تساقطات مطرية رعدية قوية مع احتمال تساقط برد ورياح عاصفية محليا قوية متوقعة من الخميس إلى الجمعة    مؤسسة وسيط المملكة تعقد لقاء تواصليا مع مخاطبيها الدائمين بمختلف الإدارات والمؤسسات العمومية    ارتفاع مبيعات الأسمنت إلى أزيد من 1,04 مليون طن إلى غاية نهاية يناير    بعد قرار المحكمة الدستورية.. الحكومة تتجه لإيجاد حل لأزمة المجلس الوطني للصحافة    "النهج الديمقراطي": الفيضانات كشفت بالملموس حجم التهميش والعزلة المضروبين على كثير من مناطق المغرب    فرقاطة فرنسية متطورة ترسو بميناء طنجة    موعد رحلات "لارام" المبارشرة إلى ليبيا    سفارة المغرب بإسبانيا: خدمة المواطن المغربي وصون مصالحه أولوية مطلقة    الجيش الملكي ونهضة بركان على أعتاب ربع النهائي.. مواجهتان حاسمتان في دوري الأبطال    أكثر من 1000 مشارك في ترايل "لالة تاكركوست"    أول منصة تتحاور فيها الآلات بدل البشر.. فهل تتحول إلى قنبلة موقوتة؟        النصيري: "سعيد بانضمامي إلى الاتحاد.."    نفاذ المحروقات ببعض المحطات يسائل احترام الشركات للمخزون الاحتياطي ويعيد ملف "سامير" للواجهة    تعبئة دبلوماسية وقنصلية شاملة لخدمة مغاربة إسبانيا    مقاييس الأمطار بالمغرب في 24 ساعة    رحيل مفاجئ للشاف "كيمو"    لأول مرة.. رئة صناعية تبقي مريضا على قيد الحياة 48 ساعة        أحوال الطقس ليوم غد الجمعة.. توقع نزول أمطار وزخات مطرية أحيانا رعدية بمنطقة طنجة    تغول الوسطاء ينهك منتجي الدجاج ولا يرحم جيوب المستهلكين    الموت يغيّب الشاف كمال اللعبي «كيمو»    لجنة الانضباط تعاقب حكيمي بعد طرده أمام ستراسبورغ    صعود مؤشرات بورصة الدار البيضاء    لماذا طالب عدد من ضحايا "إبستين" بإزالة أسمائهم من الملفات المنشورة؟    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم في المغرب    مانشستر سيتي يقهر نيوكاسل ويتأهل لنهائي كأس الرابطة الإنجليزية    النقابة الوطنية للعدل تنتقد تصريح نقيب المحامين وتعتبر الزج بموظفي كتابة الضبط في صراع مهني لا علاقة لهم به "خارج السياق"    أزمة صحية جديدة بسبب دواء لعلاج الصرع        مؤسس "تليغرام" يحذر من مخاطر حظر شبكات التواصل على القُصّر في إسبانيا    طنجة.. إيواء عدد كبير من المتضررين من فيضانات القصر الكبير    أكبر جمعية حقوقية في المغرب تدعو إلى إعلان أماكن الفيضانات "مناطق منكوبة"    وفاة الطباخ كمال اللعبي الملقب ب "الشيف كيمو"    تراجع أسعار النفط بحوالي 2 في المائة وسط انحسار مخاوف الإمدادات    الإبادة الصامتة في غزة.. قصف يومي وهدنة هشة ومعابر مغلقة وآلاف المفقودين بلا إجابات وسط انتظار قاتل    أمام مناخ استثنائي وقف مغرب استثنائي…    «عيد الربيع الصيني».. احتفال رسمي بالرباط برأس السنة الصينية 2026 يعكس متانة العلاقات المغربية-الصينية    حرب المواقع تتواصل في وزارة الصحة والحماية الاجتماعية    كأس إسبانيا: بلباو يهزم فالنسيا ويتأهل لنصف النهاية    محطات بدون وقود    "ريمالد" ترصد تحولات حق الإضراب        المطبخ المغربي يفقد أحد وجوهه المعروفة.. وفاة الشاف كمال اللعبي "كيمو"    طنجة في حالة تأهب.. تحديد الأحياء المهددة بالفيضانات ونشرة إنذارية تحذر من أمطار ورياح قوية    إنفانتينو: تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أصبح المغرب بوضوح قوة كبرى في كرة القدم العالمية    ذكريات مع الرّاحل عبد الهَادي بلخيّاط فى مصر المحرُوسة وفي مَغرب الأنوَار    عرض وطني بموقع أثري بمدينة السمارة حول الطيور المهاجرة        دراسة: الأطعمة فائقة المعالجة ترفع خطر وفاة مرضى السرطان    المخرج محمد عهد بنسودة في ذمة الله    شهادات ليلة البرق..ورسائل الرعد للغافلين    دراسة علمية تكشف علاقة وضعية النوم بتدهور بصر مرضى الجلوكوما    علماء يحددون جينات تحمي المسنين من الخرف    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ظاهرة الأعمال الشعرية «الكاملة» بالمغرب
نشر في المساء يوم 04 - 07 - 2008

تعزز المشهد الشعري المغربي، في الخمس سنوات الأخيرة، بظاهرة إصدار الأعمال الشعرية «الكاملة». وهي ظاهرة بقدرما تفصح عن نضج شروط التداول الشعري تكشف عن دينامية الحقل الثقافي المغربي، الذي تدعم بإصدارات نوعية، لا تنحصر فقط في الحقل الفلسفي واللساني والنقدي، بل تمس مختلف أجناس التعبير الثقافي، بما في ذلك الإبداع القصصي والروائي، هذا الإبداع الذي شملته، بدوره، ظاهرة إصدار الأعمال «الكاملة» بشكل اطرادي.
