نشاط تربوي وترفيهي مميز لفائدة أطفال دوار الرضا بإقليم تارودانت    قراءة في الأبعاد القانونية والتدبيرية لمساهمة الجماعات في إصلاح المنظومة الصحية بنسبة 2٪ من صحتها من TVA خارج النص.    المغرب يحل في المرتبة 107 عالميا في مؤشر الديمقراطية الليبرالية    لقجع يتقدم بتهنئة إلى أولمبيك آسفي    كأس الرابطة الإنجليزية لكرة القدم.. مانشستر سيتي يحرز لقبه التاسع بفوزه على أرسنال بثنائية نظيفة    تراجع مفرغات الصيد بميناء الحسيمة بنسبة 32%    الاتحاد العماني يعلن عن تعيين طارق السكتيوي مدربا للمنتخب الوطني    33 مليون درهم لإحداث وتهيئة منطقتين للأنشطة الاقتصادية بكل شفشاون وتارجيست    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    القوات الإيرانية تهدد بإغلاق مضيق هرمز بالكامل وإسرائيل تستهدف جسرا رئيسيا بجنوب لبنان    الصين.. رئيس الوزراء يؤكد مواصلة الانفتاح الاقتصادي والعمل على تحقيق توازن تجاري عالمي    المنتخب الوطني لكرة القدم لأقل من 20 سنة يخوض تجمعا إعداديا مغلقا من 23 إلى 31 مارس    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين    تطوان.. إعداد وكر للدعارة في أول أيام العيد يطيح برجلين وامرأتين    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    تقرير إسباني جديد يُبرز تأثير ميناءي طنجة والناظور على سبتة ومليلية    الانتخابات البلدية في فرنسا.. نسبة التصويت في الدور الثاني تتجاوز 48%        هولندا.. عملية أمنية واسعة تنتهي بحجز 3.2 طن من الكوكايين    دراسة علمية ترصد علاقة الذكاء الاصطناعي بالبنية الصوتية للريفية        الدوري الإنجليزي.. شمس الدين طالبي يساهم في فوز سندرلاند على نيوكاسل (2-1)    جدل الساعة الإضافية يتصاعد بالمغرب.. عريضة رفض تتجاوز 143 ألف توقيع    تعيين رشيد الركادي مدربًا لعمل بلقصيري... رهان جديد لإعادة الفريق إلى السكة الصحيحة    سيدي قاسم تحتفي بالمرأة عبر الثقافة والسينما بدار الطالبة صحراوة    فريق الوداد الرياضي لكرة اليد يقيم حصيلة الموسم    نتنياهو يهدد باستهداف القادة الإيرانيين    مجلس التعاون يؤكد حقه في اتخاذ التدابير اللازمة للرد على اعتداءات إيران    اختتام فعاليات دوري "الماني" لكرة القدم المصغرة بمدينة الحسيمة    قطر.. وفاة 6 أشخاص إثر سقوط مروحية في المياه الإقليمية للبلاد واستمرار البحث عن مفقود    إسرائيل.. مقتل شخص وإصابة آخر في قصف صاروخي لحزب الله    البحث عن الحب في المغرب    حين يغيب الموقف الواحد في زمن الانفعالات    الحكومة تعتمد منصة رقمية لإيداع الترشيحات وتحديث إجراءات الانتخابات التشريعية    ناشيد يشخص أعطاب اليسار المغربي بين اللايقين النظري والتشتت التنظيمي    المالية العمومية بالمغرب    أكبر تراجع أسبوعي للذهب منذ 2011    من جمهورية العصابات إلى دولة السجون .. القبضة الحديدية في السلفادور    "اشكون كان يقول" .. مساحات رمادية مشوقة وتمطيط يلتهم روح الحكاية    سردية ثنائية الرواية والتاريخ    عناق السياسة مع الأخلاق    الحرب على إيران تضع آلية صناعة القرار الرئاسي في إدارة ترامب تحت المجهر    "كلمات" عمل جديد لمنال يمزج بين الحس العاطفي والإنتاج العصري    انخفاض مفرغات الصيد البحري بميناء الصويرة    إضراب جهوي للمساعدين التربويين بسوس ماسة احتجاجا على تعثر صرف المستحقات المالية ورفض التسوية.    