محمد النحيلي السبت 28 فبراير 2026 - 0:02 لماذا يقدس المغاربة شهر رمضان؟ مما لا شك فيه أن شهر رمضان يحظى بمكانة خاصة لدى جميع المسلمين، نظرا لارتباطه بجملة من العوامل العقدية ذات الأبعاد الاجتماعية والثقافية. غير أن شهر رمضان يحتل لدى المغاربة على وجه الخصوص مكانة متميزة، سواء قبيل دخوله أو خلال أيامه. وتحيل هذه المكانة إلى تمثل خاص لهذه الشعيرة، باعتبار رمضان الشهر الذي أُنزل فيه القرآن، فضلا عما يحيط به من دلالات روحية ورمزية عميقة في الوعي الجماعي. كما أن لهذه المكانة تفسيرا على المستويين الاجتماعي والنفسي. ومما يتداول في التراث الشفهي، أن دول المغرب الكبير أولت عناية خاصة بركن من أركان الإسلام أكثر من غيره، فموريتانيا اشتهرت بالعناية بالصلاة، والمغرب بالصوم، والجزائر بالحج، وليبيا بالزكاة، وتونس بالشهادة. وإن كان هذا التوصيف يظل قراءة غير علمية، بمعنى غير مؤسسة على دراسة أكاديمية، إلا أنه يحمل خطابا في حاجة إلى التفكيك والدراسة. فلماذا إذن يبدو الصوم في المغرب يحظى بقدر أكبر من التقديس الاجتماعي مقارنة ببقية الأركان؟ إن الإحاطة بهذا الموضوع مسألة معقدة، تتداخل فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية والأنثروبولوجية، يمكن إبرازها من زاويتنا الخاصة –كمحاولة فهم – في خمس نقط : النقطة الأولى: إن الصلاة عبادة يومية متكررة، أما الصوم فشعيرة موسمية محددة بزمن معين، مما يضفي عليها طابعا استثنائيا يعزز الإحساس بقداستها (بعد زمني ونفسي). النقطة الثانية: إن ترك الصلاة والزكاة يتم في الغالب في المجال الخاص، بينما الإفطار في رمضان قد يكون فعلا علنيا يواجه برقابة مجتمعية صارمة، فضلا عن وجود مقتضى قانوني يجرم المجاهرة به (الفصل 222 من القانون الجنائي). النقطة الثالثة : الصوم ممارسة جماعية يشترك فيها المجتمع بأسره في زمن واحد، مما يقوي الإحساس بالانتماء والهوية المشتركة، بينما يمكن قضاء الصلاة الفائتة في أوقات لاحقة. النقطة الرابعة: البعد الروحي الخاص بالصوم، حيث يستدل بالحديث القدسي «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، وهو ما يعزز مكانته الرمزية في الوجدان الديني. النقطة الخامسة: ترسخت في المخيال الشعبي بعض التصورات التي تربط بين الإفطار العلني وحدوث المصائب أو سوء العاقبة، وهو ما يعكس عمق البعد التاريخي و السوسيوثقافي للتدين في المجتمع المغربي. في المقابل، يلاحظ أن بعض السلوكات المنحرفة أو الإجرامية قد تستمر وتزداد خلال شهر رمضان، رغم ما يفترض أن يرافقه من تهذيب للنفس وتعزيز للقيم الأخلاقية، فقد نجد من يرتكب السرقة أو يمارس العنف أو غيرها من الأفعال المنافية لمقاصد الصوم، وهو في الوقت نفسه ملتزم شكليا بالإمساك عن الطعام والشراب. يكشف هذا التناقض عن فجوة بين البعد الطقوسي للشعيرة وبعدها القيمي، حيث قد يتحول الصوم إلى ممارسة شكلية لا تنعكس بالضرورة على السلوك اليومي. ويمكن تفسير ذلك بكون الرقابة الاجتماعية تركز أساسا على المظاهر العلنية، مثل الإفطار، أكثر من تركيزها على جوهر السلوك الأخلاقي. وفي حالات عدة، يمكن اعتبار هذا الوضع شكلا من أشكال "النفاق الاجتماعي"، حيث يحافظ على الامتثال الظاهري للشعيرة، في حين لا تتحقق مقاصدها الأخلاقية في الواقع العملي. في الأخير، يمكن القول إن الصوم لدى بعض فئات المجتمع، قد يتحول من كونه عبادة ذات بعد روحي فردي إلى ممارسة يغلب عليها الطابع الاجتماعي والعرفي، فهو في أحيان معينة عادة أكثر منه عبادة، وامتداد للتقاليد أكثر منه استحضارا للجوهر الديني. وهذا ما أضفى على شهر رمضان طقوسية خاصة . نفس الأمر ينطبق، بدرجات متفاوتة، على مجتمعات أخرى في المنطقة المغاربية، إذ لكل مجتمع تمثلاته السوسيوثقافية الخاصة للدين، رغم وحدة المرجعية العقدية. الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة