في سياق الخلافات الحادة داخل الزاوية البودشيشية بعد وفاة شيخها جمال الدين تسربت رسالة منسوبة إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق تكشف خبايا ما يجري داخل الزاوية.. فيما يلي نصها: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه الأكرمين أخي في الله سيدي منير ابن شيخي سيدي جمال رضي الله عنه السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته لقد طلبتُ منك في المرة الأخيرة التي زرتني فيها في داري، أن تعود لاستكمال الحديث حول ما يواجه الطريقة من تحديات، وقلتَ لي إنك سترى (هل ستعود أو لا)، وحيث إنك قلت: سترى، وحيث إنك لم تعد، فالمفهوم أن نصيحتي إليك، بأن تكون أنت من تتحمل سبيل التصحيح بخفض الجناح للجميع وعدم إظهار أي شيء يفهم منه الناس وقوع الشقاق، نصيحة في غير محلها. لقد قلتُ لك إن » الحل بيدك « ، إذ بدا لي أن بعض الأفكار والتصرفات ستؤدي إلى هدم أركان الطريق، سيما وأنك قلت لي في نفس الجلسة ما يفيد أنه « ينبغي اعتبار الإخوان الآخرين وعدم إبعادهم »، أي اعتبار الطريق مؤسسة عائلية، وهذا فهم غير مقبول في منطق الطريق التي هي أساسا مبنية على صحبة شيخ عارف المسالك، ثم إنني فهمت منك أنه لا ينبغي استبعاد الإخوة الثلاثة غير سيدي معاذ، وكأنهم بجانبك وهو المنافس لك. سيدي الكريم، إن اندثار الطرق الصوفية بالنزاع بين أولاد الشيوخ وتحزب الفقراء حولهم ليس أمرا جديدا، بل هو ظاهرة تكررت في التاريخ، فعلى سبيل المثال نذكر الشقاق الذي وقع بين أولاد مولاي بوعزة وأحفادهم، وهو شقاق دام عدة قرون، وكان الصالحون يتدخلون لإصلاح ذات البين بينهم. سيدي الكريم، إن فهمي للطريق وظني فيها هو على خلاف قطعي مع هذا الفهم العائلي، ولم يكن سيدي حمزة رضوان الله تعالى عنه يقبل حتى أن تشم رائحة هذا التعدد في الطريق، لأنه يفسد جوهرها الذي هو التوجه. سيدي الكريم، إذا كنتَ أنت قد فهمتَ، بطريق من الطرق، أنك الشيخ بعد والدك، أطال عمره، فليكن الأمر كذلك، لكن لا تستعجل، إذ عليك أن تظهر بمسكنة صادقة مثل مسكنة سيدي الحاج العباس، وبما ينبغي من التواضع الحق كتواضع سيدي حمزة، بالرغم من قوة شخصيته، وظهورك بالمسكنة والتواضع هو الذي من شأنه أن يزيد ولاشك تأهيلك في الظاهر إلى تأهيلك في الباطن، إذ لابد للمرشح للمشيخة منهما معا، لاسيما في هذا العصر وقد كثرت الجراءة وتعددت الفهوم في كل شيء وطغت الأنانيات بألوانها. سيدي الكريم، إن عددا من الأحوال والتصرفات من جانبك يفهمها الناس على أنها إرادة الاستعانة بوسائل لا تتناسب مع كمال طريقة والدك وجدك، وهذه الوسائل هي ما يسمى ب »الصلاح » و » قطع الطريق « والسعي في استعمال « الرواحين » من الجن و » المروحنين » من البشر، وما يشبه هذا من أفعال السحر، وكلها تطلعات ليس بينها وبين التدجيل سوى خيط ملتبس. وفي جميع الأحوال، فاللجوء إلى هذه السبل المتفرقة لا غناء فيه، لأن الله تعالى يقول: » وإنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا « ، وأنا شخصيا عشت في مواجهة هذه المحاولات مدة طويلة وإلى يومنا هذا، من جهة عدد من المشتغلين باستعمال