يأتي فاتح ماي هذه السنة في سياق اجتماعي مطبوع بتصاعد الغلاء، وتآكل القدرة الشرائية، واتساع الإحساس بعدم الإنصاف، في مقابل استمرار خطاب رسمي يتحدث كثيرًا عن الأوراش والإصلاحات، لكنه لا يقدم دائمًا الأجوبة الكافية عن جوهر السؤال الاجتماعي: من يؤدي كلفة الاختلالات؟ ومن يستفيد من ثمار النمو؟ ومن هنا يكتسي موقف الفيدرالية الديمقراطية للشغل، وشعارها لهذه السنة، "العدالة الاجتماعية: رافعة للمغرب الصاعد"، معناه الكامل، وذلك بوضع النقاش في مكانه الصحيح: إذ لا يمكن الحديث عن مغرب صاعد في ظل شغيلة مثقلة بالأعباء، منهكة بالغلاء، ومطالَبة في كل مرة بمزيد من الصبر دون مقابل اجتماعي منصف. إن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا ظرفيًا، ولا وعدًا مؤجلًا، ولا أثرًا جانبيًا للتنمية، بل هي شرطها الحقيقي. فالمغرب لا يصعد بالأرقام وحدها، ولا بالمشاريع حين تبقى آثارها بعيدة عن الحياة اليومية للعمال والموظفين والأجراء والمتقاعدين، بل يصعد حين يشعر هؤلاء بأن العمل يضمن الكرامة، وأن الأجر يحمي من الحاجة، وأن الدولة تصون الحقوق بدل أن تتركها عرضة للتآكل. ولهذا، فإن الحماية الاجتماعية والعدالة الضريبية تبرزان اليوم مدخلين أساسيين لأي حديث جدي عن إنصاف الشغيلة وعن بناء دولة اجتماعية حقيقية. ففي ملف الحماية الاجتماعية، لا يمكن التعامل مع ورش بهذا الحجم والحساسية بمنطق تقني ضيق أو بمقاربة إدارية تختزل الإصلاح في نقل الاختصاصات ودمج المؤسسات. إن ملف دمج الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي لا يتعلق بمجرد إعادة ترتيب الهياكل، بل يرتبط مباشرة بمصير الحقوق، وبجودة الخدمات، وبمستقبل التغطية الصحية لفئات واسعة من الموظفين والأجراء وذوي الحقوق. ولذلك، فإن أي إصلاح في هذا المجال يفقد معناه إن لم يضمن بوضوح عدم التراجع عن المكتسبات، وعدم الإضرار بمصالح المنخرطين، وعدم تحويل العملية إلى مجرد نقل للأعباء تحت عنوان التحديث. إن التخوف المشروع اليوم لا ينبع من رفض الإصلاح، بل من الخشية من إصلاح لا يضع الإنسان في المركز، ولا يجعل من الطمأنينة الاجتماعية أولوية، ولا يقدم ضمانات صريحة بشأن استمرارية الحقوق وجودة الخدمات. فحين تغيب الشفافية، ويضعف الحوار، ويُترك المنخرطون أمام الغموض، يصبح الإصلاح مصدر قلق بدلًا من أن يكون مصدر ثقة. ومن ثم، فإن الحماية الاجتماعية التي تستحقها الشغيلة ليست حماية على الورق، ولا توسعًا عدديًا مجردًا، بل حماية فعلية، عادلة، مستقرة، ومضمونة. وبالموازاة مع ذلك، يظل ملف التقاعد واحدًا من أكبر الاختبارات الاجتماعية والسياسية المطروحة على بلادنا. فإصلاح أنظمة التقاعد لا يمكن أن يتم بمنطق تحميل الأجراء والموظفين والمتقاعدين كلفة الاختلالات المتراكمة، ولا عبر الوصفة الجاهزة نفسها التي تختزل الحل في الرفع من سن التقاعد، والزيادة في الاقتطاعات، وتقليص المعاشات. إن هذا المنطق لا يعبر عن إرادة إصلاح بقدر ما