بخطوات مدروسة تثير الكثير من الريبة، يبدو أن عزيز أخنوش بصدد إرسال رسالة أخيرة ومشفرة إلى كل من يهمه الأمر: "أنا من نفخت الروح في جسد هذه الحمامة، وأنا وحدي من يملك حق نتف ريشها". فالمشهد الذي يطبخ اليوم داخل حزب "الأحرار" لا يمكن وصفه بالتجديد النخبوي، بل هو عملية تصفية رمزية لحزب عريق، يساق اليوم نحو الانتحار السياسي بمباركة من زعيمه الذي منحه المجد يوما، ويقرر اليوم نسفه من القواعد. فالدفع بمحمد شوكي كخلف تقني لا يملك من الرصيد السياسي سوى الولاء للمشغل، هو في جوهره إهانة متعمدة لتاريخ حزب أحمد عصمان، وأن أخنوش، بسلوك انتقامي من فكرة المؤسسة، يبدو وكأنه يريد إثبات أن الحزب بدونه ليس سوى هيكل فارغ أو شركة مفلسة لا تصلح إلا للتصفية القضائية. فمن خلال دفع القامات السياسية الوازنة، مثل محمد أوجار، نحو باب الخروج بمرارة وانكسار، يرسل أخنوش إشارة واضحة ومباشرة وهو أن "لا سيادة لغيري، ولا مجد لغير". هذه الروح الانتقامية تظهر في تحويل المؤتمر الوطني من محطة ديمقراطية إلى جنازة تنظيمية للعمل السياسي، لأن أخنوش يريد أن يغادر الرئاسة وهو مطمئن أن الحزب لن يستطيع التنفس من بعده، مفضلا وضع مرشح واجهة يضمن له استمرار التحكم من خلف الستار، حتى لو أدى ذلك إلى ذوبان الحزب وانطفائه. إنها نرجسية القوة التي لا تقبل أن يستمر المجد في غياب صانعه؛ وكأن لسان حاله يقول لرفاق الدرب: "بما أنني صنعتكم من العدم، فليعدْ هذا الحزب عدما بمجرد رحيلي". ومع صعود الخلف المفصل على المقاس، يسدل الستار على حقبة الحزب الذي كان يوما يضم الرؤوس الكبيرة، ليفتح الباب أمام حزب الموظفين والمصفقين. هي نهاية تراجيدية لحلم حزب ليبرالي، قرر زعيمه أن يكتب بيده فصل الختام، ليبقى في التاريخ كالرجل الذي جعل من الأحرار حزبا أولا، والرجل نفسه الذي تركه أثرا بعد عين.