د. محمد كرواوي الخميس 1 يناير 2026 - 0:38 هل يستهدف مشروع سحب الجنسية في الجزائر الحركة القبائلية بالخارج؟ لم يعد مشروع تعديل قانون الجنسية في الجزائر، بما يتيحه من إمكانية سحبها أو تجريدها من بعض المواطنين المقيمين في الخارج، مجرد مبادرة تشريعية عابرة، بل تحول إلى مؤشر سياسي واضح على طبيعة التحولات التي يعرفها النظام العسكري الجزائري في تعامله مع المعارضة العابرة للحدود والملفات الهوياتية الحساسة. فالمسألة لا تتعلق بمناقشة قانونية تقنية، بل بميل متزايد لدى السلطة إلى إدخال مفهوم الانتماء نفسه ضمن منطق العقاب والضبط السيادي. فالذي يدفع المشروع إلى الواجهة ليس فقط هاجس الأمن أو حماية ما يسمى المصالح العليا للبلاد، بل بالأساس خوف المؤسسة الحاكمة من الفضاء الخارجي بوصفه مجالا مفتوحا لفاعلين ومعارضين لا تستطيع التحكم فيهم بالأدوات الداخلية التقليدية. وهنا يبدو أن النظام العسكري ينظر إلى الجالية الجزائرية بالخارج، لا باعتبارها امتدادا اجتماعيا وثقافيا للمجتمع الوطني، بل باعتبارها مجالا سياسيا موازيا قد يحتضن أصواتا ناقدة، أو يوفر حاضنة خطابية للحركات التي تصنفها السلطة ضمن خانة التهديد. في هذا السياق، يبرز ملف الحركة القبائلية بشكل خاص باعتباره أبرز الخلفيات غير المعلنة للمشروع. فالنشاط التنظيمي والإعلامي المرتبط بهذه الحركة يتم في جزء كبير منه خارج التراب الجزائري، ويستفيد من فضاءات حرية أوسع في أوروبا وكندا، ومن شبكات تواصل رقمية عابرة للحدود، ما يجعلها، في تصور النظام، أكثر خطورة من المعارضة السياسية التقليدية داخل البلاد. ولهذا يبدو مشروع سحب الجنسية أقرب إلى محاولة لتجريد هذه الحركة من شرعيتها الرمزية، عبر ضرب صفة الانتماء القانوني عن بعض رموزها ونشطائها. وعندما يقدم النظام العسكري هذا التوجه في خطاب قانوني مؤسساتي، مع التأكيد على ما يسميه الضمانات والإجراءات القضائية، فإن ذلك لا يغير من طبيعته الجوهرية: توسيع دائرة الردع، ونقل الصراع السياسي من مستوى النقاش العمومي إلى مستوى تعريف الانتماء ذاته. فالجنسية، في المنظور الذي تحكمه الحسابات الأمنية، لم تعد رابطة نهائية وغير قابلة للمساس، بل تحولت إلى امتياز مشروط بسقف الولاء كما تحدده السلطة. ويزداد هذا البعد وضوحا حين نلاحظ أن النص يستهدف بشكل أساسي الأفعال المرتكبة خارج التراب الوطني. فالسلطات لا تخفي أن الفضاء الخارجي أصبح مصدرا لإزعاج سياسي، سواء عبر قنوات إعلامية ناقدة أو عبر حركات احتجاجية ذات بعد هوياتي. وعوض أن تتعامل مع هذه الظواهر بوصفها تعبيرات اجتماعية وسياسية يجب الإنصات لها، يذهب النظام إلى مقاربتها بمنطق أمني صرف، فيضع الجنسية في قلب المواجهة. ويكتسب هذا المشروع بعدا أكثر إثارة للقلق حين يوضع داخل سياق أوسع من السياسات التي انتهجها النظام العسكري الجزائري خلال السنوات الأخيرة، حيث تزايدت حالات توقيف بعض الصحافيين والتضييق على المنابر الإعلامية بدعوى المساس بالأمن العام أو الإضرار بالوحدة الوطنية. وبدل أن يشكل الإعلام فضاء للنقاش العمومي والنقد المسؤول، تحول في كثير من الأحيان إلى مجال مهدد بالعقوبات والمتابعات القضائية، وهو ما يعكس ذهنية سياسية تعتبر حرية الصحافة خطرا ينبغي تطويقه لا رصيدا وطنيا ينبغي تطويره. وتبرز في هذا السياق قضيتان على قدر كبير من الدلالة: أولا، قضية الصحفي إحسان القاضي الذي أدانته محكمة في الجزائر