أطراف العدالة تعتمد الرسالة الملكية السامية    فاتح تيريم ينتقد جماهير غلطة سراي بشكل لاذع والسبب بلهندة    يعقد لقاء صحافيا للاحتجاج على عدم نقل المباراة.. “الطاس” يستقبل اتحاد الخميسات في ربع نهائي كأس العرش    بعدما عصف به التعديل الحكومي.. العثماني يعين الصمدي مستشارا له في التعليم    وفاة محمد اللوز أحد مؤسسي مجموعة تكادة    الكشف عن الموعد الجديد لمباراة الكلاسيكو بين البارصا وريال مدريد    مواجهة الخطر الإيراني توحد المغرب وأمريكا    الدار البيضاء.. عمليات أمنية نوعية تسفر عن توقيف 8225 شخصا ما بين 10 و21 أكتوبر الجاري    الناظور.. إدارة السجن المحلي تنفي تعريض سجين للضرب والمنع من الزيارة العائلية    قيس سعيد يقترح على التونسيين التبرع بيوم عمل لتسديد الديون خلال تنصيبه رئيسا لتونس    الرئيس التونسي يتبرّع بيوم عمل ويرفض الإقامة في قصر قرطاج    الشرطة البريطانية تعثر على 39 جثة داخل شاحنة قرب لندن    الكوكب يراسل لجنة الاخلاقيات احتجاجا على " تدوينة "رضوان الحيمر    الجامعة تفتح تحقيقاً في مباراة شباب المحمدية ووداد فاس    ريفر بلايت ينهزم أمام بوكا جونيورز ويتأهل لنهائي كوبا ليبيرتادوريس    روسيا، تطرد البوليساريو من قمة "سوتشي"    قانون مالية 2020.. الحكومة تواصل مسلسل الخوصصة    مجموعة OCP تلتحق بالمجلس العالمي للمقاولات من أجل التنمية المستدامة (WBCSD)    وسط توتر المتظاهرين.. الجيش اللبناني يلجأ إلى القوة لإعادة فتح الطرق    أحمد الفيشاوي يكشف أسرارا غير متوقعة عن هيفاء وهبي ونيته في وشم صورة زوجته – فيديو    على غرار المخدرات.. مصحات لعلاج إدمان الهواتف الذكية    الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تقصف الحكومة وتصف مشرع قانون المالية ب”استمرار منح الامتيازات للرأسمال على حساب مطالب العمال”    رسميا.. الموعد الجديد لمباراة الكلاسيكو بين برشلونة وريال مدريد    الجامعة تقنن الحضور الجماهيري بالملاعب    مصر "مصدومة" من تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي    المغرب يحتل الصف الثالث في مؤشر «أبسا » للأسواق المالية الأفريقية لسنة 2019    بنشماش والمالكي يحضران مراسيم حفل تنصيب قيس سعيد رئيس التونسي الجديد    بطل مغربي في “التيكواندو” يختار ركوب قوارب الموت ويرمي ميدالته في البحر    الاتحاد الاشتراكي يدشن بمراكش ورش المصالحة باحتفاء كبير    الأمير مولاي رشيد يحضر مأدبة عشاء لإمبراطور اليابان    نجم الراي محمد عدلي يطرح ديو غنائي بعنوان « روحوا ليها »    فيلمان مغربيان بالمهرجان الدولي «سينميد»    فيلمان مغربيان في مهرجان نواكشوط الدولي للفيلم القصير    الملتقى الوطني للمسرح الكوميدي بجهة فاس – مكناس    ندوة وطنية تقارب علاقة الشعر والسينما بالرباط    خيرون والحساني يتنافسان على كرسي إلياس العماري    حجز بضائع مهربة بحوالي 2 مليون درهم    استنفار في فرنسا.. رجل يُهدد الشرطة من داخل متحف بكتابات عربية    روسيا: أمريكا خانت الأكراد.. وإذا لم ينسحبوا فسيواجهون ضربات الجيش التركي    المغرب يوقع المعاهدة المنشئة للوكالة الإفريقية للأدوية    تسريع وثيقة المناقشة و تحدي الزمن من أجل احترام المواعيد الدستورية : تخفيض النفقات بمليار درهم وتوقع عائدات الخوصصة ب 3 ملايير    الأرباح الصافية لاتصالات المغرب تصل إلى 4.65 مليار درهم    العثماني وبنشعبون : سعر قنينات غاز البوتان لن يتغير    بعد مغادرته الحكومة.. العثماني يختار الصمدي مستشار له بقطاع التعليم كاتب الدولة السابق    الموت يفجع الفنان إدريس الروخ    العثور على 39 جثة داخل شاحنة في منطقة صناعية ببريطانيا يعتقد أنها لمهاجرين سريين    علماء يطورون "أدمغة صغيرة" من أنسجة بشرية في إنجاز يثير مخاوف أخلاقية!    