بدأنا نجد أعمال المؤسسين من جيل الستينيات من شعراء( عبد الكريم الطبال) وروائيين( عبد الكريم غلاب) وقصاصين ( محمد زفزاف وادريس الخوري) تحضر إلى جانب أعمال المجددين من جيل السبعينيات، كأعمال المهدي أخريف( شاعر) وأعمال الميلودي شغموم ( روائي) وأعمال عزا لدين التازي ( قاص وروائي). وهذه الأعمال صدرت جميعها عن وزارة الثقافة التي بادرت بإطلاق سلسلة نشر الأعمال «الكاملة»، لتلبي بذلك نداء ملحا فرضه التراكم الثقافي، كما فرضته حيوية السؤال الأدبي بالمغرب.
ولم تكن، في الحقيقة، إصدارات وزارة الثقافة تحتل وحدها المشهد، بل جاءت لتعزز حضور أعمال أخرى لبعض الكتاب والشعراء الخارجين عن التعاقدات والاشتراطات المؤسسية المباشرة، كأعمال أحمد بوزفور( ديوان السند باد) وأعمال محمد بنيس ومحمد بنطلحة.. وبذلك لم يعد إصدار الأعمال الأدبية»الكاملة» تقليدا مشرقيا خالصا مرتبطا بالمراكز الثقافية العربية القديمة،(لبنان/ مصر/ العراق/ سوريا) بل أصبح جزءا مندمجا في دينامية ثقافية عامة سيكون لها أبعد الأثر على مستقبل الأدب المغربي.
ويهمنا، في هذه الورقة، أن نحصر اهتمامنا في الأعمال الشعرية. وسنحاول، من خلال تقديم ثلاثة نماذج، الوقوف على التقاطعات والتمايزات التي تكشف عن مشترك أو خصوصية الممارسة النصية وما يسندها من تصورات نظرية لجيل السبعينيات في المغرب الشعري الحديث. وهذه النماذج تتمثل في الأعمال الشعرية لمحمد بنيس، وقد صدرت بشكل مشترك، في جزأين، عن دار توبقال والمؤسسة العربية للدراسات والنشر(2002)، والأعمال الشعرية لمحمد بنطلحة التي صدرت، في جزء واحد، بعنوان»ليتني أعمى»، عن فضاءات مستقبلية بالدار البيضاء (2002)، ثم الأعمال الشعرية لمحمد الأشعري الصادرة بدورها في جزء واحد، ولكن بشكل مشترك، عن اتحاد كتاب المغرب ودار الثقافة (2005).
والملاحظة الأولية هي أن هذه الأعمال تشترك في كونها لشعراء أحياء، بل وفاعلين في المشهد الشعري المغربي إلى جانب أصوات من جيلي الثمانينيات والتسعينيات، كما أنها أعمال جاءت لتغطي ما يشارف الأربعين سنة من تجريب كتابة القصيدة، بدرجات مختلفة من الوعي والإصرار والنسكية، دون أن تعرف هذه السلسلة الزمنية تقطعات في الكتابة الشعرية، أو انقطاعات وسمت بعض التجارب الشعرية السابقة بالمغرب كتجربة أحمد المجاطي مثلا، التي على أهميتها، لم تتجاوز إصدارا شعريا واحدا موسوما ب «الفروسية».
تشترك هذه النماذج أو الأعمال الشعرية أيضا في كونها تتجنب، بشكل قصدي، إثبات صفة «الكاملة» في وسم ذاتها وتقديم تجربتها للقراء. وهي بذلك لا تزج بالتجربة الشعرية في خانة الماضي المغلق والمنتهي، بل تُبقي على انفتاحها الحيوي الذي يقيم في المستقبل، آخذة بعين الاعتبار، محتملات التجربة الموصولة في الحياة كما في النص. وإذا كانت أعمال محمد بنيس ومحمد الأشعري تحتفظ بصيغة «الأعمال الشعرية»، سواء بالتعريف أو بدونه، كعنوان وحيد لمصاحبة الدواوين الشعرية في رحلتها التداولية الجديدة، فإن أعمال محمد بنطلحة قد اختطت لنفسها مسارا آخر، بحيث جعلت تجربة الشاعر، بدواوينها الأربعة (قبل إصدار ديوان «قليلا أكثر»)، تنضبط لعنوان جامع هو عنوان «ليتني أعمى». وغير خاف أن هذا العنوان، بصيغته الأسلوبية المخصوصة، يصل بين التمني وضمير المتكلم المفرد العائد على الذات الشاعرة. ودلالة العمى المطلوب تنصرف لتوكيد قيمة الظلام كأحد مرادفات المجهول، الذي يقود التجربة وتحتمي به من تصلب القناعات وابتذال الطرق السيارة.
