشد صمتا وأكثر جمودا، ليال طويلة يلوذ فيها الناس بالمدافئ، وتصبح النار رفيقة البيوت، ومع ذلك لم تكن هذه القسوة مدعاة للتشاؤم. على العكس، كان كبار السن يرددون بثقة وطمأنينة أن هذه الليالي، مهما اشتدت، تحمل في طياتها خير الأرض وبدايات النمو، إذ تبدأ النباتات خلالها بإظهار ملامح الحياة استعدادا لاستكمال دورتها مع بقية الشتاء. ومع انقضاء الأربعين، لا ينقلب الطقس فجأة، بل يدخل مرحلة تردّد وتقلب، أيام لا تُؤتمن، دافئة حينا وباردة حينا آخر، كأن الشتاء يختبر صبر الناس قبل الرحيل. ثم تأتي في النهاية ثلاث ليال قصيرة لكنها لاذعة البرودة، تضرب بردها بقوة، وتُعد آخر أنفاس الشتاء القاسية قبل أن يلين. هذا التقويم لم يكن مجرد سرد أسماء أو تقسيم أيام، بل لغة كاملة لفهم الطبيعة والتعايش معها، موروث فلكي شعبي تشكّل من الملاحظة والصبر، وانتقل شفهيا جيلا بعد جيل. واليوم، في زمن الشاشات والتطبيقات الفورية، يوشك هذا الإرث على التلاشي، لا لضعف قيمته، بل لأننا لم نعد نصغي لحكايات الطقس كما كان يفعل من سبقونا. إن استعادة الحديث عن أربعينية الشتاء ليست حنينا عابرا، بل تذكير بأن للزمن ذاكرة، وأن البرد الذي نشعر به اليوم سبق أن عاشه آخرون، فسمّوه، وراقبوه، وحوّلوه إلى جزء من هويتهم. تراثٌ بسيط في شكله، عميق في معناه، يستحق أن يُروى من جديد قبل أن تبتلعه سرعة العصر.