مصاب بكورونا يلقي بنفسه من شرفة المستشفى    أندية محلية تتضامن مع اتحاد طنجة بعد تسجيل "24 إصابة جديدة بكورونا" بين مكوناته    بيرلو يدلي بأولى كلماته بعد تعيينه مدربا ليوفنتوس: "جاهز لهذه الفرصة الرائعة!"            رصد 1230 اصابة جديدة وتسجيل تعافي 1175 مريضا بكورونا    كورونا بالجهة : 144 حالة مؤكدة منها إصابة جديدة بإقليم العرائش    بالصور..المستشفى الميداني المغربي في لبنان يبدأ في تقديم خدماته لعلاج مصابي انفجار بيروت    ملك إسبانيا الهارب يقيم في أغلى فندق إماراتي بالعالم    ش.المحمدية ينقض على الصف الأول مستغلا سقطة الخاص بخنيفرة …    أولمبيك خريبكة يجري حصته التدريبية "الأخيرة" قبل التوجه يوم غد إلى البيضاء لملاقاة الوداد    صبري يكتب: هل يؤثر عدم "وضع الكمامة وعدم احترام تدابير حالة الطوارئ" في السجل العدلي للفاعل؟    العدالة والتنمية يطالب السلطات بتوضيح تدابير حالة الطوارئ الصحية في طنجة    على خلفية انفجار مرفأ بيروت..غضب اللبنانيين يتواصل    تجدد المواجهات في بيروت والضغوط تزداد على الحكومة بعد استقالة وزيرين إثر انفجار المرفأ    إنزال أمني مكثف بكورنيش مدينة طنجة    انتحار الكاتبة المغربية نعيمة البزاز    مؤتمر المانحين يتعهد بتقديم 250 مليون يورو كمساعدة للبنان    كورونا تضرب أتليتيكو مدريد قبل مواجهة لايبزيغ    العيون: إخضاع البحارة لفحوصات كوفيد-19 قبل عودتهم لمزاولة عملهم    سلطات تارودانت تقوم بحملة واسعة النطاق لتتبع مخالفي عدم ارتداء الكمامة    أولا بأول    "الفيسبوك" يطيح بمشرمل اعتدى على سائق سيارة أجرة    وزارة التربية الوطنية: لم يتم الحسم في اعتماد التعليم الحضوري أو عن بعد خلال الدخول المدرسي المقبل    الطقس المُتوقّع في المغرب غدا الاثنين    قرض وهبة بقيمة 701 مليون يورو.. ألمانيا تعزز دعمها لمشاريع الطاقة النظيفة في المغرب    "الشيطان في حضرة النساء" جديد البسطاوي    بيان حقيقة ما ورد في مقال تحت عنوان " عامل أزيلال يقاضي الرئيس السابق ل"آيت أمديس "    أنظمة التقاعد .. تحصيل ما يناهز 49 مليار درهم من المساهمات خلال 2019    تداعيات كورونا تدخل الاقتصاد الجزائري في دوامة الخطر    كوڤيد 19.. التوزيع الجغرافي للحالات المسجلة خلال ال24 ساعة الأخيرة    المركز الإستشفائي الجامعي بمراكش يرفض استقبال ممرضتين مصابتين بكورونا    شاهدوا.. تشييع جنازة السيدة التي توفيت بفيروس كورونا بالناظور    ڤيديوهات    أصحاب الوزرة البيضاء يعودون للاحتجاج    زيدان .. هل انتهى سحره بعد الإقصاء من بطولته المفضلة؟    الفنانة فأتي جمالي تؤكد خبر إصابتها بفيروس كورونا    كورونا تعصف ب 589 ألف منصب شغل    مداولة على "الأولى"    لقطات    رسميا..