نقابة تدعو الحكومة لاتخاذ إجراءات عاجلة لضبط أسعار المحروقات    فتح باب الترشيح للاستفادة من دعم المشاريع الثقافية والفنية في مجال المسرح برسم الدورة الأولى لسنة 2026    تداعيات الحرب على إيران تنبئ باتخاذ إجراءات تقييدية لحماية اقتصاد المغرب    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    السُّكَّرِيّ: العِبْءُ النَّفْسِيُّ لِمَرَضٍ لا يَمْنَحُ مَرِيضَهُ أَيَّ اسْتِرَاحَةٍ    كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك خلال الصيام؟    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح    لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



غَوَائِلُ الجُمُوْدِ في الفِكْرِ الدِّيْني المُعَاصرِ
نشر في الصحيفة يوم 17 - 11 - 2022


د. بليغ حمدي اسماعيل
الأثنين 25 غشت 2025 - 22:17
غَوَائِلُ الجُمُوْدِ في الفِكْرِ الدِّيْني المُعَاصرِ
إن الإنسان لم يواجه محنة في تاريخه أشد مما يواجهها اليوم، ولا يظن البعض أننا نرمي إلى خطر أسلحة الدمار الشامل وملحقاتها، ولكننا نقصد ما هو أفدح من أسلحة الدمار والفتك التي باتت تهدده ألا وهي محنة العقيدة، محنة الروح من خطر الفلسفات المادية التي أصبحت تسود وتزحف وتحتل كل يوم موقعاً جديداً . لقد تجاهلت الفلسفة المادية كل القوى المعنوية، والقيم الإنسانية، وحصرت المشكلة كلها في لقمة العيش أو الجنس، ونسيت أو تناست أن عمل المعدة وشهوة الجنس تتساوى فيه مع الحيوان تمام المساواة، وأنهما ليسا أشد عراقة من المشكلات الإنسانية العليا ونفاذا إلى الصميم.
ومما يضاعف خطرها أنها لا تقف وحدها في الميدان ولكن تساندها قوتان لا نقلل من أهميتهما هما: الإيمان المغرور بالعلم، والاستغلال بنوعيه؛المادي والمعنوي، والخطة الحصرية لمواجهة هذا التيار الجمعي الجارف شئ واحد هو المسئولية الفردية، هذه هي بداية الطريق في معركتنا الإنسانية القادمة، فليس الوعي الإنساني فرض كفاية، وإنما على كل فرد أن يحمل عبئه من الواجبات الإنسانية قدر جهده.
وما أحوجنا في ظل هذه الظروف المادية التي تكبل إنسانية الإنسان أن نقدم ملامح منهج ذي أسس إسلامية راسخة لمجتمع أفضل وما أحوجنا هذه الأيام لمنهج كهذه في ظل ظروف سياسية محمومة يسعى البعض بيننا لتقويض الوطن ومحاربة مؤسساته ومعارضة الرئيس بغير حجة أو دليل تحت دعاوى الديموقراطية والتعددية السياسية في الوقت ذاته الذي نرى فيه بعض رجال الدين يهرعون باتجاه السياسة متغافلين جل شأوهم وشأنهم الجليل وهو تبصير المسلمين بمعالم دينهم وشريعتهم السمحة.
ولعل أبرز مشكلات العصر الراهن مشكلة الجيل الحائر الذي فقد المثل الأعلى والهدف الصالح والغذاء الروحي والقدوة الحسنة والفكرة السليمة التي يمكن أن يجتمع عندها الشمل وتأتلف الكلمة وهو ما نفتقده بوضوح هذه الأيام بعدما تفرقت الكلمة بين تيارات إسلامية وجبهة إنقاذ وتيار شعبي وحركات ثورية تأتي من كل فج عميق وتهوي بنا إلى مستقر سحيق. و طالما يتعرض هذا الجيل إلى هزات عنيفة من اليأس والأمل والمفارقات الطريفة من الإقدام والتردد والصراع الأليم بين الواقع المر والحلم الذي نعيش فيه، ومن ثم فالواجب على رجال الدين أن يستنهضوا عزائم الشباب لتشخيص دائهم وتقديم العلاج الصحيح لهم، و ضياع الجيل الحالي مفاده أن المعنيين بعلاج الشباب روحياً يخطئون في تشخيص الداء ثم يضعون حلولاً غير عملية لمشكلات وهمية لم تقم على أسس من الدراسة الواعية والفحص الصادق العميق، وتكون النتيجة في تلك الحالة أن تذهب جهودهم سدى ويستسلمون لليأس بعد أن يبلوا البلاء الصادق في كدهم وجهدهم، وينفقون الأعوام الطوال في الجهاد والكفاح.
