في سياق المسارعة الوطني لتنزيل الورش الملكي للحماية الاجتماعية وإصلاح المنظومة الصحية ببلادنا، برز توجه جديد يقضي باقتطاع نسبة 2% من حصة الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة لفائدة المجموعات الصحية الترابية. وإذا كان الهدف المعلن لذلك هو التضامن الوطني لتجويد الخدمات الصحية، فإن القراءة العميقة للخلفيات القانونية والآليات التدبيرية تكشف عن اختلالات جوهرية تمس في الصميم مبادئ الحكامة المحلية واستقلالية القرار الترابي. 1. القصور التشريعي والهروب إلى الاتفاقية كبديل للقانون تطرح هذه العملية إشكالية الشرعية النصية؛ حيث تفتقر إلى سند صريح في القوانين التنظيمية 113.14 و111.14 أو القانون التنظيمي للمالية. بدلاً من تعديل الترسانة القانونية لتأطير هذا التحويل المالي بوضوح، التجأت الإدارة المركزية إلى الاتفاقيات الإطار. هذا الهروب التشريعي يعكس رغبة في القفز فوق المساطر الزمنية والرقابية استجابة لضغط أجندة الإصلاح، مما أنتج وضعاً شاذاً يسمى يمكن تسميته بالتدبير بالاستعجال. كما تعاني هذه الآلية من غبش وضبابية في التبويب الميزانياتي؛ إذ يتم الاقتطاع من المنبع، مما يجعل هذه الموارد تخرج عن سيطرة المجالس المنتخبة وقواعد المحاسبة العمومية الاعتيادية، ويضع الآمرين بالصرف في موقف حرج أمام مجالس الحسابات مستقبلاً. 2. قلب مبدأ التفريع من التدبير الحر إلى الإذعان المالي يُعد مبدأ التفريع حجر الزاوية في الجهوية المتقدمة، لكن القرار الحالي قام بقلب هذا المبدأ رأساً على عقب من خلال التفريع المعكوس؛ فبدل أن تتدخل الدولة لدعم الجماعة الأقرب للمواطن في أداء أدوارها الصحية، أصبحت الجماعة ممولاً صامتاً لمؤسسات عمومية تديرها الدولة مركزياً أو جهوياً. ويؤدي هذا إلى تآكل الاستقلالية؛ حيث تحولت الجماعات إلى خزينة احتياطية لسد عجز قطاع الصحة، مما يُفقد المنتخبين سلطتهم التقديرية في ترتيب أولويات الإنفاق المحلي كالنقل المدرسي أو التطهير السائل أو الفضاءات الخضراء أو الإنارة العمومية أو تجويد المرافق الجماعية…إلخ، ويحولهم إلى مجرد محاسبين يوقعون صكوكا بقرارات فوقية. 3. هشاشة عقد الاتفاقية والالتزام بالأداء دون مقابل تقني تفتقر الاتفاقيات المعروضة على المجالس إلى توازن العقد المجسد لها، فهي أقرب إلى عقود الإذعان لغياب التبادلية والتوازن بين المراكز القانونية لأطرافه. حيث تلتزم الجماعة بدفع 2% من مداخيلها من حصتها من TVA بصفة دائمة، لكن الاتفاقية لا تقدم التزامات دقيقة ومقابلة من طرف المجموعات الصحية، كضمان سلة علاجات محددة أو توفير أطر طبية قارة داخل النفوذ الترابي للجماعة. كما يطرح في العقد انعدام الرقابة الترابية على مساهمتها المالية؛ إذ لا تمنح هذه الاتفاقيات للجماعات حق المساءلة أو تتبع أوجه صرف تلك المبالغ، مما يكرس نموذج التمويل بلا تمثيل أو بلا سلطة قرار. 4. منظور السياسات العمومية حيث تظهر العدالة المجالية على المحك من زاوية تحليل السياسات، يطرح هذا الإجراء مخاطر حقيقية على العدالة الترابية من خلال إرهاق الجماعات الهشة أصلا، فنسبة 2% قد لا تعني شيئاً للمدن الكبرى، لكنها تمثل رصاصة رحمة لميزانيات الجماعات القروية الفقيرة التي تعاني أصلاً من عجز هيكلي. كما يؤدي هذا التداخل إلى تمطيط المسؤولية السياسية. ففي حال فشل الخدمة الصحية، سيتبادل الطرفان (الجماعة والوزارة) الاتهامات، مما يضيع معه حق المواطن في المحاسبة. إن تخصيص 2% من حصة الجماعات لقطاع الصحة هو مقايضة اضطرارية تم فيها التضحية بجودة التشريع واستقلالية التدبير الحر لفائدة تسريع تنزيل ورش الحماية الاجتماعية. إن الاستمرار في هذا النهج خارج النص التشريعي يهدد بإفراغ اللامركزية من محتواها، ويحول الجماعات الترابية من فاعلين استراتيجيين في التنمية المحلية والسياسات العمومية إلى ممولين بالإكراه لقطاعات حكومية فشلت المركزية في تدبير ميزانياتها بكفاءة. عبد الله صمايو فاعل مدني مهتم بتحليل وتقييم السياسات العمومية