الأسماء والجداول لإذاية الناس، وهم موجودون في كل مكان، ولاسيما في الدارالبيضاء وفاس وسوس والجزائر وموريتانيا وبلدان إفريقية أخرى، لكن كل هؤلاء ما أفادتهم تعزيماتهم وتربيعاتهم وتمائمهم وجداولهم في شيء، وإن كنت أشعر في بدني وتدبيري بطلاسمها بين الحين والآخر فتفتر، لأنني لم أظلم أحدا منهم، ولأن الله تعالى برأني من طلب الدنيا، ومن المعلوم أن تلك الرياح الشيطانية لا تتسرب إلا من شقوق غير طاهرة في ذوات طلاب الدنيا، أما غيرهم فإن الله تعالى قال لإبليس: « إن عبادي ليس لك عليهم سلطان « ، ولقد كان سيدي حمزة يقول إن معظم الأدعياء في هذا الباب دجالون، و محدثوهم كذابون، وقد دلني سيدي حمزة نفسه على اثنين من الصادقين المتمكنين الموصولين بالعُلويين من الجن القاهرين للمردة السُّفليين، أحدهما في مراكش والثاني في تارودانت، وقد صح منهما ذلك وقدما خدمة لهذا البلد، ولم يكن منهما من يقرب الشبهات أو يقبل الاستعمال في المنكرات؛ سيدي الكريم، العلاج المستعجل لما أحسبه « بداية مرض الطريق » هو أن تتخلى عن فكرتك في استعجال المشيخة، وأن تبتعد عن جميع من يتملقونك بذلك من طلاب الدنيا، وأن تتخلى عن كل الأنشطة المشوشة على الطريق في سمتها الطبيعي الذي يدور على الذكر، وألا تضغط على سيدنا الشيخ والدك في أي اتجاه من الاتجاهات، فالطريق بحاجة إلى انسحابك التام في الوقت الحاضر، سواء على صعيد المغرب أو على صعيد الخارج، ولا تنس أن في مداغ من ينقلون الأخبار كل يوم عما يجري بين أبناء الشيخ وما يجري بين الشيخ وأبنائه، وقد لا يكون النقل أمينا في كل الحالات، وإذا لم تستجب لما أتصوره علاجا في ظرف شهر، فعليك أن تحتم على سيدنا الشيخ أن يأمر سيدي معاذ بأن يكون هو الذي يتخلى ويبتعد عن مداغ، وأن يكف عن كل نشاط في الطريق، لأن المهم هو ألا يكون تشتت في التوجه، على أن ما يخشى إذا انسحب سيدي معاذ لصالح الطريق هو أن يمرض عدد من الفقراء في نفوسهم ويتسللون تباعا، ولن يبقى فيها إلا طلاب الدنيا ما دامت تظهر لهم الأغراض والحظوظ، وغرض بعضهم من الآن هو إفساد الطريق خدمة لشياطين من الإنس وشياطين من الجن؛ سيدي الكريم، لا يخفى عنك أن بعض الفرنسيين، ومنهم إعلاميون وسيدة بارزة في السياسة منخرطة في الشأن العام، يهددون بنشر أمور غير لائقة ستضر كثيرا بالطريق، وقد سعى بعض الغيورين إلى غاية الآن في ألا يقع ذلك النشر، ويروج الناس أنه ما يزال في فرنسا من يتصرف باسمك ويزيد الطين بلة، وكنت أسمع من سيدي حمزة أنه مستاء من تلك العلائق، لأنك جزء من ذاته البشرية؛ سيدي الكريم، إن الشركاء في الطريق هم كل فقرائها، وهناك شريك في غاية الأهمية وهو إمام البلد، صاحب الجلالة حفظه الله، الذي لن يقبل أن تضعف الطريق أو تندثر، وهو إذا دعت الحاجة سيسأل وسيعرف كل الأخبار، وقد بدأت الإشاعات تنتشر، وهو أمر ضار لأن الطريق كالبيضة سريعة العطب، وتوصف هشاشة الدين عادة ب « بيضة الدين « . سيدي الكريم، إن الفقراء اليوم يعدون بالآلاف، وربما كانت سمعة الطريق في الداخل والخارج أعظم من عمل المنتسبين إليها، وهذا رأسمال معنوي وروحي عظيم يتمثل في حياة من قضوا