لم تعد الإشكالية الأساسية في المشهد السياسي مرتبطة بضعف الخطاب أو محدودية الشعارات، بل باتت تعكس اختلالاً أعمق يمسّ جوهر التنافس نفسه. فاليوم، نحن في حاجة ملحّة إلى نَفَس جديد للتباري السياسي، تباري يقوم على البرامج والرؤى والقدرة على الإقناع، لا على التنافس في استغلال إمكانيات الدولة وتسخيرها لربح الأصوات الانتخابية. حين تتحول الموارد العمومية، المفروض أن تكون في خدمة جميع المواطنات والمواطنين، إلى أدوات تُوظَّف ضمنياً في الصراع الانتخابي، يختلّ ميزان المنافسة وتُفرَّغ فكرة تكافؤ الفرص من مضمونها. فلا يعود التفوق مرتبطاً بجودة المشروع السياسي أو بصدقية الخطاب، بل بمدى القرب من مراكز النفوذ وإمكانية توظيف الموقع المؤسساتي لخدمة أهداف انتخابية. ولا ينعكس هذا الوضع سلباً على الفاعلين السياسيين وحدهم، بل يضرب في العمق ثقة المواطن في العملية السياسية ككل. فالمغاربة، وهم يتابعون هذا المشهد، يلمسون أن الصراع لم يعد يدور حول من يمتلك تصوراً أفضل لمعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية، بل حول من يملك قدرة أكبر على تعبئة الإمكانيات العمومية وتوجيهها انتخابياً. وهنا يتسع منسوب الشك، ويتحول العزوف إلى نتيجة منطقية لا إلى سلوك طارئ. في هذا السياق، يندرج بيان حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الصادر عقب انعقاد لجنته الإدارية الوطنية، والذي نبّه بوضوح إلى خطورة المساس بمبدأ تكافؤ الفرص من خلال تسخير أدوات وإمكانيات الدولة في التنافس الانتخابي. هذا الموقف لم يكن مزايدة سياسية، ولا هجوماً ظرفياً كما روّجت بعض المنابر، بل جاء ثمرة تحليل موضوعي ومسؤول للوضع السياسي العام. فالبيان استند إلى تقارير دقيقة رفعتها الأجهزة الحزبية في مختلف الأقاليم، رصدت ممارسات ميدانية متكررة تمسّ بجوهر التباري الديمقراطي، وتحول العملية الانتخابية من فضاء للتنافس الحر إلى سباق غير متكافئ الوسائل والفرص. وهي معطيات نابعة من متابعة ميدانية يومية، ومن تفاعل مباشر مع انشغالات المواطنات والمواطنين وانتظاراتهم. إن محاولة التقليل من أهمية هذه المعطيات، أو التشكيك في خلفياتها، تكشف في حد ذاتها عن حجم المقاومة التي يواجهها أي خطاب إصلاحي جاد. فبعض الأصوات الإعلامية التي سارعت إلى توصيف هذا التنبيه بكونه "هجوماً" أو "تشويشاً"، اختارت الاصطفاف إلى جانب الجهات المستفيدة من الوضع القائم، والتي لا ترى في أي دعوة إلى الإصلاح سوى تهديد لمصالحها، ولا ترغب في أي مراجعة حقيقية لقواعد التنافس. إن الاتحاد الاشتراكي، وهو يثير هذه الاختلالات، لا يدافع عن موقع حزبي ضيق، ولا يسعى إلى تحقيق مكاسب ظرفية، بل ينطلق من مسؤولية تاريخية في الدفاع عن المسار الديمقراطي، وصون نزاهة الاستحقاقات الانتخابية، وضمان أن يكون صوت المواطن هو الفيصل الحقيقي، لا حجم الإمكانيات المسخرة ولا النفوذ المستعمل خارج منطق التباري الشريف. فالتنافس السياسي السليم يقتضي الفصل الواضح بين ما هو حزبي وما هو مؤسساتي، وبين ما يخدم المصلحة العامة وما يُوظف لأغراض انتخابية. فالدولة ليست طرفاً في التنافس السياسي، بل إطاراً ضامناً له، وأي خلط بين الدورين يفرغ العملية الديمقراطية من معناها، ويحوّل الانتخابات إلى إجراء شكلي بلا روح. ومن هذا المنطلق، فإن الاتحاد الاشتراكي، وهو يعبّر عن ملاحظاته وانتقاداته، لا يسعى إلى التشكيك المسبق في العملية الانتخابية، ولا إلى تقويض الثقة في المؤسسات، بل إلى تجويد المسار الانتخابي وتنبيهه إلى الاختلالات التي قد تفرغه من مضمونه الديمقراطي. فالنقد المسؤول، حين يستند إلى معطيات ميدانية وتحليل موضوعي، لا يكون هدماً، بل مساهمة في التقويم والتصحيح. إن الهدف من هذا الموقف هو الحرص على أن تمر الاستحقاقات المقبلة في إطار من النزاهة وتكافؤ الفرص، وأن تظل الانتخابات لحظة ديمقراطية حقيقية، تعكس الإرادة الحرة للمواطنات والمواطنين، لا نتيجة لترجيح كفة بوسائل غير متكافئة. وهو حرص نابع من وعي بأن بلادنا أمام موعد ديمقراطي لا ينبغي الإخلال به، ولا التعامل معه بمنطق الاطمئنان المسبق أو التساهل مع الممارسات التي قد تسيء إليه.