وسط تزايد أعداد القنصليات الأجنبية في الأقاليم الجنوبية.. “البوليساريو” تراسل الاتحاد الإفريقي وتطالبه بالتدخل    بنك المغرب يعلن ارتفاع الدرهم ب0.39 في المائة مقابل الدولار    باحث في العلاقات الدولية يكشف: لهذا السبب تم إبعاد المغرب من مؤتمر برلين    العراق بينه والنَّصر ميثاق    كازادي يقود الوداد لصدارة البطولة بعد ثنائية في مرمى أولمبيك أسفي    كأس العرب للشباب.. “أشبال الأطلس” في المجموعة الثانية    كأس أمم أفريقيا لكرة اليد | المغرب ينهزم أمام تونس 31-24    كيكي سيتين استعان بثمانية لاعبين من "اللاماسيا" في مباراته الأولى مع برشلونة    فاضح "حمزة مون بيبي": أتعرض للتهديد بالقتل من موالين لدنيا باطما    بسبب الفيروس الصيني القاتل.. منظمة الصحة العالمية تجتمع بشكل طارئ    منتخب تونس يتأهل لنصف نهائي كأس افريقيا لكرة اليد على حساب المغرب    التحقيق في قيام زوجين بتعريض ابنتهما للكي في أنحاء متعددة من جسدها    هذا أول تصريح للشابة ليلى من أمام سجن عكاشة بعد إطلاق سراحها    الثلوج تكسو قمم جبال الريف والأطلس الكبير وتسجيل إنخفاض شديد في درجات الحرارة    بوريطة : المغرب فاعلٌ لا محيد عنه في تنمية الإستثمار البريطاني بأفريقيا    صادم بالصورة..انتهاء موسم نجم الرجاء بسبب تدخل عنيف من لاعب نهضة بركان    نقل وزير الشغل إلى المستشفى إثر تعرضه لحادثة سير خطيرة    تقرير إخباري: منع التهريب بسبتة ومليلية.. تصعيد مغربي واستياء إسباني    رجاء بني ملال يهدد الجامعة ب"الإنسحاب" من "البطولة"    معالجة 65 مليون طن من البضائع بميناء طنجة المتوسط خلال 2019    محامون بريطانيون يطالبون بإصدار مذكرة توقيف بحق السيسي    البريكسيت يجمع العثماني و بوريس جونسون !    برلماني يفجر فضائح فساد نتنة في وزارة الصحة داخل قبة البرلمان .. و الطالب : هادشي صحيح !    القدس العربي: إيطاليا طلبت من ألمانيا استدعاء دول المغرب العربي لكنها رفضت حضور المغرب وتونس    توقيف “البيطري” وابن أخته القاصر.. روجا “الإكستازي” في طنجة    أغنى 22 رجل في العالم يمتلكون ثروة تفوق ما يمتلكه مجموع نساء إفريقيا    قضية التلميذ أيوب محفوظ المتابع في قضية “عاش الشعب” تأخذ منعطفا جديدا    والي جهة فاس مكناس يتصدر لائحة المغضوب عليهم في اجتماع لفتيت الأخير .    الموت يغيب الفنان "اعبابو" بعد صراع مع المرض    خرجة جديدة لدنيا بطمة تتحدى فيها المغاربة    دار الشعر بتطوان تفتتح سنة 2020 بليلة شعرية جديدة    مقتل متظاهرين في اضطرابات أمنية واسعة في بغداد    مندوبية التخطيط : هذه هي توقعات الاسر المغربية على المعيشة و البطالة    للعام الثاني.. المغرب خارج لائحة الاقتصادات الأكثر ابتكارا في العالم    العنصر: كاينا إشارات من الفوق بلي سلطة المال واستغلال القيم الوطنية مغاتبقاش ف انتخابات 2021    دراسة: تناول الجوز مفيد للقلب والأمعاء    إعفاء سفير المغرب بماليزيا بعد لقائه بوفد العدل و الإحسان !    لمنع أي نادي من التعاقد معه.. ريال مدريد “يحصن” عقد حكيمي بمبلغ خيالي    خبير مالي: لا بد من القطع مع ثقافة التهرب الضريبي.. والمقاولة ثالثة في أولويات قانون المالية    الصين تعلن تسجيل 139 حالة إصابة بالفيروس الغامض وانتقال الفيروس لمدن جديدة    دراسة: قلوب النساء “أضعف” من قلوب الرجال    قانون مزاولة مهنة القبالة على طاولة المجلس الحكومي    صورة بألف معنى.. زيارة ملكية تعكس روابط الأخوة والعلاقات المتينة بين المغرب والإمارات    أكادير : بالصّور ..