أزمة صحية جديدة بسبب الدواء المضاد للسل    نادي قضاة المغرب "ينتفض" ضد المادة 9 من قانون المالية    هذه توقعات أحوال الطقس اليوم الأربعاء    بعد أن ارتفع حجم دينه العام إلى 93 مليار دولار.. المغرب يدرس إصدار سندات دولية لسد عجز ميزانية 2020    طنجة تحتضن لقاء علميا حول موضوع خصائص وأصول المذهب المالكي    دراسة حديثة.. التمارين الرياضية قد تقلل خطر الإصابة بسرطان الرئة لدى المدخنين    النص الكامل لمقال سيست من خلاله أسماء لمرابط الحجاب قبل خلعه    الحريات الفردية بين إفراط المجيزين وتفريط المكفرين    حوار حول الحرية    لاعبو كرة القدم أكثر عرضة للوفاة بهذه الأمراض التي تصيب الرأس والأعصاب    أحمد الريسوني يكتب.. أنا مع الحريات الفردية مقال رأي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هل حقاً نجحت الثورة السودانية؟
نشر في اليوم 24 يوم 26 - 08 - 2019

أصبح هذا السؤال يطرح بإلحاح أكثر منذ التوقيع على الاتفاق بين المجلس العسكري وقادة الحركة الاحتجاجية، وهو الاتفاق الذي من شأنه أن يمهد لبدء مرحلة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، يفترض أن تنقل البلاد إلى حكم مدني، يضمن حياة أفضل للسودانيين، ويمنحهم مزيدا من الحريات والأمل في المستقبل.
وقد استبق كثيرون الأحداث، واحتفلوا بنجاح الثورة التي أدت إلى سقوط رأس النظام السابق، ووصف آخرون الاتفاق بأنه «خطوة تاريخية» سينهي حكم العسكر في السودان، ويؤسس لقيام حكم مدني ديمقراطي. بل هناك من ذهب إلى القول إن إرادة الشعب السوداني انتصرت باستعادة الشعب سيادته.
نجاح الثورة السودانية هو أمل كل القوى الحية في البلاد العربية، لأنها ستشكل دعما للتجارب الثورية القائمة، وخصوصا في تونس، وتعطي زخما أكبر للحراك الشعبي في الجزائر، وتبعث الأمل لدى قوى التغيير في أكثر من بلد عربي يعاني من قمع نظامه وتسلطه، ويبعث رسالة قوية إلى محور الثورات المضادة في الإمارات والسعودية ومصر إيذانا بفشل ثوراتهم.
ولكن يجب ألا تحملنا العاطفة فوق الواقع أكثر مما ينبغي، فالثورة السودانية ما زالت في مرحلة مخاض عصيب، يصعب من الآن الحكم على نجاحها، فهي بالكاد دخلت مرحلة تجسيد أهدافها، وهذا مشوار طويل، لا يقدّر بالحساب الزمني، وإنما بمدى استمرار وجود الإرادة الصلبة في بلوغ مراميه.
وحتى يكتب للثورة السودانية النجاح، وهي التي ألهمت الجميع دروسا كثيرة في الإبداع والتنظيم والقدرة على الصمود والتحدي، لا ينبغي فقط التهليل بنجاحها الرمزي، وإنما التنبيه إلى المخاطر المحدقة بها، وتلك التي ستتربص بها لاحقا لإفشالها، كما حصل مع ثورات شعبية سابقة أجهضت في مهدها، أو تم وأدها، قبل أن يشتد عودها.
ثمة عدة أسباب تدفع إلى عدم التسرّع في الحكم على نجاح الثورة السودانية، أولها أن ما سقط هو رأس النظام، أما النظام فما زال قائما، ولا أدل على ذلك من أن قادة المجلس العسكري هم جزء من النظام الذي حكم به الرئيس السوداني المعزول البلاد ثلاثة عقود ونيف بقبضة من حديد ونار، فرئيس المجلس العسكري الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، كان عقيدًا للمخابرات العسكرية، وهو مثل رئيسه السابق عمر البشير، متورّط في جرائم ارتكبت ضد سكان إقليم دارفور.