أعمارهم في الأخذ عن جدك سيدي الحاج العباس وجدك سيدي حمزة ووالدك سيدي جمال، أنفس وأنفاس ونيات صادقة واعتقاد راسخ وخدمة محتسبة لوجه الله، وكل هذا الرأسمال لا يمكن الاستهانة به ولا تفويته أو تسفيهه، ولا يمكن إيقاعه في حبال الشك والحيرة، فلقد سألني أستاذ من الفقراء في جامعة أجنبية استبدت به الحيرة لما يسمع ويرى، قال لي: لم أعد أفهم، فقلت له: خذ الأمر على سبيل الابتلاء من الله وانتظر الفرج، فقال: هذا يمكن لي أن أفهمه. سيدي الكريم، أُرسلُ إليك هذه الرسالة لتبرئة ذمتي، لأنني وإن كنت مجرد فقير مذنب مستغفر، جزء من هذه الطريق منذ ما يقرب من نصف قرن، وأعتبر اللقاء بها والفهم منها أعظم منة علي من الله تعالى في حياتي، وقد كان سيدي حمزة رضي الله تعالى عنه يقول عني أمام الناس: » لو أن فلانا ادعى لصدّقتُه « ، وما ذاك إلا من كريم نظرته وحسن ظنه، وإلا فهو يعرف أنني بريء من أي ادعاء، وحيث إنه كان رضي الله عنه يعلم صدق نيتي ويطلب فكرتي فقد كنت أقول له: » إن أعظم شيء سيُكتب لك هو نقل التصوف من أغشيته العتيقة إلى ما يوافق العصر دون التفريط في الجوهر الذي هو التزكية بالتوحيد »، وكنت أقصد نقله إلى التربية على سلوك كوني يلتقي مع الأخلاق النافعة بالتخلص من الأنانية وإيقاظ النفس اللوامة، وهو معنى يسهل فهمه وتمس الحاجة إليه ولا تقوم به لا المدارس ولا الجامعات ولا غيرها من المؤسسات. سيدي الكريم، إنني أعرف حسن طويتك وبراءتك وسلامة مقصدك، ولكن هذا لا يمنع من وقوع فساد بتصرفات وظنون لا تحسبها أنت تؤدي إلى الفساد، فكثير من أمور الدنيا لا تتخيل وقعها على الغير وإضرارها بك وبالطريق، ومن أبسط هذه الأمور على سبيل المثال الخلط الذي وقع في المولد بين اجتماع الفقراء وبين المهرجان الذي تنظمه أنت للكلام عن التصوف كل عام، فالفقراء لا يأتون لهذا المهرجان وإنما لإحياء المولد في الزاوية، أضف إلى ذلك ما وقع في الليلة من قيام بعض المشارقة بخلع البردة عليك، ثم ما جرى من الكلام في المجلس مما لا يجوز التهاون فيه لاسيما بحضور متتبعين ليسوا كلهم من المنصفين، وهكذا فهنالك فرق بين ما ننويه من تصرفاتنا وبين ما يفهمه الناس عنا؛ سيدي الكريم، من حقك أن تقول : ومن يكون هذا الذي يكتب إلي بهذه الجسارة؟ ومن حقك إن تقول إن ما أتخوف منه من تدهور حال الطريق لا يعدو أن يكون وهما من الأوهام، أو هو إن صح منه شيء لا علاقة له بك، وإنما هو بفعل فاعل غيرك، وأنا أكرر لك أن الله وحده يعلم دافعي لكتابة هذه الرسالة، وأنني سأسعد كثيرا إذا مرت شهور أو سنون والطريق لا يمسها سوء. سيدي الكريم، إنني كتبت في نفس الوقت إلى سيدنا الشيخ الوالد واقترحت عليه أن يسأل الفقراء، فإذا قالوا إن أمر الطريق لا غبار عليه، فليعتبر رسالتي إليه مجرد تخوف مشروع، وليبشرني بذلك حتى أتخلص من هذا الهم الممض الذي أحمله، وإذا قال الفقراء إن هنالك ما يدعو إلى التصحيح والتوضيح فقد اقترحت عليه أن يبادر بتعيين « مجلس » من الفقراء يعينه على التدبير التنظيمي والمادي للطريق، ومن شأن هذا التدبير الحفاظ على الطريق بأصولها وسمتها، وحماية الشيخ وحماية الطريق من