دة. فتيحة الطالبي الجمعة 30 يناير 2026 - 0:32 قراءة في العقوبات التأديبية الصادرة عن "الكاف" في حق المغرب ما صدر عن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF) من عقوبات في حق المنتخب المغربي، ولاعبيه، والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، لا يمكن توصيفه قانونيا إلا باعتباره عقوبات مجحفة، مخالفة للوائح الكاف نفسها، وضاربة لمبدأ الشرعية التأديبية في الصميم. وهي عقوبات لا تعكس تطبيقا سليما للقانون، بقدر ما تكشف انحرافا بنيويا في منظومة العدالة التأديبية الإفريقية، قوامه معاقبة الضحية، والتسامح مع الجاني، وقلب منطق المسؤولية رأسا على عقب. * أولا: خرق مبدأ الشرعية التأديبية وتجاهل النصوص الواجبة التطبيق. يقوم القانون التأديبي الرياضي على قاعدة مستقرة لا تقبل التأويل: لا عقوبة دون نص، ولا اجتهاد ضد صريح اللوائح. غير أن الكاف، في هذه النازلة، اختار تأويل النصوص بشكل انتقائي ضد المغرب، وامتنع عن تطبيق مواد صريحة كان من شأنها حماية نزاهة المنافسة ومعاقبة الطرف المعتدي، وهو ما يشكل خرقا مباشرا لمبدأ الشرعية التأديبية. * ثانيا: تعطيل تطبيق المادة 147 من لوائح الكاف (التحريض واستفزاز الجمهور) تنص المادة 147 من لوائح الكاف بوضوح على معاقبة كل شخص يقوم بالتحريض، أو استفزاز الجمهور، أو خلق الفوضى داخل أو خارج أرضية الملعب. ورغم التصريحات الاستفزازية الصريحة الصادرة عن مدرب المنتخب السنغالي أليو سيسيه، ورغم انسحاب لاعبيه، وأعمال الشغب التي أعقبت ذلك، امتنع الكاف عن تفعيل هذه المادة، بل سمح للمدرب السنغالي بالإدلاء بتصريحات علنية مفادها: «الكأس في بلدنا، والغرامات سيؤديها اتحاد الكرة عني»، وهو تصريح لا يمكن قراءته قانونيًا إلا باعتباره دليلًا على الإحساس بالإفلات من العقاب، نتيجة غياب الردع التأديبي. * ثالثا: معاقبة الضحية بدل الجاني – تطبيق معكوس للقانون. من المبادئ المستقرة في القانون الرياضي: ُعاقب الفعل الأصلي لا ردّ الفعل. غير أن الكاف اختار معاقبة لاعبين مغربيين، من بينهما أشرف حكيمي وإلياس صيباري، بسبب إزاحة منشفة أُدخلت إلى أرضية الملعب بشكل غير قانوني. قوانين اللعبة (IFAB)، ولا سيما القانونين 1 و4، تُحمّل المسؤولية التأديبية لمن أدخل الأداة غير المصرح بها، لا لمن أزالها حفاظا على سلامة اللعب. وعليه، فإن ما صدر عن الكاف يعد تطبيقا معكوسا للقانون، ومعاقبة لرد الفعل المشروع بدل الفعل المخالف. * رابعا: خرق قواعد المنطقة التقنية وتجاهل تدخل غير مشروع من المدرجات تحظر لوائح الكاف والفيفا أي توجيه تقني من خارج المنطقة التقنية. ورغم ذلك، وثقت الكاميرات: توجه اللاعب ساديو ماني نحو المدرجات، وتلقيه تعليمات مباشرة من المدرب الفرنسي كلود لوروا (Claude Le Roy)، إلى جانب لاعب سنغالي غير معتمد. وهو سلوك يشكل خرقا جسيما يستوجب العقوبة، غير أن الكاف التزم الصمت التام، في تناقض صارخ مع ما أبداه من صرامة انتقائية تجاه اللاعبين المغاربة. * خامسا: تجاهل الآثار القانونية للانسحاب والفوضى إن انسحاب المنتخب السنغالي والفوضى المصاحبة له كان يفرض قانونًا: تفعيل مقتضيات الانسحاب، ترتيب آثاره القانونية، واعتبار المنتخب المغربي فائزا قانونيا. عدم القيام بذلك يعد خرقا واضحا لمبدأ المساواة أمام اللوائح، وتكريسا لمنطق حماية الطرف المخالف. * سابعا: رفض احتجاج الجامعة الملكية المغربية... خرق جسيم لحق التقاضي وانحراف إجرائي خطير إن أخطر ما طبع هذا الملف، والذي يؤكد أن الأمر لا يتعلق بسوء تقدير معزول، بل بانحراف إجرائي ممنهج، هو رفض المجلس التأديبي للاتحاد الإفريقي لكرة القدم احتجاج الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم المقدم ضد الاتحاد السنغالي، والمتعلق بخروقات جسيمة للوائح المنظمة لكأس أمم إفريقيا، على خلفية أحداث نهائي نسخة 2025. فالاحتجاج المغربي استند إلى خروقات واضحة ومحددة لمقتضيات لوائح كأس أمم إفريقيا (AFCON Regulations)، ولا سيما المواد المتعلقة ب: ضمان السير العادي للمباريات النهائية، منع الانسحاب أو تعطيل اللعب أو المساس بنزاهة المنافسة، تحميل الاتحادات مسؤولية تصرفات لاعبيها وأطقمها التقنية وجماهيرها، وترتيب الآثار القانونية للانسحاب أو الفوضى داخل أرضية الملعب. ورغم خطورة هذه الخروقات، وتأثيرها المباشر على نزاهة المباراة النهائية، اختار المجلس التأديبي رفض الاحتجاج دون تفعيل المقتضيات الزجرية الواجبة التطبيق، ودون ترتيب الآثار القانونية المنصوص عليها صراحة في اللوائح. إن هذا الرفض يشكّل: خرقًا لمبدأ الحق في التقاضي الرياضي العادل، وضربًا لمبدأ تعليل القرارات التأديبية، وانحرافًا عن مبدأ المساواة بين الاتحادات الوطنية أمام اللوائح. فالمجلس التأديبي، برفضه الاحتجاج دون إنصاف الطرف المتضرر، لم يطبّق اللوائح، بل علقها عمليا، وحولها من قواعد ملزمة إلى نصوص انتقائية، تفعل أو تعطل بحسب هوية الأطراف المعنية. وهو ما يجعل هذا القرار قابلا للطعن من زاوية إجرائية خالصة، لأنه لا يمس فقط بحقوق المنتخب المغربي، بل ينسف مصداقية منظومة العدالة التأديبية داخل الكاف، ويؤكد أن الضحية في هذه النازلة لم تعاقب فقط، بل ُرمت حتى من حقها في الانتصاف. خاتمة: الإفلات من العقاب طريق حتمي لتكرار الأسوأ في كل منظومة قانونية، الإفلات من العقاب يؤدي حتمًا إلى تكرار الفعل بشكل أفظع. وحين تعاقب الضحية و يحصن المخطئ، تصبح الرسالة واضحة: القانون لا يُطبَّق على الجميع. وما لم يصحح الكاف هذا الانحراف، فإن ما وقع مع المغرب سيتكرر بشكل أشد، لأن التسامح مع الخطأ اليوم هو ترخيص بانتهاكات الغد. الدفاع عن الكرة المغربية لم يعد مسألة نتائج، بل مسألة كرامة وشرعية قانونية ومكانة قارية. والسكوت عن هذا المسار أخطر من العقوبات نفسها. الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة