شركة بولونية تعلن عزمها الاستثمار في الأقاليم الجنوبية للمغرب    بوكرن يكتب: "قادة البيجيدي أيام زمان: جلسنا معه للحوار"-2    فيديو حول قصر "القيصر" بوتين وثروته وفساده يحقق نسبة مشاهدة قياسية ويحشد الآلاف للتظاهر ضده    طقس اليوم.. سحب كثيفة شمال المغرب وزوابع رملية بالجنوب والحرارة بين 03- و30 درجة    "أوبل" تطلق نسخة كهربائية من Combo Cargo        برشلونة يعبر لثمن نهائي الكأس بسيناريو عجيب    "الݣارة" ضواحي برشيد عاصمة الإجرام وقلعة المنحرفين + صور    فنانة مصرية تروي تفاصيل مثيرة عن وفاتها وعودتها للحياة مرة أخرى (فيديو)    تيفلت تودع بطلة القفز بالمظلات مليكة لحمر في موكب جنائزي مهيب (فيديو)    "سامسونغ" تطلق القرص SSD 870 EVO الجديد    الطريقة الصحيحة لبدء تشغيل السيارة بمساعدة خارجية    تساؤلات حول مقترح حذف لائحة الشباب    داعش يعلن مسؤوليته عن تفجيري بغداد    تشكيك رسمي في رقم رونالدو كأفضل هداف في تاريخ كرة القدم    "بورشه" تطلق الموديل الأساسي من سيارتها Taycan الكهربائية    خنيفرة: حسن بركة يقطع 1600 متر سباحة في المياه الجليدية ويحطم رقمه القياسي    قنطرة المصباحيات بالمحمدية .. الولادة القيصرية    رصاص تحذيري يوقف اعتداء جانحين على أمن البيضاء    سياح بدون كمامة يعاقبون بتمارين الضغط    رئيس النيابة العامة يصدر تعليماته لتخفيف الضغط على الدوائر الأمنية    تأجيل محاكمة ناشط في لجنة الحراك بتماسينت وسط تضامن حقوقي    ثنائية سواريز تنقذ أتلتيكو مدريد من كمين إيبار    اختفاء نص إعلان "ترامب" اعترافه بسيادة المغرب على صحرائه من الموقع الرسمي للبيت الأبيض، يثير الجدل، وهذه حقيقة الإختفاء.    زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان تدعو لحل 3 اتحادات إسلامية    ما وراء مباحثات المغرب ونيجيريا قبل القمة الإفريقية بأديس أبابا؟    وزارة أمزازي تكشف حقيقة صرف مستحقات أطر الأكاديميات    طقس الجمعة..أجواء باردة مع أمطار في مناطق المملكة    رمضان يرد على ‘الفتنة' مع لمجرد: أخويا الكبير والغالي وابن أحب البلاد لقلبي    للسنة الثانية على التوالي.. إلغاء نسخة 2021 من المعرض الدولي للفلاحة بالمغرب    تغييرات هامة تطال الإستراتيجية الوطنية للتلقيح بالمغرب.    الشحنات الأولية من لقاح كوفيد- 19 ستصل إلى المغرب غدا الجمعة    تنصيب جو بايدن: لماذا لن تكون دعوة الرئيس للوحدة سهلة التحقيق؟    العثماني يؤشر على تعيينات جديدة في المناصب العليا    بعد أمرابط.. نادي فيورنتينا الإيطالي يضم المغربي يوسف مالح    إحباط محاولة تصدير غير مشروع ل 200 كيلوغرام من القطع الجيولوجية المحظور تصديرها    التجاري وفابنك أول مساهم في آلية مواكبة ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة والصغرى    هذه تفاصيل التوزيع الجغرافي لحالات كورونا الجديدة في المغرب    ارتفاع حصيلة ضحايا التفجيرين الانتحاريين في بغداد الى 32 قتيلا و110 جرحى    اندلاع حريق في أكبر معهد لإنتاج اللقاحات في الهند والعالم    قبل النطق بالحكم..ما مصير عائشة عياش في "حمزة مون بيبي" ؟    