أنواع المتمشيخين، فإذا لم تكن هذه الحماية، فإن سيدنا الشيخ والدكم سيخضع لضغوط لا يطيقها من فرط أدبه وحيائه، وهذا الحياء وهذا الأدب هو الذي جعله يضيف اسمك في الوصية الأولى التي كتبتُها بأمر سيدي حمزة رضي الله عنه، وهذه الإضافة بدعة غير مسبوقة في تاريخ الطرق الصوفية، » الإذن لوارث ثم لوارث الوارث « ، وكلامي هذا لا يدخل في ما لا ينبغي لي الدخول فيه من أمور الغيب المتعلقة باستحقاقك أو عدمه، وإنما يدخل في الأصول التي تحفظ لهذا الأمر مصداقيته الضرورية في الظاهر، ها أنت ترى أن بعض البوتشيشيات يسعين إلى دفع أبنائهن ليتمشيخوا، وها أنت ترى أن بعض أبناء البوتشيشيين من أحفاد سيدي حمزة يطالبون بحقهم في بنايات الزوايا، وهي وقف عام يمكن أن يرفع فيه أي مواطن دعوى قضائية حتى ولو لم تتدخل الدولة، وها أنت ترى أن بعض البوتشيشيين يفكرون في تأسيس جمعيات عائلية كما لو أن لهم نصيبهم في البركة التي يتوهم هؤلاء أنها تدر الأرباح على مشيخة الزاوية، ومن أسباب هذه التطلعات الدنيوية لطف جدك ولطف والدك ولطفك أنت الذي تتألف الأقارب بالصدقات التي لا يفهمونها إلا على أنها ترضيات، بل لا يفهمونها إلا على أنها حق ينبغي أن يكون لهم به عائد مستحق، أمام كل هذه التحديات لا يمكن أن يحمي الشيخ والطريق إلا الفقراء، وقصدي أن يأمر الشيخ الفقراء بحمايته وحماية طريقه حسب ما يرونه واجبا لازما، وفي هذا السياق تتصرف أنت ببراءة والعواقب بادية في الأفق القريب؛ سيدي الكريم، لا أريد أن تقرأ هذه الرسالة على أحد من إخوتك أو من الفقراء أو من مطلق الناس، لأنهم سيشيعون الكلام عنها وليس هو المقصود منها، وإذا قدر الله أنك أيضا لم تفهمها على مقتضى القصد منها، وأنه صالحك من ضمن صالح الطريق، وإذا وقع منك غضب علي أنا بسبب الرسالة واجتهادي المعلن فيها، فلا تمد إلي لا « الكفوف » ولا « السيوف »، لأن ذلك ليس هو الحل المطلوب، ولو كانت التضحية بنفسي تأتي بالحل المطلوب لكنت مستعدا لهذه التضحية، وعلى كل حال، ومهما قدر الله أن يقع، فبإمكانك أن تعيد قراءة هذه الرسالة بعد مدة خمس سنوات أو أقل أو أكثر، وقد أكون انتقلت إلى عفو الله، وسترى أنها رسالة صادقة المرمى وصادرة عن نية الإصلاح، والمهم في الإصلاح أن يتم قبل فوات الأوان؛ سيدي الكريم، سبق أن كتبت إليك رسالة في الشهر الأول بعد وفاة سيدي حمزة، وفيها تحذير من أمور تقع الآن، وهذه الرسالة الجديدة ستكون مني آخر رسالة إليك إن شاء الله في موضوع الطريق، ولن أتحدث بعد اليوم في شئون الطريق لا معك ولا مع أي كان، ومهما يكن فسأظل ما حييت منتسبا إلى الطريق، بطريقتي، وأقصد بطريقتي البقاء على عهد الشيخ ومحبته وخدمته والكف عن الكلام في شئون الطريق مع أي كان، سواء مع أقارب الشيخ أو مع غيرهم من الفقراء، والأمر بالنسبة لي في غاية الجد، فبمجرد إعفائي من الوزارة سأذهب إلى مسقط رأسي بالجبل المجاور لمراكش، سيما وأن صحتي لم تعد تطيق طقس الرباط، والله يعلم ونحن لا نعلم، والله يفعل ما يشاء، والله لطيف لما يشاء. والسلام عليكم. الرباط في فاتح ربيع الثاني 1444 الموافق ل 28 أكتوبر 2022. أحمد التوفيق