قانون الغرامة التصالحية لمخالفي الطوارئ الصحية يدخل حيز التنفيذ    الزيات يدعم "اتحاد طنجة" بعد رصد إصابات "كورونا" في صفوفه    ثروة مارك زوكربيرغ مؤسس "فيسبوك" تتخطى حاجز ال100 مليار دولار    حقيقة وفاة فيروز تزامنا مع احتجاجات لبنان    بعد وصفه ب"نذير شؤم".. "حسين الجسمي" يدخل في حالة اكتئاب    لطفي بوشناق يغني للتضامن مع لبنان    أولا بأول    انفجار مرفأ بيروت.. خبراء: خلف حفرة بعمق 43 مترا    تقرير: فيروس كورونا هو أحد أعراض الصراع المتزايد بين الإنسان والطبيعة    زوجة سفير هولندا بلبنان تفارق الحياة بسبب إنفجار بيروت    رغم أزمة كورونا.. مراكش ضمن قائمة أفضل 25 وجهة شعبية عالمية    البارصا يتجاوز عقبة نابولي و يصطدم ببايرن ميونيخ في ربع النهائي    نانسي عجرم تعلق على انفجار بيروت.." انتبهتوا تشيلوا جملة من أغنية..وما انتبهتوا تشيلوا 285 طن مواد متفجرة "    2000 درهم لأجراء القطاع السياحي إلى متم 2020    مشروع قانون أمريكي لحماية العرب الداعمين للسلام    فقيه يكشف مظاهر الأنانية التي تصاحب احتفالات عيد الأضحى بالمغرب    "باربي" تعلن ارتداء الحجاب!    مصطفى بوكرن يكتب: فلسفة القربان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الاسلوب هو الرجل
نشر في الجديدة 24 يوم 03 - 07 - 2020

لطالما تساءلت في طفولتي عن معناها بهذا المبنى، فارتباط كلمة " Style " بكلمة " Homme"، هي التي حيرتني حينها، إذ تساءلت بعفوية الطفولة لماذا لم تقترن كذلك بعبارة"Femme"؟ لماذا ارتبط الأسلوب بالرجل فقط ولم يرتبط بالمرأة؟
قمت ببعض البحث فوجدت بأن الكاتب الفرنسي جورج لويس المعروف ب " بوفون" استعملها في خطابه بالأكاديمية الفرنسية في 25 غشت 1753 وأضاف أن أول مواصفات الأسلوب هو الوضوح
" La première qualité du style, c'est la clarté"
وهناك من أشار إلى أنه استعمل عبارة humain وليس "homme"، أي أنه قال بأن الأسلوب هو الإنسان.
وعلى أي فإن من قالها وقرن كلمة الأسلوب بالرجل إنما قد اجتهد في البلاغة والتعبير وإلى حد يفوق في قيمتها ومعناها اقترانها بالإنسان، فكلمة الرجل في اللسان العربي تدل على فعل يصدر من الكائن الذي يتحرك ويجتهد ويعتمد على نفسه، ويبذل الجهد، وأنه يقال للإنسان (ذكرا أو أنثى) رجل اذا كان في شؤون حياته مجدا، فعالا، مسؤولا فالأنثى العاملة المنتجة هي رجل في معيشتها ويقال لها في لسان العرب" الرجلة"، ومن هنا اعتبروا ان كلمة رجل في مواضيع عديدة من السياق لا علاقة لها بنوع الانسان كذكر او أنثى وإنما ترتبط بوصف الانسان المجتهد المعتمد على نفسه ذا دور وأثر في حياته ولا تطلق على النكرة السلبي، الكسول، الإمعة، فكما يقال ليس كل ذكر رجلا ولا كل رجل ذكرا.
وأظن أن ما يزكي ذلك هو أنه سبحانه وتعالى عندما أراد التمييز بين النوع في الإنسان لم يقل رجلا أو امرأة وإنما استعمل عبارتي الذكر والأنثى، كما جاء في الآية 45 من سورة النجم { وانه خلق الزوجين الذكر والأنثى}، وعندما أراد التمييز بين الإنسان في الصفة والقيمة استعمل لفظ" رجل" فقد قال في محكم تنزيله في الآية 37 من سورة النور{ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تنقلب فيه القلوب والأبصار}، فالمفسرون هنا أعربوا كلمة رجال باعتبارها" اسم جنس جامد" يشمل الذكر والأنثى على السواء.
