يحرص الموظف باستماتة على عدم المساس بحقوقه المشروعة خلال مسيرته العملية ، لكن الرياح تجري بما لا يدع مجالا لاستقرار سفينته على نجاة . ويعتبر الحق المادي بالخصوص عصب هذا الإستقرار ، لأنه رهين بضخ دماء الإستمرارية في العيش الكريم والأداء المتزن الرصين . لكن صراع الموظف مع إدارته يبقى قائما ومحتدما تهب عليه رياح السموم (بفتح السين) تحرق هذا الكائن الشهري، وتقذف به في متاهات الرجاء وردهات الحياة المضنية ، بفعل تراكم الديون وتدافعها بشكل مريب تجعله قاب قوسين أو أدنى من العوز والفاقة .غير أن ما يحز في النفس ويزيد من حنق الموظف، حين يلاحظ حقه تذروه رياح المماطلة،وبرودة التعامل المسؤول مع هذا الحق ، فتتعاقب عليه السنوات والحقب ، فيطوى كطي السجل للكتاب ، دون أمل ولا رجاء ،ولا خلاص ووفاء .حين ذاك تتشنج النفوس بأطياف من الأسقام والعلل والآهات والوجل على حق ضل وضاع فما له من ناصر إلا ما ارتضاه الحق سبحانه وشاءت ألطافه أن يحق الحق ولو كره المحبطون . إن الذود عن الحق صعب وطويل سلمه، وإن تحقيق هذا المكسب يقتضي صولات وجولات مريرة من الجهود المضنية والعصيبة، والإنتظارات الماراطونية التي تقطع الأنفاس ، و”تركب” السكري ،وتنفلت لها الأعصاب والحموضة المعدية، وما إلى ذلك من الأدواء والعلل التي ينوء لها جسم هذا الموظف أو ذاك . فكيف لا تحصل هذه التشنجات المرضية ،والموظف يقضي ثلث عمره في العمل دون أن يحصل على ترقيته التي يحسن بها وضعه المالي المترهل والمتعثر؟ فلا يعقل أن يبقى هذا الكائن حبيس راتبه الذي تنهال عليه الديون من كل مؤسسة مالية اقتراضية تقضم منه نسبا وأقساطا متفاوتة ، فترديه هزيلا لا يقوى على مجابهة أهوال المعيشة ومتطلبات الحياة المستفزة. وإن تجميد الترقيات لأعوام وسنوات يساهم في هذا التردي الذي آل إليه الموظف،ويزيد من معاناته المادية والنفسية . إن مسار التقشف وأسلوب التقتير اللذان تنهجهما الإدارة على حساب الموظف ،أمر في غاية الإستغراب والتجاهل. ألم تصنف القوانين ذات الصلة مستحقات الموظفين ضمن النفقات الإجبارية التي لا تنجبر إلا بالأداء الفوري دون مماطلة أو تقاعس؟ ولو فرضنا جدلا أن أسلوب التقشف هذا يمس كافة أوجه ومسارات الإنفاق ، لكان العذر مقبولا ولو على مضض ، لكن والحالة هذه ،نرى الأمور تدبر عكس ما نلحظه.وكأننا خلقنا لنردف بأوزار غيرنا ضمن سياسات عرجاء في التدبير والتسيير . إن صون كرامة الموظف لا تكون إلا بحماية حقوقه المادية ، وإذابة هذا الجليد المجمد للترقيات لسنوات عجاف . ولا يستقيم الحال إلا بوصال ، ولا نقول “عفا الله عما سلف” وإنما هي حقوق وجب استردادها ، وودائع توجب الخلاص منها . “هرمنا”وقد طال انتظار ** وتجرعنا كأسا طعمها مرار عجزنا عن البلوغ إلى حقوق ** ضمها النسيان والإقبار نصارع الغبن الذي عجزت ** عن دفعه أنفس وأعمار بقينا لثمان يساورنا وجل ** فقد طال عمر وشق المسار لنيل حقوق هي مطامحنا ** وطالب الحق يعينه القهار وأصبر على ضيم ينتابني ** من علل تجاريها أكدار وأغفر ما لم أمس في حق ** فالمسامح كريم أبي غفار كم يستفزني جور من ظالم ** مالت إليه الأمور والأقدار لن أستكين لعجز يتملكني ** وقد علمت أن الجائر غدار ولن ألين الجانب لغاصب ** والله هو المنتقم الجبار ما لي أرى الورى قد جبلوا ** على المكر السافر وهو عار أفنيت عمرا يصحبني جلد ** ولن أعدم حقا ولو طال المسار ولن أبالي للعدا مراميهم ** وقد خاب سعيهم وهم صغار فاللهم يا من سميت نفسك الحق باعد ما بيننا وبين الباطل،كن لنا وليا ونصيرا وسندا وظهيرا. ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، اللهم اغننا بالحلال، وسلحنا بالصبر والجلد، واحفظ حقوقنا،وارفع هاماتنا،لا نستجدي سواك أنت ولي ذلك والقادر عليه .