1. الرئيسية 2. المغرب السكوري يعترف بأزمة المليون عامل نظافة.. يؤجل الحلول إلى شهر ماي ويتجنب الحديث عن خصاص مفتشي الشغل الذي يجعل الردع مستحيلا الصحيفة - خولة اجعيفري الثلاثاء 6 يناير 2026 - 23:53 رغم إقراره أمام البرلمان بأن وضعية عمال النظافة والحراسة والطبخ تمثل "إشكالا قانونيا وبنيويا" متراكما منذ عشرين سنة، وأن المنظومة الزجرية الحالية عاجزة عن حماية أكثر من مليون أجير، قدّم يونس السكوري وصفا دقيقا لأزمة يعرفها جيدا دون أن ينجح في تقديم مسار إصلاحي حاسم يُخرجها من دائرة التشخيص إلى دائرة القرار. وفي الوقت الذي تعترف فيه الحكومة بضعف الغرامات وبفجوة الأجور وساعات العمل، ما يزال الحل مؤجلا إلى "أفق ماي" وفق ما كشفه الوزير السكوري ضمن مفارقة لافتة بين حكومة تملك أدوات التدخل وتقرّ بالاختلال، لكنها تُبقي ملفا اجتماعيا بالغ الحساسية رهين الوعود والتأجيل. وقدّم يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، أمام مجلس النواب; تشخيصا دقيقا لوضعية عمال النظافة والحراسة الخاصة والطبخ حيث بدا وكأنه يفتح نافذة نادرة على واحدة من أكثر حلقات الشغل هشاشة في المغرب. فالوزير لم يُخفِ تعقيد الوضع وهو يشير إلى أن أكثر من مليون أجير يعيشون منذ عقدين بين ساعات عمل طويلة، وأجور تنكمش عند نهاية الشهر، ومنظومة قانونية "ضعيفة" في مستوى الردع. غير أن الطريقة التي صيغ بها هذا الاعتراف والسياق الذي يأتي فيه، يجعلان من كلام السكوري شهادة ضمنية على حدود قدرة وزارته والحكومة ككل على معالجة هذا الملف، أكثر مما هو إعلان واثق عن مسار إصلاحي واضح. فالوزير أقر في رده على سؤال للمجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أولا بأن الإشكال مطروح منذ حوالي عشرين سنة، ثم أقر ثانيا بأن مدونة الشغل بمنظومتها الحالية غير قادرة على حماية هذه الفئة، وثالثا بأن الغرامات، التي لا تتجاوز 500 درهم عن كل عامل وبسقف 20 ألف درهم للمقاولة، غير كافية لإحداث الردع. مع ذلك، ورغم إقرار السكوري، فإن سقف الالتزام الحكومي، لا يتجاوز في هذه المرحلة الحديث عن مراسلات وُجهت إلى الشركاء الاجتماعيين في دجنبر الماضي وعن تفاعل متفاوت وعن أفق إصلاحي مؤجل إلى شهر ماي المقبل وفي لغة السياسة، يعني ذلك أن ملفا يوصف بأنه "بنيوي" ويهم أكثر من مليون شخص ما يزال مرتبطا بإيقاع مراسلات إدارية ومواعيد تفاوضية قابلة للتأجيل. هذا البُعد الزمني تحديدا يسلّط الضوء على نقطة جوهرية، إذا كان الوزير يعرف أن منظومة الردع ضعيفة، وأن الاختلالات مستمرة منذ عقدين، وإذا كانت الحكومة نفسها رفعت في السنوات الأخيرة شعار "ترسيخ الدولة الاجتماعية" فكيف يمكن تفسير استمرار نموذج تشغيل يجعل عاملة نظافة في مؤسسة صحية أو تعليمية عرضة لأجر هزيل وتأخر في الأداء وعدم استقرار مهني؟ هنا تتضح إحدى صور الفشل، إذ ليس فقط فشل القانون بل فشل تحويل الوعي الرسمي بالمشكلة إلى سياسة عمومية ناجزة، ثم إن الإحالة المتكررة على "ضعف مدونة الشغل" كسبب رئيسي لا تخفي بدورها جانبا آخر من المسؤولية فجزء كبير من هذه الفئة يشتغل داخل مرافق عمومية، عبر شركات المناولة المتعاقدة مع جماعات ترابية ومستشفيات ومؤسسات تعليمية. وهذا يعني أن الحكومة ليست مجرد مراقب، بل فاعل مباشر يحدد قواعد المنافسة عبر دفاتر التحملات ومع ذلك، لا تزال هذه الدفاتر في حالات كثيرة تمنح أفضلية للعرض الأرخص، حتى إن كان ثمنه اجتماعيا يُدفع من جيوب عمال النظافة. من هذه الزاوية، يبدو أن فشل السكوري لا يرتبط فقط بالعجز التشريعي، بل بالمفارقة بين خطاب سياسي يعترف بالخلل وبين جهاز حكومي لا يوظف كل الأدوات المتاحة له بما فيها التنظيمية، والتعاقدية، والرقابية — لتقليص هذا الخلل في المدى القريب، قبل الوصول إلى إصلاح شامل لمدونة الشغل. كما أن استدعاء مفتشية الشغل كفاعل يقوم "بدوره في حدود القانون" يفتح سؤالا آخر لم يُجب عنه الوزير بوضوح متعلق بمدى تقوية هذا الجهاز بما يكفي في ظل الخصاص المسجل والذي كان موضوع العديد من التقارير وتحذيرات المهنيين، فضلا عن ندى تطوير أدواته وعدد موارده البشرية لمواكبة آلاف مواقع الشغل التي تعتمد المناولة فحين يبقى الجواب معلقا، يصبح الاعتراف بضعف الردع وصفا للنتيجة دون معالجة للأسباب. في العمق، ما تكشفه تصريحات السكوري ليس فقط هشاشة الإطار القانوني، بل هشاشة القدرة الحكومية على فرض قواعد اجتماعية دنيا داخل نموذج المناولة فبين رفع الحد الأدنى للأجر على الورق، واستمرار أجور غير منسجمة مع الجهد المبذول على أرض الواقع، تتبدى فجوة سياسية وإدارية لا يملك الوزير حيالها، حتى الآن، إلا لغة التعهدات المرحّلة إلى المستقبل. بهذا المعنى، يتحول خطاب السكوري إلى مرآة مزدوجة من جهة، اعتراف نادر بحجم اختلال اجتماعي يمس فئة واسعة وأساسية في تشغيل المرافق العمومية ومن جهة ثانية، إعلان غير مباشر عن عجز حكومة تعرف المشكل جيدا، لكنها لم تنجح بعد في وضع حد له سواء عبر تشديد المنظومة القانونية أو عبر إعادة ترتيب شروط الصفقات العمومية أو عبر تقوية آليات التفتيش. قد يرى البعض في كلام الوزير خطوة أولى نحو إصلاح قادم لكن بالنسبة لعمال وعاملات النظافة، الذين يعيشون يوميا تبعات هذه الهشاشة فإن هذا الخطاب ذاته يظل مؤشرا على فشل حكومي متراكم أي فشل في حماية الفئات الأضعف داخل سوق الشغل، وفشل في جعل هذا الملف جزءا من أولويات الإصلاح السريعة، بدل أن يبقى عنوانا مفتوحا على وعود تحتاج، كل مرة، إلى مهلة جديدة.