1. الرئيسية 2. افتتاحية عقدة الجوار المريرة الصحيفة | افتتاحية الخميس 19 مارس 2026 - 2:14 لم تكن كرة القدم يوما مجرد جلد منفوخ يطارده اثنان وعشرون لاعبا، بل كانت دوما، وفي منطقتنا العربية على وجه التحديد، "مختبرا عاريا" تظهر فيه الندوب النفسية والكسور الحضارية التي لم تندمل بعد. إن موجة الحقد التي طفت على سطح وسائل التواصل الاجتماعي، وتلقفها بعض الإعلاميين في دول عربية مثل الجزائر ومصر، كجزء من رد الفعل على قرار "الكاف" الأخير بشأن كأس أمم إفريقيا، لا يمكن قراءتها كحدث رياضي عابر، بل هي "أعراض" لمرض أعمق ينهش الجسد الثقافي المشترك. تحليليا، نحن أمام ظاهرة "النرجسية الجريحة". فحينما يعجز العقل الجمعي عن تحقيق منجزات ملموسة على أرض الواقع التنموي أو السياسي، تتحول الرياضة إلى "تعويض وهمي" عن السيادة والرفعة. وفي هذا السياق، يصبح نجاح "الآخر القريب" (المغرب في هذه الحالة) ليس مجرد فوز تنظيمي، أو تويج بلقب كروي في لعبة رياضية، بل يُصبر في - لا وعي الآخر - إهانة للذات أو كشف لعجزها. هنا، يتحول الإعلامي أو المواطن العربي السابح في مواقع التواصل الاجتماعي، من ناقل للخبر إلى "حارس للضغينة"، يعيد تدوير الإحباطات "القومية" في قالب من الهجوم اللفظي الذي يفتقر لأدنى معايير المهنية، أو الأخلاق، أو ما هو مشترك. تاريخيا، ترسخت في الوجدان العربي ثقافة "المنافسة الصفرية"، أي أن وجودي لا يتحقق إلا بنفيك، وتفوقي لا يكتمل إلا بتعثرك، أو ضعفك، هذه النظرة العدائية هي نتاج عقود من التعبئة الإعلامية الممنهجة التي استبدلت مفهوم "التكامل" بمفهوم "المغالبة". إن ما نشهده من حقد عابر للحدود، خاصة في المحور (المغربي - الجزائري - المصري - التونسي) أو عبر التجاذبات مع أصوات إعلامية معينة، هو استمرار لحروب باردة قديمة، وجدت في المنصات الرقمية والقنوات المتناسلة "متنفسا بذيئا" لا يراعي حرمة التاريخ المشترك ولا روابط الدم، ولا الدين، ولا المصير. ثقافيا، تعاني الكثير من المجتمعات العربية من "أزمة اعتراف". فالاعتراف بتميز الآخر يتطلب نضجا نفسيا وثقة بالذات، وهو ما يفتقده الخطاب الإعلامي "الشعبوي" في الجزائر ومصر، مثلا، الذي يقتات على إثارة الغرائز البدائية للجماهير. لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من أدوات للتقارب إلى "خنادق رقمية"، حيث يُستبدل الحوار بالشتائم، والقصص الخرافية، والتضليل المتعمد،، والتحليل بالتشكيك في الذمم. هذه العدائية ليست فطرية، بل هي "هوية متخيلة" تم حقنها في عقول الأجيال الجديدة، حتى صار كره الجار معيارا للوطنية، وصار الحقد على نجاحه "مروءة سياسية". إن مرض الكراهية اتجاه الآخر، التي يظهره الإعلام المصري والجزائري بعد قرار "الكاف" يستوجب وقفة نقدية شجاعة. فالشعوب التي تبني وجدانها على مراقبة سقطات الآخرين وتمني النفس بزوالهم، والعيش من أجل رفع الأكف للسماء من أجل اختفائهم من الخريطة، هي شعوب تحكم على نفسها بالركود في الوعي الجماعي. نجاح المغرب في تنظيم تظاهرة قارية هو انتصار للمنطق والعمل والمؤسسات، وأي محاولة لتقزيم هذا المنجز تحت مسميات "المؤامرة" أو "الكواليس" ليست إلا محاولة بائسة للهروب من مرآة الحقيقة التي تعكس تأخر الآخرين، وفوز منتخبه بكأس إفريقية أو خسارته لها حتى لا يزيد عن قفزة فرح لا أكثر، ومع ذلك، يمكن لهذا، أو ذاك أن يخرج كل الحقد من نفوس البعض لينفثها بمتعة رهيبة. إن تنقية الفضاء العربي من هذا "التلوث النفسي" تبدأ من عزل الأصوات الإعلامية التي تقتات على الفتنة، وإعادة الاعتبار للرياضة كجسر للمودة لا كساحة لتصفية الحسابات التاريخية المعقدة. فالحقد لا يبني أمما، والضغينة لا تشيد ملاعب، وحدها الثقة بالذات والاعتراف بفضل المجتهد هي التي تضعنا على طريق الحضارة.