ما وقع في مصر وما وقع قبله في تونس هو هبة الشعوب العربية بعدما كانت تروج أقوال تقول بأن هذه الشعوب خاضعة ، وقد فاجأ هذا الأمر الجميع حتى مراكز الدراسات في الغرب والتي ثبت عدم معرفتها الدقيقة بما يختلج داخل الشعوب، من جهة أخرى، تراكمت عوامل عديدة على مدى 60 سنة منذ الجلاء الاستعماري دون أن يتحقق استقلال حقيقي للشعوب العربية أو تغير في الأنظمة السياسية، مما أدى إلى وقوع يأس مطلق من هذه الأنظمة لكونها لا تريد التغيير أو التطور، كل ذلك أدى بشكل طبيعي بهذه الشعوب لأن تهب وتتحرك. بالنسبة لمصر فهي دولة كبيرة في قلب الأمة العربية وفي مواجهة مباشرة مع العدو الصهيوني والأنظار كلها موجهة إليها وأي تغيير ديمقراطي حقيقي فيها سيكون قاطرة للتغيير في الدول العربية الأخرى. الشعوب العربية والإسلامية اليوم تريد القطع مع الماضي وإحداث تغيير حقيقي، وهي تراقب ما يحدث في تونس ومصر وتطرح تساؤلات حول أوضاعها المتشابهة مع هاتين الدولتين. ومطالب الشعوب العربية هي مطالب واحدة وملحة وتتلخص في رفع الاستبداد ورفع الفساد وإقرار العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة، لكن الآليات قد تختلف بالتأكيد ولا يمكن أن تكون واحدة بين هذه الشعوب، وحتى إذا قارنا بين مصر وتونس فسنلاحظ أن هناك اختلافا في طريقة التغيير وفي الآليات رغم وحدة المطالب. والمطلوب من الأنظمة الحاكمة في باقي الدول العربية أن تتحرك بيقظة وفي الوقت الذي يكون فيه التغيير مسموحا به ويتم بطريقة سلمية، لا أن تنتظر وتقف متفرجة، وهي مطالبة بأن تأخذ العبرة من نظام مبارك الذي لو أنه قام قبل شهرين أو ثلاثة بالاصلاحات التي أعلن عنها قبل انطلاق التحركات الشعبية لكان الوضع مختلفا في مصر. لكن العمل على ذر الرماد في العيون بمسكنات معينة و ''رتوشات'' وحلول جزئية أو ملتوية على المطالب الأساسية للشعوب، لن يحل المشاكل بل سيزيدها تعقيدا ويجعل التغيير أكثر كلفة من حيث المعاناة والدماء التي ستسيل.