باحثون يناقشون قيم الانفتاح والتسامح بإقليم تيزنيت من خلال الموروث العبري    ولي العهد الإماراتي يحل بالمغرب بعد عودته من مؤتمر برلين والملك يخصه بزيارة    “هاري” يبرر تخليه عن لقبه الملكي: كان أملنا أن نواصل خدمة الملكة لكن بدون المال العام…وللأسف لم يكن هذا الأمر ممكنا    وكالة الطاقة: البترول يستطيع الاستجابة لأزمة المناخ    جديد ترامب.. الحامل ممنوعة من دخول أمريكا!    هذه المدينة سجلت أكثر من 25 ملم خلال ال24 ساعة الماضية    الريسوني عن تطبيق الحدود.. أصبحنا نعيش تحت سطوة إرهاب فكري    معرض «هارموني» للتشكيلي محمد أوعمي بالرباط    في حفل تكريمه.. روبرت دي نيرو يكشف عن موقفه من ترامب    تلاميذ سيدي قاسم يحلون بمتحف محمد السادس    دراسة : بذور متوفرة في جميع البيوت .. مضادة للكوليستيرول و السرطان و أمراض القلب    معرفة المجتمع بالسلطة.. هواجس الخوف وانسلات الثقة    خطيب : من يسمح لسفر زوجته وحيدة ‘ديوث' .. ومحامي يطالب بتدخل وزير الأوقاف !    معرفة المجتمع بالسلطة.. هواجس الخوف وانسلات الثقة    أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة ب"مسجد للا أمينة" بمدينة الصويرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بعد غزو أجهزة التبريد للأسواق المغربية
اختفاء ظاهرة حبال القديد الطويلة من الأحياء الشعبية البيضاوية
نشر في الصحراء المغربية يوم 08 - 12 - 2009

اختفت ظاهرة الحبال الطويلة،التي تعلق عليها شرائح لحم القديد في عقود القرن الماضي من عدد من الأزقة الشعبية، وتقلصت في جل الأحياء البيضاوية، إثر غزو أجهزة التبريد الحديثة للأسواق، وخروج المرأة إلى سوق العملوتحولت هذه الطريقة التي كانت النساء تعتمدها للحفاظ على لحم العيد من الفساد، إلى طريقة أخرى وهي وضع قطع اللحم الطري بأكياس بلاستيكية وتخزينها في جهاز المبرد، ليحتفظ باللحم أياما عدة بعد العيد، بل حتى بعد شهورا.
اختفت حبال لحم القديد التي كانت تطل من نوافذ عدد من المنازل والأزقة بالأحياء الشعبية البيضاوية، لتظهر طريقة جديدة وهي الحفاظ على اللحم الطري في أكياس بلاستيكية تخزن في أجهزة التبريد العصرية، واختفت أيضا طقوس وتقاليد لها ارتباط قوي بالتنوع القبلي والطبيعي، الذي يميز عدد من الجهات المغربية.
افتقد المتجول بأحياء درب السلطان بالدارالبيضاء، الذي يختزل مجموع سكان القبائل والجهات المغربية، ظاهرة حبال القديد، التي كانت ربات البيوت يعرضنها لتمتص أشعة الشمس قرب أبواب المنازل القديمة، التي كانت لا تتجاوز طابقين بكل من درب بوشنتوف ودرب البلدية ودرب الفقراء والشرفاء ودرب الطلبة، وزنقة القاهرة وما يعرف سابقا بدرب سبنيول ودرب ليهودي ودرب كرلوطي، حيث كان الزائر لهذه الأحياء القديمة، التي يقطنها سكان انتقلوا للعمل بالعاصمة الاقتصادية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي من مختلف المناطق المغربية، إبان بداية الهجرة من العالم القروي نحو المدينة.
كانت أحجام وألوان شرائح لحم القديد، المعروض للشمس بحبال طويلة، تختلف حسب ذوق ربة البيت والجهة، التي تنتمي إليها، فكان اللون الطبيعي للحم هو الغالب، فيما توجد شرائح غير متوازية الطوب بلون أصفر أو أحمر، حسب التوابل المستعملة في الحفاظ على طراوتها، إلى جانب مادة الملح.
