1. الرئيسية 2. سياحة محاميد الغزلان.. حيث تنتهي الطريق وتبدأ حكاية "عروس الصحراء الشرقية" للمغرب الصحيفة من محاميد الغزلان السبت 27 دجنبر 2025 - 0:12 في أقاصي جنوب شرق المغرب، حيث تتلاشى آخر خطوط الإسفلت تحت أقدام الرمال الذهبية، تقف محاميد الغزلان كواحة أخيرة قبل أن يبتلع البحر الرملي كل ما هو مألوف. هذه المدينة الصغيرة، الواقعة بجهة درعة تافيلالت، تبعد نحو تسعين كيلومتراً جنوب زاكورة، وتقع على بعد أربعين كيلومتراً فقط من الحدود الجزائرية. هنا، يُطلق عليها "عروس الصحراء الشرقية" أو "آخر واحة"، لأنها المكان الذي تتحول فيه غابات النخيل الوارفة في وادي درعة تدريجياً إلى كثبان شاهقة تمتد إلى الأفق اللامتناهي. تاريخ محاميد الغزلان تعود جذور محاميد الغزلان أو M'hamid El Ghizlane، والتي كانت تُعرف قديماً باسم تاراغالت Targala بالأمازيغية، وتعني السهل الذي تتجول فيه الغزلان، إلى عصور بعيدة، حيث كانت المنطقة مركزا حيويا على طرق التجارة العابرة للصحراء الكبرى. منذ القرن السادس عشر، خلال عهد الدولة السعدية، أصبحت الواحة نقطة توقف أساسية للقوافل التجارية التي تنقل الذهب والملح والتوابل والعبيد من بلاد السودان (غرب إفريقيا) نحو شمال المغرب وأوروبا. مازالت محاميد الغزلان تحتفظ على قلاعها وتذكر زائريها أنها كانت مركزا تجاريا يربط جنوب إفريقيا بشمالها كان كسار محاميد (القصبة أو المدينة المحصنة) يُستخدم كمركز لجمع الضرائب على البضائع القادمة من تومبوكتو، وكان آخر مكان مأهول قبل الغوص في المناطق الرحلية النائية. وصف المستكشف الفرنسي رينيه كايي الواحة في رحلته إلى تومبوكتو عام 1830، مشيراً إلى أهميتها كمحطة أخيرة قبل الصحراء الوعرة. مع مرور الزمن، شهدت المنطقة تنوعاً عرقياً غنياً: أيت أعلاوان (شلوح)، دراوة (حراطين)، وعرب، إلى جانب تأثيرات يهودية وصوفية قديمة. في القرن العشرين، أصبحت محاميد جزءاً من السياق الاستعماري الفرنسي، حيث أُسست رسمياً كبلدية ريفية عام 1932، ولعبت دوراً بارزاً في الكفاح الوطني، إذ زارها الملك محمد الخامس عام 1958 في محطة تاريخية عززت الوحدة الوطنية والمقاومة ضد الاستعمار. بعد الاستقلال، تحولت تدريجياً من مركز تجاري قديم إلى وجهة سياحية، خاصة مع اكتشاف جمال كثبان إرگ شگاگة وإرگ زهيد، وبدء تنظيم رحلات الجمال والتخييم. اليوم، تحتفظ الواحة بتراثها البدوي والأمازيغي من خلال مهرجانات مثل المهرجان الدولي للرحّل، مع الحفاظ على أصالتها بعيداً عن الازدحام السياحي الكبير. في محاميد الغزلان.. الصمت ليس فراغاً، بل لغة كاملة محاميد الغزلان ليست مجرد محطة عبور نحو الصحراء؛ إنها بوابة إلى تجربة أصيلة بعيدة عن السياحة المصطنعة. الكثبان الرملية هنا متنوعة ومذهلة، "إرگ شگاگة" أكبرها وأعلى ارتفاعاً يصل إلى ثلاثمائة متر تقريباً، يقابل "إرگ زهيد" الأكثر هدوءاً، ومناطق أخرى أقل شهرة لكنها أكثر خصوصية. بعكس بعض الوجهات الصحراوية الأكثر ازدحاماً، تظل هذه الرمال واسعة وشبه خالية، تمنح الزائر شعوراً بأنه أول من يرسم خطواته عليها، وأن الصمت هنا ليس فراغاً، بل لغة كاملة. داخل الواحة، تحتضن القصبة القديمة – المعروفة بالكصبة البالية – ذكريات قوافل تجارية عابرة للصحراء منذ قرون. تمتد غابة النخيل على طول ضفاف وادي درعة، توفر ظلالاً خضراء نادرة وسط الذهبي المهيمن، وتُعد ملاذاً للتنفس قبل الغوص في الكثبان. الواحات والجمال خاصية تتميز بهما منطقة محاميد الغزلان السوق الأسبوعي يوم الاثنين يبقى نافذة حية على النبض المحلي. تمور طازجة تُقطف حديثاً، مجوهرات