يمثل الشيخ الإمام محمد عبده نموذجاً خالصاً للشيخ المستنير والمحيط بتفاصيل فقهه، والمستنير في تحليله وتأويله لقضايا مجتمعه. وهذا ما يعكسه فهمه لصول الإسلام الحنيف من خلال استقراء الإشارات والتنبيهات حول هذه الأصول . وهذا الفهم يشكر خارطة إصلاح استشرافية للخطاب الديني الذي بات مضطرباً ومضطرماً بعض الشئ بفضل اللغط الراهن في هذا الخطاب ورؤيته وتعدد رسالاته .
وليس من العجب والدهشة ما نطالعه في كتابات الإمام عن رؤى تربوية إصلاحية رائدة، فالشيخ الإمام مثلاً يرى أن أهمية تدريس الكتب الأدبية تكمن في تنوير الأفكار وتهذيب الأخلاق، وهذه الفكرة أقصد التنوير ظلت محور اهتمام الإمام، فكم من مرة أشار إلى ضرورة الإلمام بالكتب الأدبية التي توضح أحوال الأمم، والتي تحث على الفضائل وتنفر من الرذائل وارتكابها .
بل يدهشنا الإمام إلى أكثر من ذلك، ويكاد يسبق كل الصيحات والأصوات العالية المعاصرة التي تنادي بضرورة تطوير وإصلاح التعليم في مصر، ولا أشك لحظة أن القائمين على عمليات التطوير الشكلية مهتمون بما كتبه وسطره الشيخ الإمام في ذلك الصدد. ولقد أشار أشار الشيخ الإمام رغم بُعد المسافة الزمنية إلى أن مشكلاتنا الحضارية تكمن في هذا القصور في التعليم الديني؛ إما بإهماله جملة كما هو في بعض البلاد، وإما بالسلوك إليه من غير طريقه القويمة كما في بعض آخر .
والإمام محمد عبده في صراعه الشريف لمواجهة القصور في الخطاب الديني بوجه عام والتعليم الديني بوجه خاص، يحدد عدة أصول رئيسة للإسلام والتي من شأنها كفيلة بمعالجة هذا القصور والخلل سواء في الخطاب أو التعليم أو كلاهما معاً . فعلى سبيل المثال يرى الإمام محمد عبده أن النظر العقلي هو أول أساس وضع عليه الإسلام، حيث إن النظر السليم عنده وسيلة الإيمان الصحيح، ولا ريب في ذلك حيث إن الله سبحانه وتعالى يدعو إلى النظر في ما حولنا من موجودات وظواهر وأحداث كونية متعددة ومختلفة على أن يكون هذا النظر مصحوباً بالتأمل العقلي والتفكر، فهي دعوة إلى النظر الحسي والعقلي في نفس الوقت، يقول الله تعالى في سورة الأنعام: (قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ) (الأنعام 50)، ولا ريب أن قوة الملاحظة والوقوف على ما يحدث حول الإنسان،وفهمه وتأمله ودراسته واستخلاص النتائج منه يؤدي إلى اليقظة العقلية وهي من أهم سمات التفكير العلمي السليم. وللإسلام الحنيف دور بارز في تنمية القدرات العقلية للإنسان مثل القدرة على الاستنتاج، والتأمل، والتفسير، وإدراك العلاقات.
ويكمل الشيخ الإمام محمد عبده الحديث عن أصول الإسلام، بقوله إن تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض لهو من أبرز أصوله، حيث يقول: " اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلا ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول، مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه، والطريق الثانية: تأويل النقل، مع المحافظة على قوانين اللغة، حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل .
والمستقرئ لتعاليم الإسلام وآيات القرآن الكريم يدرك على الفور أن الدين الإسلامي أعطى مساحة كبيرة للعقل وبيان أهميته ودوره في إدراك الحقائق والظواهر الكونية، والقرآن الكريم يحث الإنسان على استعمال العقل إلى أقصى حد مستطاع، ويشيد بمن يستعمله، ويعمل فكره في النظر والتدبر، واستخلاص البراهين والنتائج من المعلومات التي تتوافر لديه من الأمور الدينية والدنيوية. يقول الله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ) (ص: 29)، ويقول تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) (العنكبوت: 43) .
ومن الأصول التي اعتبرها الإمام محمد عبدة رئيسة وأساسية في الإسلام بل وأعده حكماً رئيساً من أحكامه وهو البعد عن التكفير، ويقول في ذلك " إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر " . و هناك قاعدة تقتضي بأن التكفير حكم شرعي من أحكام الدين له أسبابه، وضوابطه، وشروطه، وموانعه، وآثاره. وهذه القاعدة لا ترتبط بدين معين، أو مله بعينها، والتكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره اتلله الله المطلع على ما في الصدور، والشهيد على أعمال عباده من البشر، وثبوت الكفر على المرء أمر لا يثبت إلا بدليل شرعي متفق عليه، سواء من النص، أو بإجماع العلماء والفقهاء كافة، وليس القلة منهم.
وما أخطر التحديات التي تواجهنا هذه الآونة من باقة الأنفلونزا، والتيفوئيد، والحمى القلاعية، والكليبات الفاضحة، وعلاوة على ذلك استباق البعض في إلقاء تهم التفكير على الآخر، وكنت قديماً أسمع تهم التفكير تلصق بكبار المفكرين والأدباء والشعراء، أما اليوم فعلى العامة، والأدهش أن من يلقي هذه التهم ليس عالماً بالأدلة الشرعية الثابتة.
ولعل أبلغ تشبيه للغلو في التكفير هو " الورطة"، ولقد توعد رسول الله (عليه الصلاة والسلام) بهؤلاء الذين يكفرون إخوانهم بقوله: " لا يرمي رجل رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك" . أما الآن فأصبح التكفير أسرع حكم يمكن أن يصدره إنسان على أخيه، وإذا كان التكفير قديماً سلاح خفي يستخدمه بعض المتطرفين في مواجهة خصومهم، فاليوم أصبح أداةً هجومية تستخدم قبل وأثناء وبعد الحوار مع الآخر، هذا إن كان هناك حوار من الأساس. وهذا السلاح كان قديماً يردده رجل على مرأى ومسمع قلة من الحضور ببلدة صغيرة، ثم يتناقل الخبر بصورة وئيدة ثقيلة حتى تصل لرجل يطالع حظك اليوم في شرفته، أما هذه الأيام فالنار تستعر بالهشيم سريعاً، من خلال المنتديات، والفضائيات، والمدونات، والرسائل الإليكترونية، والفيس بوك.
وأؤكد أن الإسلام في صورته الحقيقية قد دعا إلى احترام المرء لهوية أخيه المسلم، ليس هذا فقط بل ذهب بعيداً إلى الاحترام والإيمان بهوية الآخر، وفي ذلك نجد قوله تعالى: (مَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: 285) .
وإذا سألت أحد رجال الدين المستنيرين عن الغلو في التكفير لذكر لك أن المجازفة بالتكفير شر عظيم وخطر جسيم، وقد ذاقت الأمم كثيراً من ويلاتها ووبيل عواقبها، وليدرك هؤلاء قول الله تعالى في تحذير عباده من الغلو في التكفير (فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة).
والمتأمل لهذا الأمر الغلو في التكفير يرى عواقبه التي تتمثل في استحلال الدم ومنع التوارث وفسخ عقد الزواج وتحريم إقامة الفرائض. ويدهشني كثيراً حينما أقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي يتخذه معظم السلفيون إماماً لهم حينما يقول: فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة ويبين له المحجة وإزالة الشبهة.
ويرى الشيخ الإمام أن قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من الأساس هو من أجل أصول الإسلام، ويؤكد الإمام محمد عبده أن الإسلام عمل على هدم بناء تلك السلطة، بل ومحا أثرها، ويشير إلى ذلك بقوله: " لم يدع الإسلام لأحد لأحد بعد الله ورسوله سلطاناً على عقيدة أحد، ولا سيطرة على إيمانه، على أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان مبلغاً ومذكراً لا مهيمناً ولا مسيطراً " . يقول الله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ)(الغاشية:2123)، .
ويدخل الشيخ الإمام وهو بصدد تحديد أصول الإسلام في معركة لا تبدو قديمة فقط بل هي معركة لا تزال مستمرة في وقتنا الراهن، ألا وهي ضرورة أن يفهم كل مسلم عن كتاب الله وعن رسوله من كلام رسوله بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف، وإنما يجب عليه قبل ذلك.
ولكن نجد بعد تصاعد الشهود السياسي للتيارات الدينية أن منهم من يصر على أن يصبح مرجعية دينية فقهية أشبه بالمرجعيات الموجودة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية أو بجنوب لبنان من المرجعيات الشيعية التي تنتزع الحقيقة والبرهان بغير منازع، وهو ما يجعلها تفرض على المجتمع الانصياع التام لمقدمات ومعلومات وفتاوى لا تسير في اتجاهين ولا تقبل التفكير فيها مرتين.
