تشكل الدراما التلفزيونية إحدى أهم الوسائط الثقافية المؤثرة في تشكيل الوعي الجماعي، لما لها من قدرة على النفاذ إلى البيوت، وإعادة إنتاج الصور والرموز والقيم بصورة قد تفوق في تأثيرها الخطاب المباشر أو الموعظة الصريحة. ومن ثم فإن سؤال المسؤولية الفنية والأخلاقية يظل ملازما لكل عمل درامي، خاصة حين يتناول قضايا تمس صورة المرأة والأسرة ورجال التعليم. لقد برز في بعض الإنتاجات التلفزيونية نمط درامي يقوم على الإثارة وتضخيم الجوانب السلبية للشخصيات، وتقديم نماذج اجتماعية في صور نمطية حادة، بما يقترب أحيانا من منطق "الفرجة الصادمة" أكثر من اقترابه من البناء الفني العميق. ويتجلى ذلك في أعمال صورت المرأة في مواقف حاطة من الكرامة، أو قدمت الحجاب باعتباره موضوعا للسخرية أو الاستغراب، أو عالجت قضايا الأسرة بمنطق التطبيع مع الخيانة والتحايل على الضوابط الشرعية والقانونية. إن الإشكال هنا لا يتعلق بمجرد عرض واقع اجتماعي بما فيه من اختلالات، فالفن بطبيعته يلامس مناطق التوتر ويكشف المسكوت عنه، وإنما يتعلق بكيفية المعالجة: هل الهدف مساءلة الظاهرة ونقدها أم تحويلها إلى مادة ترفيهية قائمة على الإثارة؟ وهل تقدم الشخصية في سياق إنساني مركب، أم تختزل في صورة سطحية تفتقر إلى العمق؟ ومن المظاهر اللافتة كذلك تقديم بعض الشخصيات المهنية، كالأستاذ الجامعي، في صورة نمطية سلبية تجرده من رسالته العلمية، وتحصره في سلوكيات سطحية أو منحرفة. مثل هذا التناول لا يسيء إلى فرد متخيل بقدر ما يرسخ صورة ذهنية مشوهة عن فئة اجتماعية تضطلع بدور محوري في بناء الأجيال وصناعة الوعي. إن الدراما التي تنزلق نحو الإسفاف لا تختزل في جرأة الطرح، بل في تفريغ القضايا من أبعادها القيمية والفكرية، وتحويلها إلى مشاهد عابرة تستهلك سريعا دون أن تفتح أفقا للتفكير أو الإصلاح. وعندما يختزل الصراع الاجتماعي في علاقات عاطفية سطحية أو فضائح أسرية، يغيب المعنى العميق الذي يفترض أن يكون جوهر العمل الفني. لا أحد ينازع في أهمية حرية الإبداع، فهي شرط أساسي لازدهار الفن وتطوره. غير أن الحرية لا تنفصل عن الوعي بالسياق الثقافي والاجتماعي، ولا عن إدراك أثر الصورة في تشكيل تمثلات الجمهور، خاصة فئة الشباب والناشئة. فالدراما ليست مجرد تسلية، بل هي قوة رمزية قادرة على إعادة تعريف القيم، وتطبيع أنماط سلوكية، وإعادة تشكيل صورة المرأة والرجل والأسرة في المخيال الجمعي. إن الحاجة اليوم ليست إلى رقابة تقليدية بقدر ما هي إلى نقد فني جاد، وحوار مجتمعي حول طبيعة الرسالة التي نريد لدرامانا أن تحملها: هل نريد دراما تعكس عمق المجتمع المغربي وتنوعه، وتناقش قضاياه بوعي ومسؤولية؟ أم نكتفي بأعمال تستثمر في الإثارة السريعة ولو على حساب المعنى والكرامة الرمزية للمؤسسات الاجتماعية؟ إن الارتقاء بالدراما لا يتحقق إلا عبر تعزيز الكتابة الرصينة، والبحث الاجتماعي الجاد، واحترام ذكاء المشاهد، حتى تظل الشاشة فضاء للإبداع الراقي، لا منصة لإعادة إنتاج الإسفاف واللامعنى.