برحيل الحسين برحو، في أول أيام السنة الجديدة 2026، تطوي الذاكرة الوطنية صفحة رجل استثنائي من رجالات الإعلام والثقافة والعمل العمومي والفعل المدني، ممن آمنوا بأن الكلمة مسؤولية، وبأن خدمة الوطن لا تقاس بالمناصب بل بالأثر العميق الذي يتركه الإنسان في محيطه ومجتمعه، حيث غادرنا الرجل بهدوء يشبه مسيرته، لكنه ترك خلفه سيرة غنية ومتعددة الأبعاد، تمتد لأكثر من ستة عقود من العطاء المتواصل، وهو بالمناسبة ابن منطقة أروگو الشهيرة بمنتجعاتها الطبيعية ضواحي خنيفرة. ولد الحسين برحو في زمن كانت فيه البلاد تشق طريقها نحو الاستقلال وبناء الذات، فكان من الجيل الذي آمن بالفعل والمسؤولية، التحق بالإذاعة المغربية سنة 1959 مذيعا ومحررا، في مرحلة كانت فيها الإذاعة مدرسة لتكوين الوعي الجماعي وأداة لبناء الدولة الحديثة، ومنذ خطواته الأولى، برز بمهنيته العالية وحسه الثقافي العميق، ليصبح لاحقا أحد الوجوه البارزة داخل الإذاعة الأمازيغية، ومن المساهمين في ترسيخ حضور اللغة والثقافة الأمازيغيتين في المشهد السمعي الوطني. وفي سنة 1962، جرى اختياره ضمن الفريق الصحفي الأول المكلف بتغطية الأنشطة الملكية، في دلالة واضحة على الثقة التي حظي بها، وبعد عام واحد فقط، دون اسمه في تاريخ الإعلام الوطني حين أنجز أول مراسلة إذاعية بالأمازيغية من خارج أرض الوطن، خلال الزيارة الرسمية التي قام بها الملك الراحل الحسن الثاني إلى تونس، فاتحا بذلك آفاقا جديدة أمام الإعلام الأمازيغي في الفضاء العربي والدولي، ولم تقتصر مسيرته على الإذاعة بالمركز، إذ عين سنة 1964 مندوبا جهويا لوزارة الأنباء ومديرا جهويا لإذاعة أكادير. غير أن اختيار الحسين برحو كان واضحا بالعودة إلى المركز، حيث وجد في الإذاعة الأمازيغية فضاءه الطبيعي لخدمة القضايا التي آمن بها، وفي هذا السياق، ساهم سنة 1966، إلى جانب الراحل إدريس بنقاسم، في أول تجربة منظمة لجمع وتوثيق الأغنية الأمازيغية الأطلسية، عبر تسجيلات ميدانية شكلت نواة أرشيف موسيقي وطني ذي قيمة تاريخية كبيرة، حيث كان المعني بالأمر يحظى بذاكرة قوية تنم على معرفة شاملة وعميقة برواد الأغنية بالأطلس المتوسط وقبائل زيان وفتح لهم أبواب الإذاعة. ومن خلال سيرته، شارك عام 1972 في دورة تكوينية بالمعهد العالي للصحافة ببغداد، ممثلا للإذاعة المغربية، إلى جانب الراحل محمد حسن الرامي، حيث احتك بتجارب إعلامية عربية رائدة، وعاد منها برؤية أوسع لدور الإعلام في التنمية الثقافية والاجتماعية، وبعدها بسنتين، التحق بوزارة السكنى والتعمير والسياحة في إطار مشروع طموح لإحداث المعهد الوطني للفنون الشعبية، غير أن هذا المشروع تعثر بفعل بعض التحولات الوطنية غير أنه ظل شاهدا على وعي مبكر بأهمية التراث اللامادي. ولاحقا تقلد برحو مهام المفتش العام بالمكتب الوطني المغربي للسياحة، ثم عاد إلى الإدارة المركزية مكلفا بالتنشيط والبرمجة، قبل أن ينهي مساره المهني سنة 1996 مستشارا بالإذاعة المغربية، وفيا للمؤسسة التي شكلت جزء من هويته ومسيرته، وكان له حضور وازن في المشهد الثقافي الوطني، مدافعا عن الذاكرة الجماعية وصون التراث والسياحة الجبلية، ومواكبا للتحولات الاجتماعية، وحريصا بالتالي على ترسيخ الثقافة الأمازيغية بوصفها مكونا أصيلا من مكونات الهوية المغربية. ولم يكن الحسين برحو مجرد موظف سامٍ أو إعلامي تقليدي، بل كان شخصية متعددة المشارب والاهتمامات، جمعت بين الإعلام والثقافة والسياحة والعمل الجمعوي، آمن بدور السياحة الجبلية كرافعة للتنمية، ودافع عن ضرورة رد الاعتبار للمجالات الجبلية المهمشة، وأسهم في ميلاد مبادرات محلية، من بينها «جمعية نادي إسمون نعاري»، بخنيفرة، التي جعلت من المشي الجبلي فعلا ثقافيا وبيئيا يعزز الارتباط بالأرض والطبيعة ويكتشف المعالم المنسية بتاريخها وهويتها. وفات للحسين برحو أن حظي بتكريم رسمي من طرف الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، اعترافا بإسهاماته الجليلة في تطوير الإعلام العمومي، وذلك يوم الجمعة 17 ماي 2024، خلال لقاء سنوي لهذه الشركة بالمعرض الدولي للكتاب والنشر، تقوم فيه بتكريم جيل الرواد الذين ساهموا في بناء تاريخ الإعلام السمعي البصري في المغرب وتثمين أرشيفه الخاص، ومن هنا تكون الساحة الإعلامية والمدنية قد فقدت مدرسة في الالتزام ونموذجا للمثقف العضوي الذي جمع بين المعرفة والممارسة، وبين الوفاء للماضي والانفتاح على المستقبل. رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته، وجعل سيرته منارة للأجيال القادمة