بعدما كان برنامج الحكومة السابقة لعباس الفاسي هو القضاء على السكن الصفيحي في المغرب مع متم سنة 2012، فكلفت وزيرها في الإسكان آنذاك، توفيق حجيرة، لتنفيذ البرنامج والسهر عليه، فأوهم الجميع بتصريحاته أمام ميكروفونات القنوات الفضائية أن المغرب سيصبح جنة الله على أرضه خلال السنة الماضية، إلا أن حليمة عادت إلى حالتها القديمة، وأصبحت هذه المدن بين عشية وضحاها تعرف استنباتا لدور الصفيح، وعودة من جديد للظاهرة التي لم تعد تقلق مضجع المسؤولين فحسب، رغم أنها أنجبت العديد من كفاءات وطنية، بل باتت تشكل هاجسا لدى المواطنين نظرا لما تشكله من ارض خصبة لكثير من مظاهر الانحراف الاجتماعي.
فعلاوة على مشكل التمويل، تبقى أسباب أخرى معروفة وعلى رأسها غياب الإرادة السياسية لدى العديد من مسيري الشأن العام و جعلهم لهذه الأحياء كخزان انتخابي، يعوّل عليه المنتخبون لكسب مقاعدهم باستمرار، إذ أصبحت "البراريك" تتناسل بشكل مستمر وغير مسبوق بمباركة من منتخبيهم الوطنيين و المحليين للحفاظ على قاعدتهم الانتخابية، وخير دليل على ذلك، هو ما صرح به الرئيس المدير العام لمؤسسة العمران، أمس أمام لجنة برلمانية في الغرفة الثانية، بأن السكن الصفيحي في المغرب ارتفع ب 30 في المائة ما بين سنة 2004 و2012، مشيرا إلى أن حوالي 224 ألف أسرة كانت تقطن السكن ألصفيحي في حين أصبحت اليوم 291 ألف و496 أسرة منتشرة في 83 مدينة.
وترتبط محاربة دور الصفيح بمحاربة أسبابه الرئيسية، واجتثاث الداء من أصله، باعتبار أن الهجرة القروية وتردي الأوضاع الاجتماعية للمواطنين من أهم الأسباب الرئيسية للظاهرة، بالإضافة إلى تفشي ظاهرة الفقر والبطالة والتهميش وجاذبية المدينة لسكان القرى.كما أن بعض الأسر التي تستفيد من السكن، تعود من جديد لبناء دور الصفيح من أجل الاستفادة مجددا، وهو ما يشكل تلاعبا بمساعدات الدولة، فضلا عن استعمال الظاهرة لمآرب انتخابية من لدن بعض رؤساء المقاطعات، الذين يتغاضون عن هذه الدور من أجل استغلالها يوم الانتخابات، كما أن عدم الاهتمام بالوسط القروي يسهم في الظاهرة بشكل كبير.
ونقرأ من خلال الأرقام التي كشف عنها "بيديجي العمران" أن برنامج مدن بدون صفيح يدخل عنق الزجاجة، فالمؤشرات تؤكد فشل البرنامج بسبب الكم الكبير للمدن التي عرفت الظاهرة من الجديد، أو الصعوبات التي تحد من تقدم البرنامج في مدن أخرى كالرباط ، مكناس، فاس، خريبكة، أزرو، آسفي، أكادير، بني ملال، الجديدة... الخ، وهي المدن التي كانت أعلنت الحكومة السابقة أنها بدون صفيح، إلا أنه بمجرد أن تطأ قدم الزائر لشوارعها يتبين له بالملموس أن دور الصفيح ما تزال سيدة الموقف، وأنها المعادلة الصعبة والعصية على الفهم، إذ تختلف أسباب الظاهرة من مدينة إلى أخرى، كما أن ما أصبح يهدد العديد من المدن المغربية هو انتشارها في بعض المدن السياحية "الجميلة" التي يراهن عليها المغرب كي تصبح مدنا سياحية بمواصفات دولية، إذ يستفحل فيها البناء العشوائي ودور الصفيح، و نذكر على سبيل المثال لا الحصر مدينة السعيدية، ومن تم يمكننا القول أن حكومة عباس الفاسي لم تنفذ برنامجها الحكومي الذي قدمته أمام البرلمان عقب تنصيبها سنة 2007.
