أحمد جزولي : مدير نشر أسبوعية الرهان كرست سلوكات سياسية مؤخرا استمرار اعتبار الدستور مجرد حبر على ورق على المستوى الرسمي وعلى مستوى عدد من الفاعلين السياسيين. والسبب يتجاوز الأشخاص بصفتهم أفرادا، ويصل إلى طريقة وضع الدستور، وقوة الإشراك في صنعه، وقوة تملكه من طرف الذين صوتوا لصالحه. ورد في قول مأثور ما يلي: "إذا كنت تريد أن تفعل شيئا من أجلي، وتقوم به بدوني، فإنك تفعله ضدي". وهذا ما يعتبره كبار خبراء العالم في التنمية والديمقراطية والحكامة جوهريا في أسلوب وغايات الإشراك، وهو العمق القوي لمنهجية الحكامة الجيدة. إذن تم تفصيل دستور، فيه بعض الجمال، للمغاربة، لكن بدونهم بالمعنى الحقيقي للكلمة. إذن، وفق نفس منطق المقولة، تم وضعه ضدهم. القضية الأولى التي طغت على السطح هي قضية المرأة. لماذا تجرأ، كل الطباخين الذين أعدوا الحكومة، إلى تجاهل مبدأ المناصفة؟ والأخطر أنه لم يثر حول الموضوع أي نقاش قبل تعيين الحكومة. وهذا ما يؤكد ضعف الوعي الجماعي بمضامين الدستور ككل، بما في ذلك بمبدأ المناصفة. لقد سبق أن حذرنا من سياسة الحقوق المنقوصة في الدستور، وعدم الجزم على مستوى الوثيقة الدستورية في تأكيد الحقوق، مثل حرية التعبير مثلا، وأيضا موضوع المناصفة التي وردت بشأنه كلمة أقرب إلى لغة التمني من لغة القانون، حيث جاء في الفصل 19 من الوثيقة الدستورية (الفقرة الثانية) " تسعى الدولة إلى تحقيق مبدإ المناصفة بين الرجال والنساء." وكان أولى استعمال عبارة "تضمن الدولة مبدأ ..." تماشيا مع جوهر دور الدولة كضامن للحقوق والحريات. إن الحسم في الحقوق أساسي، لكن تم اعتماد هشاشة لغوية تعكش هشاتين حقوقية وسياسية، والنتيجة ما نراه اليوم من مسخرة. منطق الممارسة السياسية التي جرت يقول إن مبدأ المناصفة المنصوص عليه في الدستور لا يلزم أحدا، وعلينا انتظار إحداث هيأة المناصفة، وعبارة "تسعى الدولة" ستحترم لأن الدولة تسعى، كيف؟ الله أعلم! أما منطق الواقع السياسي فيقول إن التخلف عما كان قبل 25 نونبر تخلف بالفعل، ويجب أن يصحح الوضع ولو بتعديل حكومي جزئي. والكرة اليوم في مرمى مجلس النواب الذي سيصادق على التشكيلة الحكومية من خلال المصادقة على برنامجها. القضية الثانية التي أثير حولها النقاش أيضا هي: هل الحكومة تكون حكومة (أم لا) قبل مصادقة مجلس النواب على برنامجها؟ هذه المسألة تحيل على الفصل 47 من الدستور الذي لا يتضمن أية إشارة إلى السلطة التشريعية، وبالتالي فسلطة الملك مطلقة في تعيين رئيس الحكومة وتعيين الوزراء. أما الفصل 88، فقد تطرق للمصادقة على البرنامج الحكومي من قبل السلطة التشريعية مع إقرار واضع بالتعيين الواقع سلفا، وورد في مقدمة الفصل ما يلي: "بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة، يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه." (لم يتم استعمال عبارة رئيس الحكومة المكلف، لأنه عين حسب الفصل 47). الفقرة من نفس الفصل (88) التي تركت الباب مفتوحا وهي غير منسجمة لا مع الفصل 47 ولا مع الفقرة الأولى من الفصل 88 (أو هما غير منسجمين معها)، هذه الفقرة تقول: " تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح برنامج الحكومة." إذن هنا تختلط كل الأوراق. هل كان على الوزراء إجراء تسليم وتسلم السلط رغم أنهم غير منصبين؟ الدستور واضح في التنصيب، والتنصيب يبدأ من لحظة الجلوس في كرسي الوزير السابق، وهذا تم قبل مصادقة السلطة التشريعية. لكن، ألم يكن حريا بالفصل 47 أن يوضح الأمور ويشترط إتمام مسطرة التعيين بمصادقة السلطة التشريعية على البرنامج الحكومي. وسبق لنا أن كتبنا خلال مناقشات الدستور أن استقبال الملك للوزراء للسلام عليه، يجب أن يكون بعد مصادقة السلطة التشريعية، لأنه في منطق الشعب المغربي تعيين الملك للوزراء هو استقبالهم في قاعة العرش، وغدا إذا حدث ما حدث، وسقط البرنامج الحكومي واستقالت الحكومة، لن يفهم أحد شيئا، وبالتالي هل الوزراء الجالسين في مقاعد أسلافهم هم من سيسلمون المهام (رغم أنهم غير منصبين أي ليسوا أصحاب صفة) أم سينادون على أسلافهم لإعادة التسليم؟ والقضية الثالثة هي أن مجلس النواب يجتمع خارج الدورتين بدون مرسوم، وهذا أيضا مخالف لنص الدستور الذي نص على الإجتماع في دورتين لا غير أو الإجتماع في دورة استثنائية بمرسوم. وكنا قد اعتبرنا هذا غير لائق، لأنه من المفروض أن يترك الدستور للبرلمان حرية عقد جلساته متى ما أراد. إن دولة الحق والقانون تقوم على الإنضباط الصارم للنص، حتى وإن لم نتفق معه. لكن، اليوم، الممارسة السياسية تقزم الثقافة القانونية ككل وضمنها الثقافة الدستورية وتضعها في درجة الصفر، إن لم أقُل أقَل !