يعبر عن نقل الأزمة إلى الحلقة الأضعف، وهو ما يجعل رفض المقاربة المقياسية موقفًا منسجمًا مع روح العدالة الاجتماعية، لأن التقاعد ليس ملفًا محاسباتيًا صرفًا، بل هو حق اجتماعي، وأمن معيشي، واعتراف مستحق بمن أفنوا أعمارهم في العمل والإنتاج. إن الإصلاح الحقيقي لأنظمة التقاعد يجب أن يكون إصلاحًا تشاركيًا، شفافًا، ومنصفًا، يوزع كلفة المعالجة بشكل عادل، ويحفظ الحقوق والمكتسبات، ويضمن ديمومة الصناديق دون الإجهاز على القدرة الشرائية للشغيلة. فلا يعقل أن تكون الشغيلة مطالبة بالعمل أكثر، ومعرَّضة للاقتطاع أكثر، والقبول بمعاش أقل، فقط لأن الاختلالات البنيوية وُضعت على طاولتها هي وحدها. غير أن الدفاع عن الحماية الاجتماعية وعن تقاعد منصف لا ينفصل عن معركة أخرى لا تقل أهمية، هي معركة العدالة الضريبية. فالأجراء والموظفون يوجدون اليوم في قلب مفارقة قاسية: فهم من أكثر الفئات التي تؤدي الضرائب بانتظام ووضوح، وهم أيضًا من أكثر الفئات التي تعاني من الغلاء ومن الضغط على المداخيل. وبذلك يصبحون مطالبين بأداء الثمن مرتين: مرة عبر الارتفاع المتواصل في الأسعار وتكاليف المعيشة، ومرة عبر اقتطاعات جبائية مستمرة لا تراعي، بالشكل الكافي، حدود دخولهم ولا أوضاعهم الاجتماعية. من هنا، فإن العدالة الضريبية ليست مطلبًا تقنيًا هامشيًا، بل هي في صميم معركة الإنصاف. إذ لا يمكن بناء دولة اجتماعية في ظل نظام جبائي يثقل كاهل الأجور والدخول المحدودة والمتوسطة، بينما تظل مجالات واسعة من الريع والتهرب والامتيازات بمنأى عن مساهمة عادلة. فالإصلاح الجبائي المطلوب هو ذاك الذي يخفف العبء عن الشغيلة، ويراجع الضريبة على الدخل بما يحمي القدرة الشرائية، ويقر مبدأ المساهمة بحسب القدرة الحقيقية على الأداء، ويجعل من الضريبة أداة لإعادة توزيع الثروة، لا وسيلة لتعميق الفوارق. إن الحماية الاجتماعية والعدالة الضريبية تلتقيان في نقطة جوهرية واحدة: الدفاع عن كرامة العمل، وعن حق الشغيلة في نصيب عادل من الثروة الوطنية. فلا معنى لتوسيع منظومة الحماية الاجتماعية إذا كانت القدرة الشرائية تنهار، ولا معنى للحديث عن الإصلاح إذا كانت كلفته تُلقى دائمًا على العمال والموظفين والأجراء والمتقاعدين. كما لا معنى لمغرب صاعد إذا ظل صعوده منفصلًا عن أوضاع الذين يحملونه على أكتافهم كل يوم. وفي فاتح ماي، تتأكد هذه الحقيقة أكثر من أي وقت مضى: لا يمكن للمغرب أن يربح رهانه التنموي إذا خسر رهانه الاجتماعي. ولا يمكن للعدالة الاجتماعية أن تبقى مجرد عنوان احتفالي، بل يجب أن تتحول إلى سياسات عمومية واضحة، وإلى قرارات ملموسة، وإلى اختيارات تنحاز فعلًا إلى الشغيلة المغربية. لذلك، فإن النضال من أجل حماية اجتماعية فعلية، وعدالة ضريبية منصفة، ليس دفاعًا عن مطالب جزئية معزولة، بل هو دفاع عن جوهر المشروع المجتمعي الذي يليق بمغرب يريد أن يصعد بالإنصاف لا بالإقصاء، وبالكرامة لا بالهشاشة، وبالعدالة لا بتوسيع التفاوت.