كانت أغلبية النساء يتفنن في تقطيع أجزاء لحم الكبش، إلى شرائح مملحة في اليوم الموالي ليوم العيد، وهي طريقة للحفاظ على جودة اللحم، خاصة في الأعياد التي كانت تتزامن مع فصل الصيف، ولا تتجاوز مدة عرضها أسبوعا ليجف، ويبقى صالحا للاستهلاك عدة شهور.
تغيرت معالم هذه الأحياء التي كان سكانها يتجمعون بأزقة، حسب المناطق المتحدرين منها، كما تغيرت واجهة المنازل، التي كانوا يقطنونها، فارتفع علوها واختفت أبوابها الخشبية والقرقبة النحاسية التي كانوا يطرقون بها لإشعار الذين يوجدون بداخلها بفتح الباب، وأصبح القديد يعرض في حبال صغيرة، معلقة على بعض النوافذ في حياء، ونادرا ما نراها معلقة قرب المنازل.
أفادت تصريحات بعض رباب البيوت، بكل من درب الطلبة والشرفاء وحي العيون وحي الداخلة، أن شرائح لحم القديد ما زالت تحتفظ بمكانتها في عدد من الأطباق المغربية، رغم تخلي عدد من النساء عن هذه الطريقة التقليدية، التي عرف بها الأجداد في حماية اللحم من الفساد. فتجفيف اللحم المملح وعرضه لأشعة الشمس، وهي طريقة معروفة منذ القدم، وهناك من يستعمل الطريقة نفسها للحفاظ على لحم السمك، وهي أطباق داع صيتها في عدد من بلدان البحر الأبيض المتوسط، ويوجد عدد من النساء العربيات، خاصة من الدول الخليجية من تطلب وصفات تحضير طابق الكسكس بشرائح لحم القديد.
تخلت النساء عن إعداد "القديد" حسب أقوال زهرة المعروفة بالشلحة نسبة إلى أصلها البربري، (82 سنة) "جل النساء اللواتي لا يتجاوزن العقد الثالث، يرفضن تحول لحم الكبش كله إلى لحم القديد، كما كان الشأن في الستينيات من القرن الماضي، إذ يلجأن للحفاظ على طراوة اللحم، عبر تجميده بجهاز المبرد، ما يفقده طعمه الطبيعي".
استحضرت رقية، المقيمة بالدارالبيضاء، منذ الأربعينيات من القرن الماضي، بحنين أجواء عيد الأضحى، وتحدثت عن اختفاء عدد من العادات والطقوس، منها طرق الحفاظ على لحم الكبش عبر تقسيمه إلى شرائح رقيقة وطويلة وتمليحها وعرضها لمدة أسبوع لأشعة الشمس. وأوضحت في حديثها ل "المغربية" أن التقنيات الحديثة والأجهزة المنزلية المتقدمة، أنهت عهد مجموعة من العادات، كما وضعت حدا للأعمال المنزلية الشاقة، التي كانت تعانيها المرأة في العهود السابقة، التي كانت تحول معظم لحم الكبش إلى قديد، وتنشره صباح كل يوم، مدة أسبوع فوق حبال في الهواء الطلق وتحت أشعة الشمس، كما كانت تنظف صوف الخروف وجلده بنفسها، فتستعمل الجلد في صنع بعض الأواني المنزلية مثل الغربال، وتعتمد على صوفه في تحضير الزرابي والأغطية التقليدية. خروج المرأة للعمل وغيابها معظم أوقات النهار عن المنزل أيضا، تضيف رقية، غير هذه العادات.
أجهزة التبريد
يرتبط انتشار شرائح لحم القديد على حبال طويلة بالأحياء الشعبية البيضاوية، في الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، بغياب وسائل التبريد العصرية، التي تساهم في الحفاظ على طراوة اللحم، وبدأت تختفي بظهور جهازي الثلاجة والمبرد "كونجلاتور" اللذين غزيا عددا من الأسواق، حيث وجدت ربات البيوت في هذه الأجهزة العصرية، حسب ثوريا، معلمة، طريقة لتقسيم أجزاء الكبش والاحتفاظ بلحمه، وبرمجة تناوله، حسب الوجبات، التي ترغب في تحضيرها. فبعدما كانت وجبات الشواء تختفي في اليوم الثالت من العيد، يمكن لأفراد الأسرة أن يتناولوا هذه الوجبة في أي وقت، لأن ربة البيت احتفظت بقطع اللحم في كيس بلاستيكي خاص بجهاز المبرد، كما يمكنهم تناول وجبة "التقلية" المحضرة ببعض أحشاء الخروف، بعد مرور أسابيع على الاحتفال بالعيد، إذ يجري الاحتفاظ بهذه الأشياء في درجة حرارة منخفضة جدا، بعدما كانت تتحول إلى "كورداس".