مصرع بطلة مغربية عالمية في القفز المظلي عضو فريق نسوي تابع للقوات المسلحة البطلة    الفيفا يهدد المشاركين في أي بطولة أوروبية خارج إشرافه بالحرمان من كأس العالم    "مرجان هولدينغ" تسرع تحولها الرقمي    زبناء المواقع والمحلات التجارية أدوا 6 مليار درهم بالبطاقة البنكية    خروج مذل لريال مدريد أمام فريق من الدرجة الثالثة    بعد انسحاب بن صديق .. بطل مغربي آخر في مواجهة ريكو فيرهوفن    مديرية الدراسات والتوقعات المالية تكشف تراجع إنتاج الطاقة الكهربائية    فصل من رواية"رحلات بنكهة إنسانية" للكاتبة حورية فيهري_10    الشعر يَحظر في مراسيم تنصيب بايدن.. شاعرة شابة سوداء تٌرشد الأمريكيين إلى النور فوق التل    الكتاب توصيف للصراعات داخل الثقافة الواحدة.. «العالم».. مرافعة باليبار حول المواطنة الكونية    التشكيلي المغربي عبدالإله الشاهدي يتوج بجائزة محترفي الفن    فتح قبر العندليب بعد ثلاثة عقود يكشف عن مفاجأة غير متوقعة    النظام الجزائري "الصّادق"    جانب من القيم الإنسانية المفقودة    فلسعة    سيكولوجية المدح في الاستقطاب الاجتماعي والسياسي    إسبانيا.. اكتشاف أثري أندلسي قرب مالقة يعد بمعلومات عن ثورة عمر بن حفصون    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هل حقاً نجحت الثورة السودانية؟
نشر في اليوم 24 يوم 26 - 08 - 2019

أصبح هذا السؤال يطرح بإلحاح أكثر منذ التوقيع على الاتفاق بين المجلس العسكري وقادة الحركة الاحتجاجية، وهو الاتفاق الذي من شأنه أن يمهد لبدء مرحلة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، يفترض أن تنقل البلاد إلى حكم مدني، يضمن حياة أفضل للسودانيين، ويمنحهم مزيدا من الحريات والأمل في المستقبل.
وقد استبق كثيرون الأحداث، واحتفلوا بنجاح الثورة التي أدت إلى سقوط رأس النظام السابق، ووصف آخرون الاتفاق بأنه «خطوة تاريخية» سينهي حكم العسكر في السودان، ويؤسس لقيام حكم مدني ديمقراطي. بل هناك من ذهب إلى القول إن إرادة الشعب السوداني انتصرت باستعادة الشعب سيادته.
نجاح الثورة السودانية هو أمل كل القوى الحية في البلاد العربية، لأنها ستشكل دعما للتجارب الثورية القائمة، وخصوصا في تونس، وتعطي زخما أكبر للحراك الشعبي في الجزائر، وتبعث الأمل لدى قوى التغيير في أكثر من بلد عربي يعاني من قمع نظامه وتسلطه، ويبعث رسالة قوية إلى محور الثورات المضادة في الإمارات والسعودية ومصر إيذانا بفشل ثوراتهم.
ولكن يجب ألا تحملنا العاطفة فوق الواقع أكثر مما ينبغي، فالثورة السودانية ما زالت في مرحلة مخاض عصيب، يصعب من الآن الحكم على نجاحها، فهي بالكاد دخلت مرحلة تجسيد أهدافها، وهذا مشوار طويل، لا يقدّر بالحساب الزمني، وإنما بمدى استمرار وجود الإرادة الصلبة في بلوغ مراميه.
وحتى يكتب للثورة السودانية النجاح، وهي التي ألهمت الجميع دروسا كثيرة في الإبداع والتنظيم والقدرة على الصمود والتحدي، لا ينبغي فقط التهليل بنجاحها الرمزي، وإنما التنبيه إلى المخاطر المحدقة بها، وتلك التي ستتربص بها لاحقا لإفشالها، كما حصل مع ثورات شعبية سابقة أجهضت في مهدها، أو تم وأدها، قبل أن يشتد عودها.
ثمة عدة أسباب تدفع إلى عدم التسرّع في الحكم على نجاح الثورة السودانية، أولها أن ما سقط هو رأس النظام، أما النظام فما زال قائما، ولا أدل على ذلك من أن قادة المجلس العسكري هم جزء من النظام الذي حكم به الرئيس السوداني المعزول البلاد ثلاثة عقود ونيف بقبضة من حديد ونار، فرئيس المجلس العسكري الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، كان عقيدًا للمخابرات العسكرية، وهو مثل رئيسه السابق عمر البشير، متورّط في جرائم ارتكبت ضد سكان إقليم دارفور.