العاصمة سنة 2023 بالسجن بعد نشر تحليلات ناقدة للشأن السياسي، في قرار اعتبرته منظمات حقوقية تصعيدا واضحا ضد الأصوات الإعلامية المستقلة. وثانيا، قضية الصحفي عبد الوكيل بلام الذي وضع رهن الحبس المؤقت مطلع سنة 2025 بتهم تتعلق بنشر أخبار كاذبة والمساس بالوحدة الوطنية، على خلفية نشاطه الإعلامي وتفاعلاته عبر المنصات الرقمية. وتكشف هذه الوقائع أن منطق سحب الجنسية، ومنطق تقييد العمل الصحافي، ينتميان إلى الفلسفة السياسية نفسها: تجفيف فضاءات التعبير المستقل، وإعادة تعريف المواطنة والإعلام داخل إطار الطاعة والضبط، بدل المشاركة والمساءلة والنقاش العمومي الحر. هذا التحول يعمق الشعور بأن النظام العسكري يعجز عن بناء علاقة طبيعية مع فئات من المجتمع، خصوصا في المناطق التي تعرف حساسية هوياتية، مثل منطقة القبائل. فبدل تطوير تصور وطني جامع يدمج التعدد اللغوي والثقافي بشكل ديمقراطي، يجري التعامل مع هذه الخصوصيات بوصفها احتمالا انفصاليا دائما. ومن ثم يصبح المواطن المختلف ثقافيا موضع ريبة سياسية، ويغدو التعبير الهوياتي نفسه قابلا للوصم والاشتباه. وليس من المصادفة أن المنظمات الحقوقية، داخل الجزائر وخارجها، اعتبرت المشروع سابقة خطيرة. فالتجارب السابقة في السياق نفسه أثبتت أن العبارات الفضفاضة من قبيل المساس بالوحدة الوطنية أو الإضرار بالمصالح العليا غالبا ما تتحول، في الممارسة، إلى أدوات قمع سياسي تستخدم ضد المعارضين والنشطاء والصحافيين. وعندما يكون النظام في الأصل محدود الانفتاح وضعيف الثقة في المجتمع، تصبح كل ضمانة قانونية عرضة للتأويل السلطوي. ومن زاوية أوسع، فإن ما يقوم به النظام العسكري الجزائري يعبر عن أزمة عميقة في مفهوم الشرعية. فسلطة واثقة في نفسها وفي مؤسساتها لا تحتاج إلى التلويح بسحب الجنسية حتى تواجه المعارضة، ولا ترى في الاختلاف الهوياتي خطرا وجوديا، بل جزءا من تعقيد المجتمع. أما حين تصبح الجنسية نفسها أداة ردع، فهذا يعني أن السلطة فقدت جزءا كبيرا من قدرتها على الإقناع، وانتقلت من منطق الشراكة الوطنية إلى منطق التحكم والسيطرة. ومع أن المشروع يقدم بغطاء قانوني، إلا أنه يفتح الباب أمام انزلاق خطير: تحويل الانتماء إلى سلاح سياسي، واستعماله في تصفية الحساب مع الحركات المعارضة، وخاصة تلك التي تنشط في الخارج. وبذلك يضيق أفق المواطنة، ويتحول الانتماء إلى علاقة قلق دائمة، بينما تتعمق الهوة بين المجتمع والسلطة، ويتحول الخلاف السياسي إلى صراع حول الحق في الوجود داخل الوطن. وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بالصياغة التشريعية فقط، بل بالخيارات السياسية الكبرى للنظام العسكري الجزائري: هل يريد توسيع قاعدة الانتماء عبر الإصلاح والحوار والاعتراف بالتعدد، أم يريد تضييقها عبر القوانين الردعية واشتراط الولاء؟ وهل يمكن أن يحمي النظام نفسه بإضعاف مواطنيه، وتجريدهم من صفتهم القانونية، أم أنه بذلك يضعف الوطن ذاته ويحول المواطنة إلى وضع هش ومشروط؟ ما يحتاجه الجزائريون اليوم ليس المزيد من قوانين التخويف، بل أفقا سياسيا جديدا يربط الأمن بالحرية، والانتماء بالعدالة، والمواطنة بالكرامة المشتركة. فالمجتمع لا يبنى بسحب الجنسية، بل ببناء الثقة. والنظام الذي يخاف مواطنيه في الداخل والخارج، هو نظام يخاف نفسه قبل أن يخافهم. كاتب وأكاديمي مغربي الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة