منذ انتخاب المكتب الجديد لجمعية هيئات المحامين في المغرب، يبدو أن علاقة أصحاب البذلة السوداء بوزارة العدل والحريات قد تجاوزت مرحلة التوتر الذي وصل، خلال المرحلة السابقة، حد الخروج للاحتجاج في الشارع. محمد أقديم، رئيس الجمعية، اعتبر خلال استضافته في برنامج «مناظرات المساء»، أن الأمر لا يتعلق بمهادنة لوزير العدل والحريات، بل إن المحامين لا يمكنهم اعتماد النزول إلى الشارع كوسيلة وحيدة وأساسية لحل المشاكل، والحال أن المكتب وجد الأيادي ممدودة والباب مفتوحا لدى كل الفاعلين، وعلى رأسهم مصطفى الرميد. وتوقف أقديم عند عدد الملفات التي تهم مهنة المحاماة، إلى جانب بعض القضايا المرتبطة بالإصلاحات التشريعية، ومنها مشروع قانون المسطرة الجنائية. وسجل في هذا السياق أنه إذا أراد «الرميد المحامي» أن يحقق للمغاربة شيئا جميلا قبل مغادرته الوزارة، فيجب أن ينص قانون المهنة أو قانون المسطرة الجنائية على وجوب تمتيع كل مشتبه فيه بدفاع بمجرد الرغبة في إلقاء القبض عليه. – لا يمكن الحديث عن العملية القضائية في بلادنا دون الوقوف عند ركن أساس وهو المحامي. كرئيس لجمعية هيئات المحامين، هل يمكن إصلاح القضاء دون إصلاح فعل المحاماة في المغرب؟ بطبيعة الحال، وكما جاء في كلمتكم، فالمحامي هو جناح من أجنحة العدالة. ونحن نقول بأن المحاماة هي جناح من الجناحين اللذين يشكلان جهاز العدالة، فالقاضي يصدر الأحكام والمحامي يقدم كل آليات دفاعه من دفوع شكلية وجوهرية ومذكرات لتعزيز المرافعة ووسائل الإثبات المدعمة (وإن كان لابد أن نستحضر هنا باقي مساعدي العدالة من خبراء ومفوضين قضائيين والموثقين والتراجمة والنساخة وكل من هو مرتبط بهذا الجهاز…). بالنسبة لنا فنحن نأمل أن يكون الإصلاح شاملا، ففيما يخص مهنة المحاماة هناك توصيات مناظرة فاس والسعيدية والقنيطرة، إلى جانب تراكمات وأدبيات المحامين في مختلف محطات مؤتمراتهم، لكن هل هذا كافي للقول بأن ما نبتغيه كمحامين أو متقاضين أو باقي الفاعلين المرتبطين بالمهنة وصل إلى السقف المنتظر؟ أقول لا لأن العالم يتطور، ونريد أن ننفتح على الأنظمة المقارنة خاصة الأنجلوسكسونية التي أبانت عن نجاعتها وتميزها ونفعية الممارسة بالنسبة للمرتادين والمشتغلين في هذا المجال. بالنسبة للنظام الفرانكفوني فقد أصبح متجاوزا، بل إنهم يبحثون عن خلاص وحلول لمشاكلهم والسعي إلى الارتباط بالعالم الأنجلوسكسوني الذي تبين أنه مفيد وهادف ويقدم أجوبة على كل الأسئلة المطروحة في الممارسة العملية. – في بعض الأحيان يقال بأن محمد أقديم يهادن وزير العدل والحريات، مصطفى الرميد، مقارنة مع المكتب السابق لجمعية هيئات المحامين التي سبق أن قادت احتجاجات قوية. هل كان الأمر مرتبطا بصراعات شخصية وسياسية؟ أظن أن لكل شخص لمساته وبصماته في كل شيء، وإلا فلا يمكن أن نتصور شخصا يقود بدون شخصية. من وجهة نظري فالأمر لا يتعلق بمهادنة، ولا أريد أن أرجع إلى الماضي وإلا فسأقول بأنه بالفعل خضنا احتجاجات وحتى لا يزايد علينا أحد فقد كنا من ضمن الأشخاص الذين خرجوا إلى الشارع للاحتجاج على كيفية تدبير ملف المساعدة القضائية. لكن في الآن نفسه لابد أن نقوم بنقد ذاتي، إذ أنني لست متفقا مع كيفية تدبير ملف المساعدة القضائية في الفترة السابقة، وأرى بأنه لم يكن بالشكل المطلوب. نحن كمحامين لا يمكن أن نعتمد النزول إلى الشارع كوسيلة وحيدة وأساسية لحل المشاكل، وأن ما يمكن تحقيقه بواسطة الحوار هو أسلوب أفضل من الخروج إلى الشارع، وقد وجدنا الأيادي ممدودة. نحن في حوار منذ 14 مارس 2015، تاريخ الإعلان عن من سيتولى رئاسة مكتب الجمعية، ولم أجد من وزارة العدل وكل الفاعلين الذين طرقنا أبوابهم، وعلى رأسهم السيد وزير العدل، إلا الباب المفتوح والاستجابة السريعة والمناقشة الجدية. لماذا سأهادن؟ لقد طرحنا مثلا ملف المساعدة القضائية وخرجنا بالمرسوم الذي صادقت عليه الحكومة بعد إدخالنا للتعديلات الضرورية، ولا يعقل أن يبقى الملف معلقا منذ تأسيس الجمعية إلى الآن، علما أن المحامين يقدمون المساعدة القضائية تطوعا وحان الوقت لتحدد المساهمة في المصاريف حسب المبالغ التالية 2500 درهم بالنسبة للنقض و2000 درهم للاستئناف و1500 درهم في القضايا الابتدائية. – ألا تطالبون الآن برفع هذه المبالغ المنصوص عليها في مرسوم المساعدة القضائية؟ هذه المبالغ لم تكن في السابق، بل تم التنصيص عليها لأول مرة. نحن طالبنا بأكثر مما حدد واستطعنا الحصول على 20 في المائة كزيادة، وهو السقف الذي اتفقنا عليه، أي ما يمثل 60 مليون درهم في السنة على أساس أنه بعد الاشتغال سنقوم بتقييم لنعرف إن كان هذا المبلغ يغطي كل مصاريف المساعدة القضائية المستحقة أم لا. والمرسوم يتضمن بندا ينص على أنه ستتم المراجعة خلال كل سنتين، وإذا تبين أن هذا المبلغ لا يغطي المساعدة المقدمة فسنلتمس رفع الغلاف المالي ليتلاءم مع الحاجيات الضرورية. هذه انطلاقة وأنا أعتبرها مكسبا كبيرا بالنسبة للمحامين، لأن مجموعة من الزملاء يقدمون المساعدة القضائية بشكل جيد، لكنهم غير متوقفين على هذا المبلغ. غير أنه لابد من مبالغ تحفيزية للمهتمين بالمساعدة، علما أن في بعض الأنظمة المقارنة هناك محامون متفرغون للمساعدة القضائية، ويحققون مداخيل لا بأس بها. أعتقد أن هذا المرسوم ليس بالمثالي ولا بالسلبي، بل على العكس من ذلك فهذا جزء من دعم المحامي وهي مساهمة من المال العام لتقديم هذه الخدمات لفائدة المعوزين والأشخاص الذين لا يتوفرون على مداخيل ومن حقهم أن يستفيدوا من المساعدة القضائية. – سبق لوزير العدل والحريات أن اتهم في تصريحات له فئة من المحامين بالفساد. هل تستحضرون نظرة المجتمع للمحامي، ومدى اطمئنان المتقاضين لهم؟ أظن أن هناك قلة قليلة يمكن أن توصم بأنها غير صالحة، وإذا أجرينا عملية حسابية بالنسبة ل17 نقابة للمحامين الموجودة في مختلف أنحاء المغرب، فسنجد أن الأرقام ضعيفة ناهيك عن كون هؤلاء معروفون داخل هذه النقابات. حينما نتحدث بيننا فإننا نعرف من المبدئي والملتزم والفاسد، طبعا ليست لنا أدلة قوية لكن من خلال الممارسة وتكرار العمليات مع مجموعة من الأطراف داخل قضايا معينة يمكن أن نخرج بخلاصات. بيد أنه من أصل 12 ألف محامي، يمكن القول بأن نسبة هؤلاء تبقى ضئيلة جدا ولن تتجاوز حوالي 1 في المائة. هذا تقدير اعتباطي أو جزافي، لكنه يدل على أن هذا الجسم سليم. – ألا ترى بأن وجود 12 ألف محامي فقط في بلادنا يبقى ضعيفا؟ طبعا هو رقم ضعيف، وقد سمعت العديد من الانتقادات التي وجهت لي ووصلت حد السب والقذف من طرف أشخاص يقولون بأنني أريد إغراق مهنة المحاماة حينما صرحت بأن المغرب بإمكانه أن يضم 200 ألف محامي، أي ما يفوق 15 مرة العدد الحالي، لكن بشروط. أعتقد أنه يجب أن نشجع الشركة المدنية المهنية كآلية للعمل، على اعتبار أن الممارسة التقليدية لن تصمد داخل المجتمع لأن الفرد لوحده لن يستطع أن يشبع كل حاجيات المتقاضين، في ظل محدودية الإمكانات المادية ومحدودية تقديم الخدمات بالشكل السريع والمتطور. فحوالي 70 في المائة من المحامين يعيشون ظروفا غير جيدة، وربما لا يستطيعون أن يتجاوزوا الاكتفاء الذاتي وضمان الأداءات المستحقة لسير مكاتبهم ناهيك عن تحملاتهم العائلية، وبالتالي لابد أن نوجه اللوم إلى أنفسنا ونتساءل عن السبب الذي جعلنا لم نستطع الخروج بشركات مدنية مهنية ضخمة. ربما هناك من يستغرب من مسألة حديثي عن النظام الأنجلوسكسوني، والحال أنه نظام ناجح. تصوروا حينما تكون هناك شركة بعدد محامين يتجاوز ال100، ويتم تقسيم العمل بشكل جيد وتخصصي وبإمكانات لا بأس بها وبأسلوب معقلن وحكامة جيدة فلا أظن أننا لن ننجح. – ألا يعاني المحامي المغربي من المنافسة بسبب اشتغاله بطريقة فردية، عوض خلق مكاتب محاماة ضخمة كما وصفتها؟ هناك منافسة قوية، فهناك شركات تمارس في إطار القانون التجاري وتتشكل من محامين، على اعتبار أن بعض الأنظمة القانونية الخارجية لا تمنع على المحامي بعض الأعمال التي يمكن أن نعتبرها في بلادنا أعمالا تجارية يمنع منها المحامي. المنافسة تتمثل في كون من يشتغل في المجال التجاري، بمحامين لهم تكوين متطور، يحرم المغاربة من مثل هذه القضايا لأن آليات الاشتغال لدينا تقليدية وضعيفة، في حين ليست هناك إرادة أو رغبة في الاشتغال بشكل جماعي، ولحد الساعة نصرخ ونؤكد دائما بأن هذه النقطة هي جزء من مصدر أزمتنا، بالإضافة إلى المشاكل الأخرى التي لها نصيب من الوضع المتأزم من قبيل السمسرة وجلب الزبناء بطرق رديئة والتعامل مع القضاء بطرق غير قانونية. لكن هذه الأساليب لا يمكن أن تؤثر في مسار المهنة إذا أخذت الطريق الصحيح بآليات تعتمد المهنية والجدية والممارسة الجيدة والتكوين العميق والمستمر. – في إطار الحديث عن خلق هذه الشركات، لماذا لم تبلوروا تصورا حول إحداث معاهد خاصة بتكوين المحامين كما هو الحال مثلا بالنسبة للمعهد العالي للقضاء؟ إذا رجعتم إلى الاتفاقية المتعلقة بالتكوين، والتي رصد لها مبلغ مليار سنتيم، وهو مبلغ لا يستهان به، فقد أكدنا على أن هذا التكوين لن يكون بديلا عن إحداث المراكز أو المعاهد. لكن تصوروا أنه منذ سنة 1993 تم التنصيص على إحداث معهد أو معاهد للتكوين، وتم تغيير اسمها في التعديل الذي تم سنة 2008 لتصبح «مراكز التكوين»، غير أنه إلى اليوم لم يتم خلق هذه المراكز أو المعاهد رغم مرور أكثر من 22 سنة. طبعا فيما يتعلق بالتكوين المحلي فالهيئات تقوم بمجهود كبير من خلال ندوات التمرين والمحاضرات والعروض. لكننا لا نعرف إن كان هذا المعهد عصيا على الخروج إلى العلن أم أن هناك صعوبات مالية والدولة لا تستطيع أن تتكفل بذلك. هناك من يقول إننا سنلزم الدولة بذلك، لكنني أعتبر أن المحامين يشكلون نخبة يجب أن تكسب القضايا بالجدل القانوني والحوار والتفاوض وليس بالاحتجاج. فإذا اقتضى الأمر أن نحتج فسنلجأ إلى ذلك، لكن لا يمكن أن نلوح بالاحتجاج في كل موضوع لأن ذلك سيبخس ويقلل من دورنا الشامخ والرفيع. – ألا تطرح مسألة تشييد المعاهد إشكالا بالنسبة لوزارة العدل والحريات، على اعتبار أن المحاماة هي مهنة خاصة بخلاف القضاة؟ هذا الأمر مطروح كذلك، فمن الممكن أن يقال بأنه لا يجب أن نعتمد على الدولة ولكن لابد من مناقشة مجموعة من الصيغ الممكن تطبيقها، كما أن الفصل 57 من قانون المهنة أنقذ الهيئات من الإفلاس، وأتمنى أن يتم تطويره ويُدافع عن ذلك بشكل يحمي المصالح المالية للهيئات. مثلا بالنسبة لمداخيل الدمغة على مستوى نقابة الرباط التي مارست فيها عضوية المجلس منذ سنة 1997، أي ما يعادل 19 سنة، فالمحامي يؤدي 20 درهما عن كل مقال يضعه في الصندوق، والحال أننا لا نستطيع أن نستكمل المبلغ الذي يكفي لأداء التأمين عن الاستشفاء والوفاة. اليوم ارتفع هذا المبلغ، فتكلفة التأمين في نقابة الرباط، دون احتساب تكاليف التأمين التكميلي الذي صودق عليه أخيرا، تصل إلى 620 مليون سنتيم. – ماذا عن قرار الحكومة فيما يخص التغطية الصحية للمستقلين؟ بالنسبة لنا فنتمنى أن نستفيد من التأمين الإجباري المزمع إخراجه. هذا الملف سيخضع للمناقشة حيث ننتظر الحصول على المشاريع المنظمة من أجل تقديم مقترحاتنا بشأنها. تصوروا معي بالنسبة للتقاعد أن هناك محامين سيتوصلون بمعاش لا يتجاوز 400 درهم، وهو وضع مزري ومخيف. صندوق الإيداع والتدبير يطرح مسألة شراء النقط منذ الالتحاق بالمهنة للحصول على معاش يقدر ب4000 أو 5000 درهم، أي بما