والرقم الثاني داخل المجلس العسكري، محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، هو القائد بلا منازع لقوات الدعم السريع، وهي وحدة مكونة في الأصل من مليشيات الجنجويد التي نشرت الموت والرعب والخراب في إقليم دارفور، ومتهمة بقتل متظاهرين ورمي جثثهم في نهر النيل. 
السبب الثاني الذي يدفع إلى التنبيه من مغبة المبالغة في التعبير عن الفرح في وقت يستدعي كثيرا من الحذر واليقظة، موضوعي، مرتبط بموازين القوى على أرض الواقع ما بين العسكر وقوى الحرية والتغيير، فالعسكر يستند إلى مؤسسة نظامية قائمة، هي التي حكمت البلاد منذ استقلال السودان، وحتى إن اختلفت الآراء بين قادته، فهو يبقى وحدة متماسكة تعرف كيف تتجنّب المخاطر في الأوقات الصعبة، حتى لو أدى ذلك إلى التضحية ببعض رموزها، كما حصل مع رئيسها السابق عمر البشير الذي اعتقله زملاؤه حفاظا على المؤسسة نفسها.
تكرّر السيناريو نفسه في مصر إبّان ثورتها، عندما تم التخلي عن الرئيس المخلوع حسني مبارك، من أجل أن تبقى المؤسسة العسكرية تحكم البلاد، حتى بعد انتخاب رئيس مدني، إلى أن قامت بالانقلاب عليه، والبقية يعرفها ويشهدها الجميع. وفي المقابل، تتكوّن حركة الحرية والتغير من قوى مختلفة، لحمتها في لحظة تاريخية فاصلة حرارة الثورة الشعبية، وكلما انخفضت درجة هذه الحرارة أو ابتعدت عن مركز قوتها، وهي هنا اللحظة الثورية التي خرج فيها الشعب السوداني إلى الشارع كتلة واحدة للمطالبة بإسقاط النظام، إلا وبرزت الخلافات بين مكوناتها واحتدّت الانقسامات داخل صفوفها.
السبب الثالث الذي يدعو إلى مزيد من الحيطة والحذر مرتبط بطول الفترة الانتقالية التي ستستمر 39 شهرا، وهي مدة طويلة قياسا إلى المهام المفترض أن تنجز خلالها، وقد يمكّن طولها العسكر من ربح مزيد من الوقت، لاسترجاع أنفاسهم وإعادة تنظيم صفوفهم واستعادة زمام المبادرة من المدنيين، لإعادة الوضع إلى ما كان عليه.
وفي المقابل، من شأن طول هذه الفترة أن يفتّ في عضد وحدة الحركة، ويضعفها من الداخل، بسبب الاختلافات بين مكوناتها، والتي بدأت بالظهور، وقد يعمل العسكر في المستقبل على مزيد من شق الصفوف داخل الحركة، لإضعافها وإفقادها مصداقيتها داخل الشارع، لفصلها عن الشعب الذي تستمد اليوم شرعيتها من تمثيله أمام المجلس العسكري، وداخل المجلس السيادي.
السبب الرابع مرتبط بالتحدّيات الخارجية التي قد تواجه الثورة، ومصادرها غير خافية، تتمثل في محو الثورات المضادة التي لن يهدأ لها بال، حتى تجهض الثورة السودانية، وتفشل تجربة الانتقال الديمقراطي السوداني.
ولا ينبغي الاطمئنان للترحيب الصادر عن عواصم الدول المعادية لثورات الشعوب العربية، فقد سبق لها أن رحّبت بانتصارات شعوب أخرى في وقتٍ كانت تعمل فيه جاهدة لإخماد ثوراتها وإشعال الحروب المدمرة في بلدانها.
ما تحقق حتى الآن في السودان نصف انتصار للثورة السودانية، وهو انتصار رمزي بكل المقاييس، ولن يصبح نجاح الثورة حقيقة قائمة على أرض الواقع، حتى تتم إزاحة جميع رموز النظام السابق، وتقديم المجرمين منهم إلى العدالة، وإقامة نظام ديمقراطي حر تكون فيه السيادة الحقيقية للشعب، والشرعية الوحيدة هي تلك المستمدة من الشعب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.