فكلمة الرجل تطلق على الذكر والأنثى في السياق الخاص الذي يراد منه استعمالها كصفة يتحلى بها الإنسان وليس بغرض التمييز بين النوعين، ففي لسان العرب أن الرجل بمعنى ترجل وتعني مشي الشخص على قدميه دون مساعد أو معين، ومنه اشتقت كلمة الرجولة ليس للتمييز بين الذكر والأنثى وإنما لإبراز معاني الاعتماد على النفس والاجتهاد في الوصول إلى الهدف والغاية والمسؤولية.
ومن هنا يتضح أن استعمال عبارة الأسلوب هو الرجل جاءت في أبلغ معانيها للدلالة على أن الأسلوب يختص به الذكر والأنثى كلما اجتمعت في أحدهما معاني الرجولة من مسؤولية واجتهاد وعمل وأخلاق وسلوك وكلمة طيبة وأثر طيب.
"فالأسلوب هو الرجل" عبارة اختصرت في عمقها فقرات طويلة من الشرح والتفسير للمقصود من الأسلوب الذي كتبت فيه مؤلفات وكتب ولم تستطع أن تحسم في تحليله.
فأسلوب الإنسان هو طريقة تفكيره وكلامه وكتابته وتعامله وعيشه ومذهبه في جميع أوجه الحياة مع خالقه ونفسه وغيره، مع الإنسان والجماد والحيوان، إنه ذلك الطفل الذي يزداد صغيرا وبرعايته يصير رجل وكهلا عاش كل تراكمات الحياة وتجاربها وأحداثها ووقائعها التي أثرت في شخصه وعقله وفكره ورسمت شخصيته. فالأسلوب هو الشخص نفسه، وعينه، هو تجسيد لعصارة فكره وفهمه واقتناعه وذبذبات وجدانه التي قد تترجم كلمة أو قولا أو سلوكا، لذلك يقال أسلوب كتابة، وأسلوب حديث، وأسلوب تعامل.
فالأسلوب هو ذوق صاحبه الذي لن ينال الرضى من الناس إلا إذا كان راقيا في طرحه وعرضه بأسلوب مختلف يميزه ولا يضيع في ردهاته المعنى والمغزى، يحظى باحترام العدو والصديق، والمثمن والناقد.
فالأفكار والمقترحات والأفعال وغيرها هي شحنة مشتركة بين الإنسان، إلا أن الأسلوب هو الذي يميزها وينقلها من العمومية إلى الخصوصية، فتصبح بأسلوبها الخاص، خاصة بقائلها وفاعلها وكاتبها، تعيش معه وتحيا في مماته، لذلك قال الدكتور علي الحمادي أن " لكل إنسان وجود وأثر... ووجوده لا يغني عن أثره، ولكن أثره يدل على قيمة وجوده".
فأسلوبك هو أنت ستوصف به وتقيم وتوزن به، فهو صورتك وصوتك وروحك ودمك، فهو سيرتك التي تبقى أطول من العمر، فمهما طالت حياتنا يوما ما سنرحل لكن سيرتنا باقية بقاء أثرنا وعارفينا، فلنحرص على بناء سيرتنا بخطوات وإن كانت بطيئة فلتكن ثابتة لأن السيرة الحسنة كما يقول ويليام شكسبير" كشجرة الزيتون لا تنمو سريعا ولكنها تعيش طويلا".
فلا ينبغي الاستخفاف بأهمية الأسلوب في تجسيد الفكرة، فهو الذي يظهر قيمتها وهو الذي يحط منها، فأسلوب معالجتها هو الذي قد يسيء إلى جماليتها وقوتها وصحتها أو يجعلها في حلة ترفع متلقيها وصاحبها إلى قمم الواقع والخيال، فكما قال المفكر الفرنسي فلوبير: "العناية الدقيقة بالعبارة سبيل إلى إجادة التفكير وإحسان التخيل" علما بأن لكل موضوع أسلوبه ومفاهيمه وقواعده، ولكل قائل وكاتب أسلوبه الخاص في التعبير والتعامل والحديث، والصمت والكلام، والحركة والسكون، مع شخص ونفسه وعدوه وحبيبه.