أعمال الشاعر محمد بنطلحة تستضيء بعنوان موحد يوحي بانفتاح التجربة وإقامتها في المجهول من الكلام، بينما أعمال محمد بنيس اختارت مواجهة الصمت والاستضاءة بمصباح مقدمة نظرية ذاتية تضيء ما سماه الشاعر ب«حياة في القصيدة». أما أعمال محمد الأشعري فقد استسلمت لقدر يد ثانية، هي يد الشاعر المهدي أخريف، الذي وقع لها مقدمة غيرية بعنوان «محمد الأشعري سيرة القصيدة». ولعل الصداقة القائمة بين الشاعرين المتجايلين،هي ما ينهض حافزا وراء هذا التقديم.
مقدمة محمد بنيس ترسم المسار المتعرج لتجربته الشعرية الممتدة من «ما قبل الكلام»(1969) إلى «نهر بين جنازتين» (2000). وتفسح، في ذات الوقت، المجال لتأملات نظرية صاحبت التجربة وفعلت في إبدالاتها، التي تؤرخ لها اليد الشاعرة بديوان»مواسم الشرق» (1986) و«ورقة البهاء» (1988) وصولا إلى الأعمال اللاحقة. والمقدمة، بقدر ما تريد أن تكون مرشدا ودليلا لمحطات التجربة الشعرية، بقدر ما تريد أن تكون استمرارا لورشة التأمل التي فتحها الشاعر منذ «بيان الكتابة» (1980). لذلك سنجد معطيات أتوبيوغرافية تتعلق بسيرة القراءة أو ما يمكن أن نسميه ب«التربية الشعرية»، تسند استخلاصات نظرية تجعل الشعر في مواجهة الموت، فيما هي تمجد إعادة الكتابة وشعرية المحو والنقصان واللا اكتمال .
مقدمة المهدي أخريف مقدمة عاشقة متواطئة، مغتبطة بفعل التقديم، لكنها لا تتحلل من مسؤوليتها الوصفية والنقدية. لذلك نجدها منشغلة بإعادة رسم تاريخ التجربة، باحثة بين ثناياها عن تلك الوعود الصامتة أو الانقطاعات الصريحة، التي جعلت قصيدة الأشعري تتخلص من اشتراطاتها إلايديولوجية السبعينية، لتتسربل بإيهاب من التخييل والجمالية الرمزية، التي تساوقت مع انهيار اليقينيات وانجلاء الأوهام في أواخر الثمانينيات.
من لاحتجاج إلى الانكفاء الذاتي، مرورا بتلك المرحلة البينية الموسومة برمزيتها الغنائية، ستسير قصيدة الأشعري نحو تقشير لحاها الخارجي وصولا إلى ما يجعل النسغ عاريا من عوارضه. لذلك ستنكفئ التجربة على ذاتها لتتحول، برأي المهدي أخريف، «من النشيد إلى المونولوغ» (ص11)، قبل أن تهتدي في «حكايات صخرية» (2000) إلى القصيدة القصيرة التي أصبحت محرق تجريب، يرتكز إلى رؤية نحتية للفعل الشعري.
هذه إذن ثلاثة نماذج للأعمال الشعرية المغربية الصادرة حديثا، والتي تمثل منجزا نصيا للمختبر الشعري لجيل السبعينيات. وتكشف المصاحبات النصية الموازية لهذه الأعمال عن أثر بعض الانشغالات النظرية والنصية التي وجهت شعراء هذا الجيل. وبالرغم من تقديرنا للجهد الشخصي الكامن وراء صدور بعض هذه الأعمال، فلا يمكننا إلا أن ننتظر انفتاح إصدارات وزارة الثقافة على أعمال شعراء آخرين، وهو ما تحقق جزئيا بإصدار الأعمال الشعرية لمحمد السرغيني، لكننا ننتظر إصدار أعمال شعرية أساسية أخرى، كأعمال عبد الله راجع وعبد الله زريقة وادريس الملياني واحمد بلبداوي ومحمد الطوبي...، فضلا عن كتاب الأجناس والتعبيرات الأخرى كالأعمال المسرحية لعبد الكريم برشيد، والأعمال الروائية ليوسف فاضل. ننتظر ذلك، ونتطلع إلى نشر مدعم بالقراءة النقدية التي ينجزها متخصصون، يبحثون في التجارب الأدبية ليسهلوا تداولها الجامعي أو الثقافي العام، لتحدث أثرها الممكن والمنتظر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.