وهذا ما يؤكد عليه الشيخ الإمام بصورة أخرى، حيث يرى أن الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم، ولا هو مهبط الوحي، وهو لا يقصد بذلك الخلفاء الراشدين الأربعة، إنما هو يشير إلى منتزعي السلطان بدعوى الدين، حيث إن هؤلاء ليس من حقهم الاستئثار بتفسير القرآن والسنة دون العلماء، ولا أن ينفرد وحده بتلقي معالم وأحكام الشريعة، وهذا ما نجده في بعض التيارات الدينية المتشددة، حيث ترى أن لها حق الأثرة بالتشريع، ولهم في رقاب الناس والعامة حق الطاعة . ووفقاً لهذا المنطق فإن الحاكم ذا السلطان الإلهي هو مقرر الدين، وواضع أحكامه ومنفذها أيضاً .
ونجد الإمام يقررها صراحة بقوله " إن الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام، وكل سلطة تناولها أحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قررها الشرع الإسلامي ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربه، أو ينازعه في طريق نظره".
وتصل بنا القراءة في فكر الشيخ الإمام محمد عبده إلى الوصول لحديثه عن أصل راسخ ورئيس أيضاً في الإسلام وهو مودة المخالفين في العقيدة، وقد اقتصر الإمام في الحديث عن هذا الأصل بالإشارة فقط إلى المصاهرة أي إباحة الإسلام للمسلم بأن يتزوج امرأة كتابية مسيحية أو يهودية، وكيف جعل الإسلام من حقوق الزوجة الكتابية على زوجها المسلم أن تتمتع بالبقاء على عقيدتها والقيام بفروض عبادتها، ونضيف على ذلك أن الإسلام الحنيف يسعى إلى تربية النشء والمسلمين على عدم احتقار الآخرين، ويدعوهم إلى احترام غيرهم وتقدير عقائدهم دون إكراه أو تدخل، يقول تعالى: (لا إكراه في الدين) (البقرة، 256).
وكان الإسلام بذلك من الأديان النادرة التي منحت أهل الديانات الأخرى ذمة الله ورسوله، لقوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا غليهم إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة،8). ومن هنا فإن المسلمين طوال تاريخهم الطويل لم يظلموا ذمياً أو كتابياً، بل إن الأمر كان يوجه لجيوش المسلمين وعدم هدمها أو الإساءة إليها كما أن أصحاب الملل الأخرى ارتقوا مناصب مهمة في كثير من الدول والإمارات الإسلامية دون تعصب ضدهم أو إساءة إليهم، وأن المؤسسات التعليمية والمكتبات الخاصة لهذه الملل استمرت تؤدي عملها في ظل الحضارة الإسلامية دون مصادرة لها أو تعطيل لعملها.
والفهم الصحيح لركائز الإسلام يدرك أنه حدد بعض الملامح الرئيسة في التعامل مع المخالفين في العقيدة مثل حريتهم في اختيار عقيدتهم، حيث يرفض الإسلام أن يكره الناس على الدخول في عقيدة لا يرتضونها، فالإنسان بعقله الذي وهبه الله إياه، عليه أن ينظر أي طريق يسلكه من طريقي الهدى والضلال، وعلى المسلمين أن يبلغوا رسالة الإسلام إلى من عداهم، فإما أن يهتدوا ويختاروا طريق الخير وهو طريق الإسلام، وإما أن يختاروا الطريق الآخر.
وأنه لا يجوز الاعتداء على أنفسهم، يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)" من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً" .وكذلك لا يجوز الاعتداء على أموالهم، أو أعراضهم.
وكذلك وجوب الدفاع عنهم ضد كل من يعتدي عليهم، سواء أكان هذا المعتدي من مواطني دولة أخرى، وهم ما يسمون في الفقه الإسلامي بالحربيين، أم كان من أهل الذمة، أم كان من المسلمين. ويجوز الأكل من ذبائحهم لقول الله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم. والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين) (المائدة،5) خضوع أهل الذمة وانقيادهم لأحكام الشريعة الإسلامية في ضمان الأنفس والأموال والأعراض، وأن تقام عليهم الحدود فيما يعتقدون تحريمه عليهم، ومما يعتقدون تحريمه الزنا والسرقة والقتل والقذف، فهذه الأمور وأمثالها يجب خضوعهم لأحكام الإسلام فيها.
أستاذ المناهج وطرق التدريس - كلية التربية جامعة المنيا مصر
الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.