والأسلوب يا سادة لا يرتبط فقط بالتعبير والكتابة، وإنما هو: أسلوب قول وحديث وكتابة وتعبير وتعامل وأخلاق وحياة وسلوك، فلكل أسلوبه الخاص به في كل هذه الأوجه الذي تتحكم في رسمه ظروفه وتربيته ودراسته، ومحيطه وحياته وتجاربه، فتتراكم كلها لترسم له خارطة حياة يشب ويشيب عليها.
الأسلوب قول وكتابة
قال تعالى في الآية 24 من سورة السماء {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء}.
فقولك وكلمتك هي أسلوب ليعرفك الناس، فمتى تحدث الإنسان عرفه الآخر، ومتى صمت ظل غامضا. لذلك قال الفيلسوف سقراط" تكلم حتى أراك"، فقولك مباشرة أو كتابة هو عنوان حقيقتك وهويتك الذي يجعلك مختلفا عن غيرك.
والاختلاف هو ما يميز الأسلوب، فقد تكون للمتحدث أو الكاتب أفكار جميلة وزاد من المعلومات والمعارف القيمة، إلا أن أسلوبه يخونه فلا يستطيع أن يرقى في طرحها إلى جمالية مضمونها، فيجعلها فكرة عادية أو أشبه بالميتة، سواء بتبخيس أهميتها لفظا في وصفها أو تحليلا في استيعابها وإدراكها، فالمفكر والكاتب، وإن كانت أفكاره ترجمة لاقتناعه، إلا أنه قد لا يكتب لنفسه فقط وإنما للناس، فحتى مذكراته الخاصة قد يقرأها غيره عند مماته.
فأسلوب القائل أو الكاتب ينبغي أن يفهمه الحاضر منهم وغائبهم، لذلك قيل بأن "الناس يتكلمون ليفهم الشاهد، ويكتبون ليفهم الغائب"، فلا قيمة لكاتب وقائل من دون قارئ ومتلقي، ولن يفهم الحاضر أو الغائب ما لم يتوخى صاحب الأسلوب اختيار عباراته بدقة، تلك العبارات التي تخرج معتقدات وآراء صاحبها من عالم الصمت والسكون الى عالم الحركة، من حياة الممات إلى حياة الحياة.
لا أقول له كن عقادا، أو توفيق الحكيم أو يوسف السباعي، أو طه حسين أو نجيب محفوظ أو إحسان عبد القدوس، أو المنفلوطي أو غيرهم، لا أقول له أن الأسلوب هو البلاغة، وإنما البلاغة نوع من الأسلوب، بل اقول له أن أحسن الكلام ما صدق فيه قائله وانتفع به سامعه، فما خرج من القلب يصل إلى القلب، فليس بين القلوب إذن ولا رسول، أما القول المحكم إنما هو القرآن الكريم فقط أما قول الإنسان وكتابته من المستحيل أن لا تصحح فكل كاتب أو قائل إلا وتمنى لو غير ما سبق له كتابته وقوله، وفي هذا قال الشاعر:
كم من كتاب قد تصفحته **** وقلت في نفسي أصلحته
حتى إذا طالعته ثانيا **** وجدت تصحيفا فصححته
فالكتابة تعبير نسبي يخص صاحبه وينتفع منه هو وغيره كلما كان فيه من الفائدة ما لا ينكر، وإن أنكره البعض لأنه لم يجد فيه متعته، فاختلاف أسلوب العرض والتلقي مسلمه بين الأشخاص، فرضه اختلاف ذوات الأشخاص التي لا يمكن لذات أحدهما أن تنصهر في ذات الآخر، فالتوافق والانسجام في الأمور كلها بين اثنين ليس بالأمر المطلق، حتى في الحب فتوهم بعض المحبين بانسجامهم التام يبقى وهما يكشفه العيش والمعاشرة، فتظهر العيوب التي أخفتها أشعة الشمس اللاهبة، فلكل ذاته التي تميزه عن غيره في التفاصيل والجزئيات.
