إدريس الملياني أثار استغراب الصحافيين منشور لوزارة الاتصال قدمته لهم في حفل تنصيب اللجنة العلمية لمراجعة قانون الصحافة، لأنه تضمن عددا من الكلمات بالفرنسية مكتوب أغلبها بشكل خاطئ، لا يمكن حتى لتلميذ الابتدائي ارتكاب مثلها. ولا يمكن بالتالي لقارئ هذا الخبر إلا التضامن مع رجال ونساء الاتصال والصحافة والإعلام، إعجابا واستغرابا وحتى إضرابا عن الطعام والكلام. ولكن، لماذا لم تثر الاستغراب الكلمات العربية المكتوبة كلها بشكل خاطئ، وهي أخطاء «مضبعية» ومطبعية ولغوية وفكرية ومجتمعية وحضارية مستشرية كالقمل والصئبان في الجسم الصحافي، منذ زمن بعيد ولا تعد ولا تحصى ولا تقارن بهذا العدد القليل من الكلمات الفرنسية المكتوبة أغلبها بشكل خاطئ؟! لا مفاضلة طبعا ولا منازلة قطعا بين اللغات أو الشعوب، ولا مجادلة أيضا كما يقال في الأذواق والألوان، ولكن المثير للاستغراب حقا وباطلا هو لغو وغلو الأعراب «الأشد نفاقا» وأخلاقا وتشدقا بما ليس في سوادنا الأعظم، من قيم المسلم اللسان العروبي، الطويل السنان، الحاد الأسنان، الشديد العض والعقوق لكل أو جل حقوق الإنسان، والبغض لجميع أو بعض أنواع الإبداع والإمتاع والإشباع البشري الجميل. هذا «زمن الأخطاء» على حد عنوان كاتبنا العالمي الكبير محمد شكري. وهي أخطاء ذائعة على كل لسان وشائعة في أي مكان، ولاسيما على عقيرة المنابر والقنوات الملتحية والحليقة والمحجبة والسافرة، المؤججة النفوس الأمية والرؤوس النووية، المدججة بسياسة وثقافة وصحافة الدمار الشامل، للعقلي والنقلي على قدر من الأخطاء والأخطار سواء، ولا يرتكبها تلاميذ الابتدائي فقط أو أساتيذ اللغات فحسب، بل جناها علينا كل أرباب الأولمب والبانثيون ونواب الشعب وأصحاب التربية والتعليم والتهذيب والآداب والعلوم والفنون وذوي الألقاب والأحزاب من الساسة والقادة والسادة الرؤساء والزعماء والوزراء وكل ذي صوت جهير من المذيعين والمحامين والقضاة والمعلمين ومن المغنين المطربين واللاحنين والممثلين المضحكين والهازلين، وكل ذي قلم من الناثرين والشاعرين بأنهم فوق اللغة والبلاغة والنحو والصرف والإملاء والإعراب وأرقى من «عين» الخليل بن أحمد الفراهيدي وحداثته الصحراوية البدوية الموسيقى والعروض والقوافي، وحتى لدى المرابطين في الخندق الصحافي، إلى حد القول مع الشاعر محمود درويش: «يجيب الدفاع عن الخطأ» حتى «يجيب الله الصواب» إذا لم نقل مع آخرين إن «الاجتماع على الخطأ خير من الافتراق على الصواب». ولم تجتمع الأمة بعد على حب أو صون أي جمال، إلهي وطبيعي وإبداعي وإنساني، ونضالي بالجمال الذي وحده يستطيع أن ينقذ العالم كله من الضلال العام والعالمي السياسي والثقافي والصحافي، والإعلامي، لو استجاب له الجميع وانقاد «قطيع الرعايا والرعاة» لنداء الجمال ونضال كل أنواع الإبداع والإمتاع والإشباع البشري الجميل، لكانت الحياة على الأرض أفضل حالا ومآلا. وفي هذا المقام أشير إلى مقال طويل نشر «لي» قبل سنوات تحت عنوان : «الأخطاء المطبعية بالأسود والأبيض والألوان» (عام 2000) لا تزال كل تلك الأخطاء المذكورة أمثلة ماثلة للعيان وعند سماع بعض الأغاني بصوت الفنان المعطي بنقاسم والموسيقار عبد الوهاب الدكالي وفي «مولد