حكومة عباس، أمّة خلت وقضية حٌلّت، فالمغاربة الآن أمام حكومة جديدة، في ظل دستور جديد و برئيس حكومة له ما يكفي من الصلاحيات لتنفيذ برامج حكومته، وزارة الإسكان يسهر عليها وزير جديد، نبيل بن عبد الله، مع إضافة كلمتي "سياسة المدينة" إلى اسم الوزارة، وهما كلمتين خفيفتين على اللسان و ثقيلتين في ميزان السياسة.
نبيل بن عبد الله، دشن عمله الوزاري بإطلاق حوار وطني حول سياسة المدينة، سياسة قريبة جدا من سياسة توفيق حجيرة في الحكومة السابقة، رغم توظيفه لبعض المصطلحات الجديدة في مجال التعمير، وعزفه على وتر التشاور و المشاركة و الديمقراطية ...الخ، إلا انه يبقى برنامجا فضفاضا غير قابل للقياس و صعب التطبيق و تجسيده على ارض الواقع ليس بالأمر الهين بل يكاد أن يكون شبه مستحيل.
سياسة المدينة، شعار رفعه وزير التعمير والإسكان و سياسة المدينة، ورحب به العديد من المهتمين فيما انتقده غالبيتهم، و اعتبروه برنامجا سيكون مصيره كمصير برامج سبقته في مجالات أخرى، كالبرنامج الاستعجالي الذي رفعه وزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر في الحكومة السابقة، أحمد اخشيشن، مثلا.
لن يكون إذن مصير هذا البرنامج إلا الفشل ما دام أنه لن يستطيع التدخل في مجال العمران، إلا اذا كانت هناك إرادة للمنتخبين المحليين، كالجماعات المحلية و المجالس الإقليمية والجهوية، الشيء الذي يعتبره العارفون بخبايا التعمير، صعب المنال، مادام أولئك الذين يعوّل عليهم نبيل بن عبد الله لتنفيذ سياسة مدينته لا تتوافق وسياسة المنتخبين الذين تكمن فوائدهم في مصائب الآخرين.
سياسة مدينة نبيل بن عبد الله، لا هي اشتراكية و لا هي يسارية ولا هي تقدمية ولا حتى عقلانية، إذ كان بالإمكان أن تكون بطريقة مغايرة للطريقة التي اتخذتها وزارته، و البداية تكون من إعادة النظر في اختصاصات الوكالات الحضرية، و تحديد مجالات تدخل المجالس المنتخبة و السلطات المحلية في مجال العمران، و القيام بدراسة تقنية لجميع المدن التي تعرف انتشار دور الصفيح مع إعادة تصاميم التهيئة بمواصفات المدينة الحديثة والعصرية، و إلزام جميع المتدخلين باحترامه و الضرب بيد من حديد على أيدي المخالفين، و تفعيل مبدأ المسؤولية المقرونة بالمحاسبة، ووضع تصميم عمل أو ما يعرف ب"بلانينغ" توضح فيه الوزارة طريقة اشتغالها مع بيان تقدم اوراشها وسياسة مدينتها.
ستة أشهر مضت على تنصيب الحكومة الحالية، برئاسة عبد الإله بنكيران، ولم يلمس خلالها الشعب المغربي أي شيئ من انتظاراته التي علقها علىى عنق الحكومة الملتحية، إلا ما لم يكن في حسبانه، و الخوف الشديد هو أن تذهب هذه الحكومة إلى حالها و تنتهي ولايتها وتبقى دار لقمان على حالها، و تأتي حكومة بعدها لتقول أن الحكومات السابقة كانت فاشلة في برامجها... وهكذا دواليك.