فقد تختلف عن الناس في أسلوبك لكنك قد تصل إليهم بأسلوبك، فهو مفتاحك لعقل البشرية، فمتى كان طرح الأفكار عن إيمان وتصديق بها واقتناع بها، كلما وصلت الرسالة المتوخاة منها بأسلوب أنيق، بليغ، مؤثر، فكما يقول المثل الإنجليزي أن " الطائر يعرف من تغريدته، والرجل من كلامه".
فاختيارك للكلمة تجعلها تتحدث عنك في غيابك، فالقول الحسن يجذب القلوب والعقول وقد أوصى به الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، في الآية 53 من سوره الإسراء {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ان الشيطان ينزغ بينكم}، وقد قيل أن" بائع العسل سأل بائع الخل، لماذا يقبل عليك الناس ويدبرون عني، فأجابه: لأني أبيع الخل بلسان من عسل، وأنت تبيع العسل بلسان من خل".
فأول الحرب كلمة، وأول الخصام والعداء كلمة، وكل إناء بما فيه ينضح، فمتى كانت طيبة تركت أثرا طيبا، ومتى كانت فظة جعلتك منبوذا مكروها متروكا، فقد قال تعالى في الآية 159 من سوره ال عمران {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}، فأسلوب طرح الموضوع والحديث والكلمة هو الذي يحكم على كيفية تلقيها، فكما قال ونستون تشرشل:" نحن سادة كلمات لم تنطق، ولكننا عبيد تلك التي تركنا ألسنتنا تزل بها، وأن الأسلوب دائما هو الذي يجعلنا نكمل الحديث مع أحدهم أو نتجنبه تماما".
فالكلمة رسالة من صاحبها إلى الناس أو إلى فئة منهم بحسب موضوعها، فليختر صاحبها أسلوبا مناسبا في طرحها في احترام تام للجميع دون إهانة أو مذلة أو تنقيص، أو غطرسة أو نبرة صوت غليظة، فقد قال الفيلسوف الألماني نيتشه" كثيرا ما نرفض فكرة ما لمجرد ان النبرة التي قيلت بها تثير النفور". والأسلوب ما لم يكن موزونا، رصينا، حكيما في مضمونه، فإنه لن يبرح فاه صاحبه أو قلمه، إذ لا بد لصاحبه من رصيد علمي ومعرفي، ولابد له من بناءه بتجاربه، المتراكمة في الحياة بحلوها ومرها والعلم هو شحنة الكلمات ومنبع المفردات والأفكار والحكم فتثقيف النفس بالعلم والخبرة والتجارب هو الزاد لتحديد الأسلوب الخاص بكل فرد يصقله بموهبة تجعله متميزا.
وفي العلم قال إمامنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه" المال تحرسه أنت، أما العلم فيحرسك"، فهي حكمة عميقة تنم عن ارتباط العلم بصاحبه وبقائه ما بقي، فهو ليس كالمال إذا أغفلت عنه ولم تحرصه ضاع واندثر، أما العلم الذي نهلته، فاغفل عنه ما غفلت، وابتعد عنه ما ابتعدت، وتجاهله كما شئت فإنه يحرسك ولصيقك الى اللحد، فمتى احتجته تفاجئت به يمطرك بغزارة في وقت ظننت أنك نسيته، إلا أنه لم ينساك، فتجده قد رفعك بين الخلق عند جلوسك فكما قيل" لباسك يرفعك قبل جلوسك وعلمك يرفعك بعده".
والعلم ليس له حدود أو نهاية، فكما قال الإمام علي بن أبي طالب" كل شيء يضيق بما فيه إلا وعاء العلم فهو يتسع"، فكلما تعلمت شيئا ظهرت لك أشياء كثيرة لتتعلمها، فالعلم ينمو ولا يموت أو يقل، لذلك ليكن أسلوب الشخص في العلم هو تجنب الغرور في العلم لأنه فوق كل ذي علم عليم، وأنه يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، فليطلع الإنسان ما استطاع على كل ممكن الاطلاع عليه، فما لم ينفعه في حاضره قد ينفعه في مستقبله، فكل التراكمات الإيجابية منها والسلبية تبني الشخصية الإنسانية وتؤثر فيها وتكون لدى صاحبها بذلك أسلوبا متميزا، فالأسلوب كما قال الفيلسوف سينيكا هو لباس الفكر.