فضية أمازيغية تحمل رموزاً قديمة، منتجات جلدية مصنوعة يدوياً، وتوابل تحمل رائحة الأرض نفسها. الأجواء بسيطة، دافئة، خالية من الضغط التجاري الذي يطغى في أماكن أخرى. النشاط السياحي هنا يتجاوز التنقل البسيط؛ إنه غمر كامل في نسيج الصحراء. رحلات الجمال تستمر ساعات أو أياماً كاملة، تتخللها ليالٍ تحت قبة النجوم حيث يُعد الشاي الصحراوي بطقوسه الثلاثية الرمزية، مر، حلو، ثم مرة أخرى حلو. حياة فطرية نادرة تتحدى قسوة البيئة جولات السيارات الرباعية الدفع أو الدراجات الرباعية تكشف عن منحنيات الرمال المتماوجة كأمواج متجمدة، بينما زيارة حديقة إريكي الطبيعية – البحيرة الجافة سابقاً – تفتح أبوابا على حياة فطرية نادرة تتحدى قسوة البيئة. اللقاء بأهل المنطقة يظل أجمل ما في التجربة، دعوة عفوية لتناول خبز الصحراء المعد تحت الرمال الساخنة، أو مشاركة في حكايات تنتقل عبر الأجيال حول القوافل والنجوم والصبر. تكتسب الواحة زخماً إضافيا من تظاهراتها الثقافية السنوية. المهرجان الدولي للرحّل، الذي يحتفل بدورته الحادية والعشرين من 3 إلى 5 أبريل 2026، يجمع فنانين من المغرب وإفريقيا وأوروبا وآسيا في احتفاء بالتراث البدوي. بعد عشرين عاماً من الاستمرارية، تتجه هذه الدورة نحو المستقبل ببرمجة تجمع بين التقاليد العريقة والإبداع المعاصر. موسيقى طوارقية من مالي والنيجر، إيقاعات غجرية، وأصوات صحراوية مغربية، إلى جانب ورشات حرفية ونقاشات حول الحفاظ على الصحاري. تحافظ المنطقة على كثير من بساطتها التي تمنحها التميز كذلك يبرز مهرجان زمان في نوفمبر، الذي احتفى مؤخراً بموسيقى "الكانكا" كتراث موسيقي عريق لجنوب شرق المملكة، مما يجعل المنطقة مركزاً حياً للتلاقي الثقافي. أفضل مواسم الزيارة تمتد من أكتوبر إلى أبريل، حيث تتراوح درجات الحرارة النهارية بين عشرين وثلاثين درجة مئوية، والليالي تبقى باردة بما يكفي ليصبح التخييم متعة لا تُضاهى. خيارات الإقامة تتنوع بين النزل التقليدية داخل الواحة والمخيمات الصحراوية البسيطة أو الفاخرة، مع وجبات تُعد أمام العين. طاجين بالتمر، خبز تحت الرمال، وشاي نعناع يُصب ثلاث مرات كرمز للحياة والحب والموت. محاميد الغزلان لا تقدم مجرد رحلة، إنها دعوة للعودة إلى أصل الشيء. الصمت الذي يُسمع، النجوم التي تُرى بوضوح مذهل، والضيافة التي لا تشترط مقابل. في زمن يبحث فيه الكثيرون عن تجارب حقيقية بعيدة عن التصنع، تظل هذه الواحة الأخيرة شاهدا على أن الجمال الأعمق يكمن في البساطة، وأن الصحراء – عندما تُعاش بقلب مفتوح – تمنح أكثر مما تأخذ، وتحفر في الذاكرة ذكريات لا تُمحى. دعوة لزيارة محاميد الغزلان في زمن يبحث فيه المسافرون عن تجارب أصيلة وهادئة، تظل محاميد الغزلان دعوة مفتوحة لاستكشاف قلب الصحراء المغربية الحقيقي. إنها المكان الذي يلتقي فيه التاريخ بالطبيعة الخام، حيث يمكنك عيش ليالٍ تحت النجوم، والتجول مع القوافل التقليدية، والتعرف على ضيافة أهلها السخية. مهرجانات محاميد الغزلان تعد من عوامل الحفاظ على تراث وثقافة المنطقة وتلاقح الثقافات القادمة من افريقيا جنوب الصحراء زيارة محاميد الغزلان تعني العودة إلى جذور الإنسانية في مواجهة الرمال اللامتناهية. شهدت المنطقة نمواً سياحياً ملحوظاً ضمن جهة درعة تافيلالت، حيث استقبل المغرب ككل نحو 17.4 مليون سائح في 2024، وارتفع العدد إلى حوالي 19.8 مليون في 2025 (مع زيادة 14%)، وتُعد محاميد جزءاً من هذا الانتعاش، خاصة مع مهرجاناتها وتنوع رحلاتها الصحراوية التي تجذب آلاف الزوار سنوياً بحثاً عن هدوء الصحراء الأصيل. السياحة بالمغرب