احتضنت مدينة العيون أشغال الدورة السادسة للجنة العليا المشتركة بين المملكة المغربية ومملكة البحرين، في محطة تؤكد أن العلاقات بين الرباط والمنامة دخلت مرحلة أكثر نضجاً ووضوحاً في الرؤية والرهانات. انعقاد هذا الاجتماع رفيع المستوى برئاسة وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة يعكس إرادة سياسية صلبة للارتقاء بالتعاون الثنائي من مستوى التنسيق الدبلوماسي التقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة تستجيب لتحولات الإقليم وتحدياته. اختيار العيون لاحتضان هذه الدورة لم يكن قراراً تنظيمياً عادياً، بل رسالة سياسية واضحة تؤكد المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها الأقاليم الجنوبية في الدبلوماسية المغربية. فالمدينة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى فضاء لاستقبال الوفود الرسمية وافتتاح التمثيليات الدبلوماسية، في سياق دينامية دولية متزايدة داعمة للوحدة الترابية للمغرب. بالنسبة للبحرين، التي عبّرت في مناسبات متعددة عن دعمها لمغربية الصحراء، فإن عقد هذا الاجتماع في العيون يعكس انسجاماً كاملاً في المواقف ويجسد ثقة سياسية متبادلة بين القيادتين. لكن أهمية هذه الدورة لا تتوقف عند بعدها الرمزي، بل تمتد إلى مضمونها العملي، إذ تتجه المباحثات نحو توسيع مجالات التعاون لتشمل قطاعات استراتيجية مثل الطاقات المتجددة، والاستثمار، والسياحة، والخدمات المالية، والأمن الغذائي. المغرب، الذي عزز موقعه كفاعل إقليمي في مجال الطاقات النظيفة والبنيات التحتية الكبرى، يطرح نفسه شريكاً موثوقاً في مشاريع التنمية المستدامة، بينما تمثل البحرين بوابة مالية واستثمارية مهمة داخل الفضاء الخليجي بما راكمته من خبرة في القطاع المصرفي والخدماتي. السياق الإقليمي يمنح هذا التقارب بعداً إضافياً، في ظل تحولات متسارعة تعيد تشكيل التحالفات وتفرض على الدول البحث عن صيغ تعاون أكثر مرونة وفعالية. الرباط والمنامة تبدوان واعيتين بأن الشراكات المستقبلية لا يمكن أن تقوم فقط على المجاملات السياسية، بل على مشاريع ملموسة ومصالح متبادلة واضحة. ومن هنا يبرز الرهان على تحويل نتائج اللجنة المشتركة إلى برامج تنفيذية تعزز المبادلات التجارية وترفع حجم الاستثمارات وتفتح آفاقاً جديدة أمام القطاع الخاص في البلدين. ما يجري في العيون يتجاوز إطار اجتماع ثنائي؛ إنه مؤشر على توجه مغربي ثابت نحو ربط الدبلوماسية بالتنمية الميدانية، وإبراز الأقاليم الجنوبية كمنصة للانفتاح الاقتصادي والتعاون الدولي. كما يعكس حرص البحرين على ترسيخ حضورها في شراكات عربية تقوم على الاستقرار والوضوح السياسي. وبين رمزية المكان وطموح المشاريع، تتبلور معالم مرحلة جديدة في العلاقات المغربية البحرينية، عنوانها الانتقال من التضامن المعلن إلى التكامل الفعلي، ومن التنسيق الظرفي إلى شراكة استراتيجية بعيدة المدى.