الأسلوب سلوك وتعامل:
إن الأسلوب هو الذي يترجم حقيقة الإنسان ويكشف عن ذاتيته وأسراره ومكنوناته وسلوكه، ويتحدث عنه في حضوره وغيابه، فالسلوك الخلوق، الجميل الطيب، كأسلوب لصاحبه هو مفتاحه لقلوب وعقول الناس، والتعامل هو أساس الدين فإنما الدين معاملة.
وحسن التعامل ينبغي أن يكون مع الجميع دون تمييز بين الوزير والغفير أو الغني والفقير، فكما قال الملاكم المعروف محمد علي كلاي" لا أثق في شخص لطيف معي وقح مع النادل، لأنه كان سيعاملني نفس المعاملة لو كنت مكانه"، فالمعاملة الطيبة كما يقول فيكتور هيغو هي جواز مرور إلى قلوب الآخرين، ففن التعامل مع الناس كما يقول تيودور روزفلت هو اهم عنصر في معادله النجاح.
والتواضع أسلوب معاملة" فمن تواضع لله رفعه" كما قال رسول الله الكريم، ولطالما ذكرنا معلمونا منذ طفولتنا بأن "ملء سنابل تنحني تواضعا والفارغات رؤوسهن شوامخ" فلا يتواضع إلا كبير ولا يتكبر إلا حقير وناقص.
والقيادة والمسؤولية أسلوب معاملة، فالجرأة والعمل والإبداع والإشراف والتسيير والتخطيط هو أسلوب تعامل في اتخاذ المبادرة الحسنة كقيادي مسؤول في أي موقع من مواقع القيادة سواء كرب الأسرة أو العمل وغيره، فلا بد من القدرة على تحدي عراقيل الحياة واتخاذ القرارات والسيطرة على المشكلات بشجاعة القيادي، فكما قال القائد الفرنسي نابليون بونابارت " جيش من الأرانب يقوده أسد، أفضل من جيش أسود يقوده أرنب".
واحترام الناس أسلوب قد يجعل العدو منهم حبيبا والغريب قريبا، فقد قال سبحانه وتعالى في الآية 34 من سورة فصلت {و لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}، فمجرد تبسمك في وجه أخيك صدقة كما قال الرسول الكريم، وشق الطريق بابتسامة خير من شقها بالسيف كما يقول شكسبير" فتقديرك للناس وارتقائك بأسلوبك من دون قدح أو جرح أو إساءة، لكفيل بأن يزرع حبك في قلوبهم، أما الإهانة فلا تموت لأنه يلثم ما جرح السنان ولا يلثم ما جرح اللسان.
فمتى كان أسلوب التعامل حميدا ترك أثرا طيبا، فالأثر الطيب هو ثمار العيش وإرث الحياة التي وإن لم يتمتع بها صاحبها في حياته، فحتما سيجني ثمارها غيره، لذلك قيل في حكمة عميقة "غرسوا فأكلنا... ونغرس فيأكلون" فهو كالمتعطر بقى عطره في ثيابه رغم خلعها، وفي مجلسه رغم مغادرته.
فأسلوب تعاملك هو الذي قد يجمع الناس حولك حبا أو قد يبعدهم عنك كرها، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بجنازة فقال" مستريح ومستراح منه" فقالوا يا رسول الله: ما المستريح والمستراح منه؟ قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها الى رحمة الله والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب"، فليختر الإنسان بأسلوبه وتعامله ماذا يريد أن يكون مستريحا أو مستراحا منه".