القمر» بالذات، ومن لم يصدق فليستمع إلى الأغنيتين، وليشكل كتلميذ الابتدائي، بالأقل، هذه الجملة المؤكدة في الأغنية الأولى من شعر نزار قباني «وأن حياتك كل حياتك قبلة» وفي الأغنية الثانية أيضا «أدعوكمو جميعكم لمهرجان» وليستمتع بين الشكلة والأخرى بقبلة المهرجان. ومن جملة الدعوات المسجلة في المقالة والقضاء وذاكرة النسيان: دعوى رفعها الشاعر بالإنجليزية والعالم الأكاديمي الموسوعي وأستاذ اللغات الجليل الراحل محمد أبو طالب، على آفة الأخطاء الشائعة في الصحافة أو وسائل الإعلام ملء الأسماع والأبصار، لم يصدر فيها حكم حتى اليوم، فضلا عن دعوات أخرى إلى تقويم وتصحيح وتصليح وإصلاح اللسان العروبي الطويل، لأستاذنا العالم اللغوي الجليل الأخضر غزال، وللشاعرين الأستاذ محمد الحبيب الفرقاني والصديق الدكتور عبد القادر وساط. ورغم الدعوات إلى «قل ولا تقل» لم يزل «زمن الأخطاء» يتحدى الجميع. وإلى وقت قريب جدا نشر «لي» أيضا في إحدى الصحف مقال بعنوان «تصويب الخطأ أم تخطئة الصواب؟» لا أشير إليه كسابقه ولاحقه إلا للتذكير بالمثل العربي القائل: «إن أخطأت فخطئني وإن أصبت فصوبني وإن أسأت فسوئ علي» على سبيل تقويم اللسان العربي الطويل، ولكن دون إلجامه أو تكميمه، ومن أجل تأكيد التصحيح اللساني التربوي الضروري والتشديد على ضرورة الإصلاح اللغوي وما يلحقه ويسبقه من توابع وزوابع شتى إذا لم يكن يحتاج إلي ربيع آخر لتحرير اللسان العروبي القومي والإسلامي وحتى الأممي الطويل السنان والأسنان. وما زالت صالحة لهذا الزمان والمكان «نصيحة الفيلسوف الشهير كونفوشيوس لأحد ملوك الصين عندما سأله عما يجب عمله لإصلاح شؤون مملكته : «مولاي، ابدأ بإصلاح اللغة»! نشر هذا دون فخر ولا تواضع عام 2003 في كتابي «سنديانة الشعراء ص 176». وإلى حين تنزيل الإصلاح اللغوي الرجاء والوداد أيضا من «اللجنة العلمية لمراجعة قانون الصحافة» البت في مسألة بسيطة للغاية، ليس في تنقيط «البت» و «البث» فهذا خطأ بسيط، ولكن أبسط منه التدخل السريع والمتسرع للأيادي الصحافية في «تصويب الخطأ وتخطئة الصواب» دون الرجوع إلى لسان العرب والنحو الواضح. لماذا تتدخل بعض هذه الأيادي الصحافية ، الخفية والعلنية، وحتى بالعيون الصحافية «الأمنية» الهاجسة والمتوجسة وحتى المتجسسة، في ما يجود به البريد، على الجريدة، التي ينبغي لها إما أن تنشر «الغسيل» كاملا كما ورد عليها أو أن لا تنشره البتة. وكثيرا ما ينطبق على مثل هذا التدخل المتسرع قول المثل الطبي» جا يطبو عطبو» ويقال كثيرا «الأسلوب هو الرجل» ولكن، نادرا أو قليلا ما تحترم الاجتهادات الأسلوبية، للكتاب المبدعين، بدعوى صحافة «القرب» أو التبسيط اللغوي الصحافي، الذي ليس إلا «تحقيرا للشعب» وشبيها بدعوى «الجمهور يريد هذا» أو فتوى أحد «مفكرينا» وكثير من سياسيينا إننا-وشعبنا- غير ناضجين بعد، بما فينا كفاية، رغم احتراقنا لحما وعظما في كل النيران والأفران. و«لكل امرئ من دهره ما تعود» ومن عادات النضال الصحافي احترام الجمال الإبداعي والالتزام الاجتماعي بنضال الجمال الذي يستطيع -وحده- أن ينقذ العالم كله لو استجاب الجميع لنداء الجمال الإلهي والطبيعي وكل أنواع الإبداع والإمتاع والإشباع الإنساني الجميل. شاعر مغربي