طرائف عن القديد
من طرائف حبال "القديد" و "الكورداس" بدرب السلطان، أن أرملة أحيت عيد الأضحى رفقة أطفالها الستة في منزل والديها بنواحي دكالة، لأنها لم تشتر أضحية العيد، وبعد عودتها إلى منزلها دعت جاراتها إلى وليمة بالكسكس والقديد، ورحبت الجارات بالفكرة، واعتبرنها مناسبة للترويح عن النفس، عبر الغناء والرقص، إذ قضت هذه النساء أمسية جميلة، رددن خلالها أغاني شعبية، وتناولن بعدها أطباق من الكسكس، المحضر بقطع لحم القديد، وشكرن الجارة على حسن ضيافتها.
بعد مرور أيام على الحفل، التقت الجارات بمنزل يوجد بالحي نفسه وقدمن الشكر من جديد لصاحبة الوليمة على حسن ضيافتها وكرمها، وتحدثن عن كميات القديد الكبيرة التي تناولنها، فردت عليهن أن الشكر يجب أن يقدم إليهن، لأنهن وفرن لها لحم القديد، الذي أخذت ما احتاجته من الحبال المنشورة بباب المنزل والسطوح، فكان دهشة النساء كبيرة، لأنهن لم ينتبهن إلى اختفاء شرائح اللحم بسبب وفرتها، وتحولت دردشة هذه النساء إلى ضحك ومزاح وروايات لحكايات مماثلة، إذ تحدثن عن لذة شواء لحم القديد، وطرق تحضيره، وأهمية استعماله ضد نزلات البرد الحادة، كما أشرن في حديثهن إلى طرق إعداد "الكورداس" واختلاف أحجامه، واستعمالاته.
عادات مغربية
ترتبط شرائح لحم القديد عند عدد من المغربيات بحفل "القديدة"، الذي كانت النساء يحيينه في العقود الماضية، وكانت مناسبة للترويح عن النفس، بالغناء والرقص على إيقاع نغمات لأغاني شعبية تؤديها فرقة نسائية، فدخلت هذه الظاهرة بدورها في خانة الاندثار، بسبب انشغالات النساء، إلى جانب انخفاض كميات القديد التي يحضرنها، وارتباطها بالتطور الذي عرفه المجتمع المغربي مع التقدم العلمي والتقني، لأنهن أدركن أن جمع 100 شريحة من لحم القديد وتحضيرها بتوابل خاصة، في أطباق من الكسكس، مع تقديمها خلال وليمة أو حفل غنائي يحضره الأهل والأحباب لا يقضي على العقم، وأن بعض أنواع هذا المرض لا يعالج إلا باللجوء إلى العقاقير والأدوية أو بعمليات جراحية أو تقنيات حديثة.
اختفاء ظواهر مرتبطة بالكبش ولحمه
تخلت مجموعة من النساء عن إعداد جلد الكبش الصوفي "البطانة"، الذي كان يبرعن في تنظيفه وتحويله إلى فراش أرضي "الهيدورة"، أو الاعتماد على صوفه بعد عملية الغسل وقلعها من الجلد، الذي يستعمل بدوره في صنع "الغربال" أو تجليد "الطعريجة" و"البندير"، وغزل صوفه، الذي كن يحضرن به الجلباب التقليدي لأزواجهن أو نسج الزرابي والأغطية. أما الآن فاكتفت النساء بإعطاء جلد كبش الأضحية إلى مختصين في صنع "الهيدورة"، أو التصدق به لفائدة جمعيات خيرية، التي تبيعه للاستفادة من ثمنه.
رواج بعد العيد
شهدت محلات الجزارة، بعد يوم العيد، إقبالا واسعا من طرف عدد من الأسر، التي فضلت تقسيم أجزاء الكبش بحرفية ومهنية، وتخلصت الأسر من مهمة تقطيع الكبش إلى أجزاء بشكل عشوائي، وفي هذا السياق يؤكد يوسف الجزار ل "المغربية" أن تقطيع اللحم بالمنشار الكهربائي يسهل العملية بشكل كبير، إذ يحصل على قطع صغيرة ومتوازية ويخفض أتعاب أرباب البيوت. وتقبل الأسر على تقطيع الخروف عند الجزار بشكل واسع، منذ بداية القرن الحالي، خاصة أن الثمن المحدد لهذه المهمة لا يتجاوز 100 درهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.