فالأولى أن يرسم الانسان بأسلوبه حياة راحة له بين الخلق بأخلاق كريمة، وأجملها أخلاق القرآن، فقد كان محمد رسول الله خلقه القرآن، حتى قالت فيه السيدة عائشة أم المؤمنين لقد كان قرآنا يتمشى، فالمحسن حي حتى وإن نقل إلى منازل الأموات، ومن الأفضل للإنسان أن يكون " غيثا إذا أقبل استبشر به الناس وإن رحل ظل أثره فيهم".
"فليست العبرة أن تضيف سنوات إلى حياتك لكن العبرة أن تضيف حياة إلى سنواتك".
فاختر أسلوب تعاملك مع الناس واحذر أن يكون بالمثل متى كان سلبا، لأن ذلك لن يزيد الأمر سوى تعقيدا، فكما قيل فرجال الإطفاء لا يطفئون النار بالنار، وإلا ازدادت نارا التهمت اليابس والأخضر ولربما احترق بها كل شيء حتى صاحبها.
فتعاملك ينبغي أن يكون وليد تربيتك وأخلاقك لا وليد تصرفات غيرك ولربما بحلمك غيرت في الناس بأسلوبك ما لم تغيره فيهم السنون، فقد سئل حكيم لماذا تحسن لمن أساء إليك؟ وتصل من يقاطعك؟ فقال لأني بالإحسان أجعل حياتهم أفضل ويومي اجمل ومبادئي أقوى وروحي أنقى ونفسي أصفى وأترك أثرا طيبا لمن بعدي" .
والأسلوب هو حب الخير للجميع لا العمل بفكرة" أنا ومن بعدي الطوفان"، فلا " يكون المؤمن مؤمنا حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه" كما قال الرسول الكريم، فإن كانت نملة أعطت القدوة والعبرة والمثال في حب الخير للغير قبل نفسها فكيف بالإنسان ذي عقل وفكر وقلب فقد قال سبحانه وتعالى في الآية 18 من سوره النمل{ حتى إذا اتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} ، فقد آثرت النملة على نفسها وقدمت التحذير لغيرها لاتقاء الخطر والتحطيم فسعت الى حماية عشيرتها قبل حماية نفسها.
والتواضع أسلوب كذلك فمن تواضع لله رفعه، والتواضع سلوك محمود والغرور سلوك مذموم، فالمغرور كالطائر كلما ارتفع في السماء كلما صغر في أعين الناس، وقد أشار الله في آية بليغة إلى ضعف المغرور عندما خاطبه في الآية 30 من سورة الاسراء {لا تمشي في الارض مرحا إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا} لذلك رحم الله من عرف قدره وجلس دونه.
والأسلوب أمل وإرادة وعزيمة تنبع من داخل صاحبها لتدفعه إلى العطاء مواجها كل الأزمات التي لن تكون له إلا ركيزة وسندا، فكما قال مرسيه الفرنسي أن" الإنسان لن يكون عظيما إلا بألم عظيم"، " فحتى عاهاتنا ينبغي أن تساعدنا على النجاح" كما قال بتهوفن.
والأسلوب إتقان، فالممارسة فن وجودة، وبالجهد والاجتهاد والنضج الفكري المستوعب للمهارات والقدرات والمكاسب، يستطيع الإنسان إنتاج أسلوب حضاري متقن" فرحم الله من عمل عملا فأتقنه" كما قال رسول الله الكريم، فبذلك ينتقل صاحبه من ذي الأسلوب المستهلك إلى الأسلوب المتميز المنتج، يتحول من شخصية مستهلكة لما يقدمه الآخرين فقط إلى اخرى متميزة، منتجة قادرة على النقاش والنقد البناء.
والأسلوب فن إصغاء وإنصات وليس فقط فن كلام وكتابة، فهو فن نقاش وعدم تعصب للرأي، فقد قال في ذلك الإمام الشافعي رحمه الله "ما جادلت أحدا إلا تمنيت، أن يظهر الله الحق على لسانه دوني".
إذن فمسك الختام هو أن الأسلوب هو الرجل، في قوله وكلمته وسلوكه.
ذ/ سعيد بوطويل / دكتور في القانون


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.