يعادل 500 درهم كمساهمة شهرية، بالإضافة إلى الفوائد التي تنتج عن حسابات الودائع. وعلى صعيد آخر، فبالنسبة لاشتراكات المحامين في نقابة الرباط مثلا فلا تتجاوز 125 درهما شهريا، علما أنه لدينا 34 مستخدما منخرطون في الضمان الاجتماعي والنقابة ملزمة بأداء 90 ألف درهما شهريا، أي ما يقارب 108 مليون سنتيم سنويا. أضف إلى ذلك 620 مليون سنتيم الخاصة بالتأمين، وأيضا تحملات ومصاريف المشاركة في المنتديات والمؤتمرات الوطنية والدولية. – هذا الأمر المرتبط بالمساهمات يثير مسألة واجبات الانخراط في الهيئات التي يوجه لها البعض انتقادات مختلفة. ألا ترى بأن هذه التكاليف المرتفعة تمنع فئة من خريجي الجامعات من الولوج إلى المهنة؟ نقابة الرباط مثلا لديها ناديين ومقرات وتقدم خدمات للمنخرطين. طبعا الطالب يؤدي مبلغ 50600 درهم، وهؤلاء الزملاء بمجرد التحاقهم سيستفيدون من كل أملاك الهيأة. بالنسبة لنا فقد انخرطنا بمبلغ 2000 درهم سنة 1982، والحال أن الهيأة لم تكن تتوفر على هذه النوادي والمقرات، في حين هناك اليوم العديد من المنجزات التي سيصبح هؤلاء المحامون الجدد شركاء فيها. صحيح أن هناك نوعا من المبالغة في المبالغ المالية المحددة في العديد من الهيئات، لكن ذلك يرجع إلى تحملات لابد للملتحق أن يكون له نصيب كمساهمة في التدبير المالي اليومي والشهري والسنوي للهيأة. أعتقد أنه بالنسبة للطلبة وخريجي الجامعات فيجب أن يكون المبلغ ملائما ويتناسب مع القدرات المالية لهؤلاء، علما أن الملتحق سيستفيد من التأمين الصحي والتقاعد والوفاة وكل الخدمات التي تهيئها الهيأة لفائدته. – بما أننا في ضيافة محام فإننا نود أن نثير معكم قضية الأساتذة المتدربين. كيف ترون، من الناحية القانونية، ملف هذه الفئة؟ بالنسبة للأساتذة ومرتادي الشارع العام من خلال الحركات الاحتجاجية، فنحن مع سيادة القانون. الحركات الاحتجاجية هي تعبير حضاري في جانبه الأكبر، لكن هل من المعقول أو المقبول أن كل من رأى بأنه يجب أن ينزل إلى الشارع سنقول له إن ذلك حقه ولا يمكن لأحد أن يعترضه؟ بالنسبة للقانون فقد حوكم حقوقيون وقضى القضاء بأن الوقفة لا يمكن أن تمنع وهي مرخص بها بشكل «أوتاماتكي». وبالتالي فبالنسبة للمسيرة فهي تحتاج إلى ترخيص، أما الوقفة فلا تحتاج لذلك طبعا الشارع فضاء عمومي وملك للشعب، وبالتالي لا يمكن أن أختار نقطة معينة لأقف أو أسير فيها دون أي تدابير مطابقة للقانون والعادة والعرف، والعديد من المشاكل المطروحة واقعا وقانونا يمكن الوصول إلى حلول بشأنها عن طريق التفاوض ولم لا تقديم تنازلات إذا اقتضى الاستقرار ذلك. – ماذا عن الجانب القانوني لهذا الملف، خاصة أن الأساتذة المتدربين يقولون إن هذه المراسيم صدرت في الجريدة الرسمية بعد اجتيازهم للمباريات؟ وهل يمكن لكم كهيأة للمحامين أن تترافعوا في هذا الملف؟ لحد الساعة لم تطرح على أي محام مسألة مناقشة المرسومين. طبعا المرسوم قابل للإلغاء، وهذا جانب مستبعد ولا يتحدث عنه أي شخص، حيث يمكن تقديم الطعن ضده أمام محكمة النقض حتى نعرف موقف القضاء والفقه من هذا المرسوم وحيثياته التي تطرح الآن، وهناك جهابذة ونقباء ومحامون من الطراز العالي الذين بإمكانهم الترافع لفائدتهم وسيعملون على إلغاء المرسوم إذا كان قابلا لذلك من الناحية القانونية. لكن لا يجب أن ننسى بأنه بالنسبة للدولة إذا كان الاستقرار يتطلب التفاوض والجلوس إلى مائدة المفاوضات من أجل الوصول إلى حلول فالدولة عليها أن تمتص حالة التذمر. اليوم يقال بأنه يمكن إدماج حوالي 7000 أستاذ والباقي في السنة المقبلة، وبالتالي فإذا كنا نعرف ما نعيشه داخل بلدنا وبأننا سنحافظ على وضعنا واستقرارنا فلابد أن نضحي في بعض الأحيان من أجل تحقيق السلم الاجتماعي وتوفير الأمن لكافة المواطنين، أما أن ندفع في اتجاه لا يخدم مصلحة الوطن والمواطن فهذا غير مستساغ ويمكن أن يؤدي إلى انعدام الضوابط والقواعد الواقعية والقانونية. – ألا ترى بأن بعض مؤسسات الوساطة سواء الرسمية، من قبيل المجلس الوطني لحقوق الإنسان أو مؤسسة الوسيط، وأيضا النقابات وغيرها لم تقم بدورها في هذا الملف؟ هذا السؤال هو دعوة لهذه الجهات، فهي مؤسسات وإن كانت رسمية لكن لها من الضغط والوسائل ما سيجعلها تؤثر في مسار حل العديد من الملفات، وأظن بأنه إذا تكاشفنا وتصارحنا وطرحنا ما لنا وما علينا فإننا لن نفتقر للحل. نحن ضد العنف بصفة مطلقة، وأن كل الاختلالات الحاصلة لها نصيب من الحلول. – ماذا عن تثبيت الكاميرات في مخافر الشرطة؟ الكاميرات سيكون لها دور تكميلي، وإن كنت أرى بأن حضور المحامي لوحده مسألة كافية بدون الكاميرات. طبعا التسجيلات يتم توجيهها للقضاء في ظرف مغلق ويمكن العودة إليها إذا طالبت بذلك الأطراف المعنية، وهذا مقتضى لا أقول بأنه غير جيد، بل هو موجود في دول متقدمة، إذ أنه يتم توثيق كل الأبحاث والتحريات التي تتم في مخافر الشرطة، لكن يجب أيضا التنصيص على حضور المحامي وتقليص فترة الحراسة النظرية وتطبيق مقتضيات الفصل 69 من قانون المسطرة الجنائية الذي يؤكد على ضرورة تحرير المحاضر فورا، وبالتالي فلا يمكن أن أوقف شخصا في الثامنة ليلا وأتركه ليومين قبل تقديمه أمام النيابة العامة. إذا كان الأمر يتعلق بالأطر والموارد البشرية فهذا الملف يمكن أن تخصص له الإمكانيات المالية لأنه مرتبط بالحرية، وهي أسمى ما يملكه الإنسان. – هذه الإشكالات تجرنا لملف الاعتقال الاحتياطي. كيف تقارب المقترحات التي جاءت في هذا الصدد؟ تحدثت قبل قليل عن مدة الحراسة النظرية، والتي تقدر ب48 ساعة في عامة الجرائم، و96 ساعة في الملفات المتعلقة بالمس بأمن الدولة و12 يوما في قضايا الإرهاب. هذه الأمور كلها يجب أن تراجع، إذ عندما تكون هناك خلية إرهابية فلا أدري لماذا سيبقى الموقوفون 12 يوما تحت الحراسة النظرية؟ فإذا كنا نتوفر على ما يفيد بأن المشتبه فيه ينتمي لجهة متطرفة ويشكل خطرا فيجب مباشرة المسطرة وإحالته على النيابة العامة. أما بالنسبة للاعتقال الاحتياطي فهو حسب القانون تدبير استثنائي لا يلجأ إليه إلا خشية فرار المشتبه فيه أو تغيير معالم الجريمة أو عدم توفر الشخص على الضمانات الكافية للحضور، لكنني أظن بأن هناك حوالي 20 تدبير من تدابير المراقبة القضائية منها إغلاق الحدود وسحب جواز السفر بالنسبة للمجرمين الذين يمكن التخوف مما قد يصدر عنهم، والحال أن المتابعين في العديد من الملفات يودعون رهن الاعتقال الاحتياطي، وبالتالي فلم يبق هذا الأمر تدبيرا استثنائيا. أظن أن الاعتقال الاحتياطي إذا وضعنا له ضوابط وتدابير مدققة وواضحة فسيساعد ذلك على وقف العديد من المؤاخذات الموجهة لمجموعة من الأجهزة، على اعتبار أن كل شيء مقبول إلا الإيداع في السجن. فهناك عائلات تؤكد استعدادها لتقديم أي شيء وبيع كل ما تملك حتى لا يتم الزج بأقاربها في السجن. – ألا يضرب الاعتقال الاحتياطي براءة المتهمين؟ طبعا يمس بقرينة البراءة، لأن الأخيرة تقتضي أن يبقى المشتبه فيه حرا إلى أن يصبح القرار نهائيا، وليست هناك إمكانية لإعادة النظر فيه. آنذاك يمكن منح المتهم حوالي ثلاثة أشهر لتدبير أمره قصد قضاء العقوبة، والحال أنه يمكن اللجوء إلى بعض البدائل إذ في بعض الدول يتم تحويل العقوبة إلى مبالغ مالية، خاصة فيما يتعلق بالجرائم التي لا تمس المجتمع وحياة الناس، من قبيل الضرب والجرح والنصب والسرقة وما يرتبط بعلاقة الأشخاص داخل دائرة ضيقة لا تمس بالحياة العامة. – ماذا عن النقاش الذي أثارته بعض مواد مشروع القانون الجنائي، من قبيل تجريم ما يسمى بزعزعة عقيدة مسلم وازدراء الأديان؟ حسب علمي فوزارة العدل والحريات أكدت أنها لن تمس بهذه القضايا وستعمل على إدخال تعديلات بالنسبة لبعض الفقرات المهمة. فيما يخص هذه الجريمة فأظن أن المسلم لا تزعزع عقيدته والشيء نفسه بالنسبة للمسيحي، وبالتالي فالتنصيص عليها يؤدي بنا إلى القول بأنه هناك تضييقا. أعتقد أنه لا داعي لإدخال هذه الجريمة، فالإسلام يقول لا إكراه في الدين ولا يمكن أن نلزم شخصا بالانتماء إلى الديانة الإسلامية حتى ولو كان أبواه مسلمان وأراد أن يعتنق ديانة أخرى. – في ختام هذه الحلقة من برنامج «مناظرات المساء»، كيف ترى شد الحبل بين بعض القضاة ووزير العدل والحريات؟ الحوار يعني أن نجلس ونطرح ما لدينا، فهناك مشروع وفي المقابل هناك بديل، فيتم النقاش ويمكن أن نطرح المقترحات على المختصين والخبراء لنصل إلى توافق وآنذاك سنذهب إلى القنوات التي لديها الصلاحية للبت فيها. أنا ضد عقوبة التشطيب والعزل سواء في مهنة المحاماة أو القضاء لأن ذلك يشكل إعداما. طبعا يمكن أن تكون هناك عقوبات أخرى هادفة ومنتجة ، والإنسان يخطئ في مساره ويرجع إلى الصواب والسلطة التقديرية الممنوحة لهذه الأجهزة المكلفة بالبت في هذه الملفات تُدخل في الاعتبار هذه الأمور، لكن لا يمكن أن نترك الحبل على الغارب، بل لابد أن تكون هناك مسؤولية ومحاسبة. مثلا المادة 97 من النظام الأساسي للقضاة أثارت الكثير من الكلام، والحال أنه يمكن أن تناقش، وحتى ولو اعتمدت اليوم بعد إدخال التعديلات اللازمة فيمكن مستقبلا إذا تبين بأنها غير صالحة فيتم تغييرها بالكامل، فالقانون يتم إعداده لكننا نكتشف ثغراته من خلال الممارسة. طبعا لابد من الحكمة واحترام الآخر، فأنا لست متفقا مع من يهاجم الآخرين لأنهم ليسوا متفقين معه في تحليلاته، سواء من هذا الجانب أو الجانب الآخر، لكن لكل جهة صلاحياتها فأنا لا يمكن أن أكون مكان قاض لأصدر الأحكام ولا يمكن أن أكون مكان البرلماني، غير أنه يمكن اعتماد المناقشة المرتكزة على احترام الآخرين والإصغاء لنبضات كل من هو مختص في المجال المتحدث بشأنه وسيكون ذلك ذا قيمة وإفادة للجميع. الاعتقال الاحتياطي يمس بقرينة البراءة التي تفرض أن يبقى الشخص حرا إلى أن يصبح القرار نهائيا – ننتقل الآن إلى مناقشة بعض مقتضيات مشروع قانون المسطرة الجنائية. ما موقفكم من مسألة حضور المحامين، خاصة أنكم كنتم تطالبون بحضوره من الوهلة الأولى لإيقاف المشتبه فيهم؟ نحن نطالب بحضور المحامي من الوهلة الأولى، وسبق لنا أن قلنا ذلك لوزير العدل والحريات. فإذا أردت أن تحقق للمغاربة شيئا جميلا، وأنت محام وستغادر الآن أو في وقت من الأوقات الوزارة، فلماذا لا تعمل على أن يتم التنصيص في قانون المهنة أو المسطرة الجنائية على وجوب تمتيع كل مشتبه فيه بدفاع بمجرد الرغبة في إلقاء القبض عليه؟ بالنسبة لكيفية تعيين الدفاع فنؤكد أن هناك 17 نقابة مغربية وهناك استعداد لتقديم المساعدة القضائية في هذا المجال ولو اقتضى الأمر مجانا في هذه المرحلة، في انتظار معرفة عدد هذه الملفات. بيد أن هذا القرار سيكون له أثر كبير، فالمواطن حينما يرغب الضابط في توقيفه فسيعرف بأنه من حقه أن يلتزم الصمت وأن يحضر إلى جانبه محام من الوهلة الأولى ويتم الاستماع إليه في تلك اللحظة. هذا الأمر سيجعلنا نحقق قفزة أخرى تخفض من مدة الحراسة النظرية، إذ لا أفهم لماذا يتم الاحتفاظ بشخص قام بسرقة هاتف نقال لمدة 24 ساعة، علما أن الاستماع إليه بحضور المحامي قبل نهاية نصف مدة الحراسة النظرية بثلاثين دقيقة يجعل إبقاءه رهن الحراسة النظرية في غير محله، وعلى المشرع أن يغير هذه المقتضيات ويجسد الفورية في الاستماع ويعمل على التضييق من تطبيق الاعتقال الاحتياطي لأنه ماس بقرينة البراءة وإزالة الاستثناء والالتجاء لتدابير المراقبة القضائية كبديل عن الاعتقال الاحتياطي.