والرقم الثاني داخل المجلس العسكري، محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، هو القائد بلا منازع لقوات الدعم السريع، وهي وحدة مكونة في الأصل من مليشيات الجنجويد التي نشرت الموت والرعب والخراب في إقليم دارفور، ومتهمة بقتل متظاهرين ورمي جثثهم في نهر النيل. 
السبب الثاني الذي يدفع إلى التنبيه من مغبة المبالغة في التعبير عن الفرح في وقت يستدعي كثيرا من الحذر واليقظة، موضوعي، مرتبط بموازين القوى على أرض الواقع ما بين العسكر وقوى الحرية والتغيير، فالعسكر يستند إلى مؤسسة نظامية قائمة، هي التي حكمت البلاد منذ استقلال السودان، وحتى إن اختلفت الآراء بين قادته، فهو يبقى وحدة متماسكة تعرف كيف تتجنّب المخاطر في الأوقات الصعبة، حتى لو أدى ذلك إلى التضحية ببعض رموزها، كما حصل مع رئيسها السابق عمر البشير الذي اعتقله زملاؤه حفاظا على المؤسسة نفسها.
تكرّر السيناريو نفسه في مصر إبّان ثورتها، عندما تم التخلي عن الرئيس المخلوع حسني مبارك، من أجل أن تبقى المؤسسة العسكرية تحكم البلاد، حتى بعد انتخاب رئيس مدني، إلى أن قامت بالانقلاب عليه، والبقية يعرفها ويشهدها الجميع. وفي المقابل، تتكوّن حركة الحرية والتغير من قوى مختلفة، لحمتها في لحظة تاريخية فاصلة حرارة الثورة الشعبية، وكلما انخفضت درجة هذه الحرارة أو ابتعدت عن مركز قوتها، وهي هنا اللحظة الثورية التي خرج فيها الشعب السوداني إلى الشارع كتلة واحدة للمطالبة بإسقاط النظام، إلا وبرزت الخلافات بين مكوناتها واحتدّت الانقسامات داخل صفوفها.
السبب الثالث الذي يدعو إلى مزيد من الحيطة والحذر مرتبط بطول الفترة الانتقالية التي ستستمر 39 شهرا، وهي مدة طويلة قياسا إلى المهام المفترض أن تنجز خلالها، وقد يمكّن طولها العسكر من ربح مزيد من الوقت، لاسترجاع أنفاسهم وإعادة تنظيم صفوفهم واستعادة زمام المبادرة من المدنيين، لإعادة الوضع إلى ما كان عليه.
وفي المقابل، من شأن طول هذه الفترة أن يفتّ في عضد وحدة الحركة، ويضعفها من الداخل، بسبب الاختلافات بين مكوناتها، والتي بدأت بالظهور، وقد يعمل العسكر في المستقبل على مزيد من شق الصفوف داخل الحركة، لإضعافها وإفقادها مصداقيتها داخل الشارع، لفصلها عن الشعب الذي تستمد اليوم شرعيتها من تمثيله أمام المجلس العسكري، وداخل المجلس السيادي.
السبب الرابع مرتبط بالتحدّيات الخارجية التي قد تواجه الثورة، ومصادرها غير خافية، تتمثل في محو الثورات المضادة التي لن يهدأ لها بال، حتى تجهض الثورة السودانية، وتفشل تجربة الانتقال الديمقراطي السوداني.
ولا ينبغي الاطمئنان للترحيب الصادر عن عواصم الدول المعادية لثورات الشعوب العربية، فقد سبق لها أن رحّبت بانتصارات شعوب أخرى في وقتٍ كانت تعمل فيه جاهدة لإخماد ثوراتها وإشعال الحروب المدمرة في بلدانها.
ما تحقق حتى الآن في السودان نصف انتصار للثورة السودانية، وهو انتصار رمزي بكل المقاييس، ولن يصبح نجاح الثورة حقيقة قائمة على أرض الواقع، حتى تتم إزاحة جميع رموز النظام السابق، وتقديم المجرمين منهم إلى العدالة، وإقامة نظام ديمقراطي حر تكون فيه السيادة الحقيقية للشعب، والشرعية الوحيدة هي تلك المستمدة من الشعب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.