اشتهرت مدينة مراكش بعدة أسماء من بينها "سبعة رجال"، وارتبطت برجالاتها، الذين بصموا حياتها الدينية والروحية، وألهموا الكثير من الكتاب والأدباء وشعراء الملحون، من خلال حسهم الإنساني والأخلاقي، ما دفعنا إلى الالتفات لظاهرة هؤلاء الرجالات. ضريح القاضي عياض خلال المرحلة الثانية من زيارة سبعة رجال، بعد الانطلاق من ضريح يوسف بن علي الصنهاجي بباب أغمات، يتوجه الزائر إلى رابطة أبي إسحاق بباب أيلان، قبل زيارة ضريح القاضي عياض الذي صنف في المرتبة الثانية خلال ترتيب الزيارة المعمول بها منذ بداية الدولة العلوية إلى الآن، لكونها كانت قبلة لرواد الحركة الصوفية وأولياء صالحين من مستوى عال وتؤدى بها الصلوات الخمس، إضافة إلى موقعها المتميز الذي يستقبل الوافدين من أغمات، ووقوعها بالجهة الشرقية لمراكش المعروفة بنشاطها الصوفي، وبحي سيدي أيوب أقدم صوفية المدينة. ويعرف ضريح عياض بن موسى اليحصبي، الذي كان مثالا للقاضي النزيه العادل بعد قضائه حوالي 20 سنة في القضاء بسبتة وغرناطة، تتوافد مجموعة من الزوار والزائرات للتبرك ببركات هذا القاضي، أكثر الرجالات السبعة شهرة وأول من لفت انتباه علماء المشرق لعلماء المغرب، في الوقت الذي تتردد على الضريح أصناف أخرى من الزوار الذين عجزوا عن تحقيق بعض رغباتهم الأساسية، ليكون لجوؤهم إلى الولي الصالح هو السبيل الوحيد للتخلص من الخوف ومقاومته أو تحقيق الرغبة، ويكون الاعتماد عليه مبنيا على اعتقاد راسخ في قدرته الخارقة على الإغاثة والإنقاذ ووقف المصاب، لما له من مكانة عند الخالق، اعتمادا على كرامة الولي. وبرزت شخصية عياض في فترة الانتقال من المرابطين إلى الموحدين بسبب معارضته للمذهب الموحدي القائم على القول بالعصمة والمهدوية والإمامة، وهو ما يتعارض مع الاتجاه السني المالكي الذي يتبعه عياض، فأعلن بذلك عن ثورته الأولى سنة 536 هجرية والثانية سنة 543 هجرية، باعتباره شديد التمسك بالسنة إلى حد التعصب، وانتهت ثورتاه بهزيمته وتفرق الناس عنه ليجري نفيه من طرف الموحدين إلى مدينة مراكش. يقول أحد العارفين بخبايا سبعة رجال، في حديث مع "المغربية"، إن القاضي عياض، الذي كان اهتمامه منصبا على تدريس العلوم الدينية مع إملاءاته في السيرة، كان موسوعيا في وقت لم يبرز فيه كثير من العلماء بالمغرب، حتى قيل في ذلك الوقت "لولا عياض لما ذكر المغرب"، وقال آخرون "لولا الشفاء لما ذكر عياض" نسبة إلى كتاب الشفاء الذي يعد من أشهر مؤلفات القاضي عياض وأكثرها ذكرا وانتشارا. وأضاف المتحدث أن عياض انتقل في شبابه من المغرب إلى الأندلس طلبا للعلم، وطاف بمدنها والتقى في قرطبة بابن رشد ليعود بعدها إلى المغرب ويستقر بمدينة سبتة، قبل أن يجري نفيه إلى مدينة مراكش التي توفي بها سنة 544 هجرية إثر رميه بالرماح من طرف الموحدين الذين قاموا بقطع جثته وجمعوا أشلاءها ودفنوها في مكان مجهول بمراكش دون أن يجري غسله والصلاة عليه، وبنوا بجوار قبره كنيسة وبعض الدور، إلى أن جرى العثور على قبره بعد مرور أزيد من 200 سنة في عهد الدولة المرينية، التي أسقطت الدولة الموحدية، خلال عملية نبش أظهرت علامة القبر الذي اختفى لفترة طويلة وتاريخه. ويضيف المتحدث عم الفرح في أوساط الفقهاء وبنى عليه قاضي مراكش آنذاك، أبو إسحاق ابن الصباغ، قبة عظيمة ذات أربعة أوجه، وألزم الفقهاء بزيارة ضريحه والتردد عليه لتلاوة القرآن حتى اشتهر ضريح القاضي عياض الذي أصبح منذ تلك الفترة من المزارات التي يتبرك بها الملوك العلويون وغيرهم، إذ سبق أن زاره السلطان أبو الحسن المريني. وتذكر المصادر التاريخية أن عياض بن موسى اليحصبي عربي الأصل من حمير، التي كانت ملتقى علماء المشرق والمغرب والأندلس ومركزا من المراكز العلمية، درس بها قراءات القرآن وأصول الفقه والدين وعلم الكلام، ولد في منتصف شعبان سنة 476 هجرية بمدينة سبتة، في أحضان أسرة كانت تعتز بما كان لها من ذكر في القيروان وبسطة وقلعة يحصب وفاس، وبما بنته من آثار في سبتة. حصل على إجازات من علماء آخرين ينتمون إلى أهل الأندلس وإفريقية ومصر والحجاز، أمثال ابن العربي وابن السيد البطليوسي وغيرهما، إذ بلغ عدد الذين سمع منهم أو أجازوه مائة شيخ عرف بهم في فهرسته التي سماها الغنية. من أهم الخصائص التي اشتهر بها القاضي عياض عن باقي رجالات مراكش، حسب مقدم الضريح، كونه كان من حفاظ كتاب الله تعالى والقيام عليه ولا يترك التلاوة له على كل حالة مع القراءة الحسنة، وكان من أئمة عصره في الحديث وفقهه وصحيحه وجميع أنواع علومه، كثير الحكاية والخبر، صبورا لا يستسهل التكليف للناس والتحامل عليهم، محبا لطلبة العلم، محرضا لهم على طلبه مسهلا لهم الطرق، مبادرا لقضاء الحوائج، كثير الصدقة والمواساة، والمطالعة، لا يفارق كتبه، كثير البحث عن العلم إلى أن توفي وهو طالب له.