العرائش أنفو سعيد ودغيري حسني رغمَ المرض والتوتر والاستعدادِ لإجراءِ عمليةٍ جراحيةٍ قريباً ارتأيتُ أن أكتبَ وأخطَّ ما يُخالِجُني وأنا أتتبّعُ الحربَ الإسرائيليةَ الإيرانيةَالأمريكية من زوايا مختلفة أكتبُ لأنَّ الجسدَ حين يضعف تستيقظُ الروحُ أكثر وأكتبُ لأنَّ القلبَ وهو ينتظرُ مشرطَ الجرّاح يصيرُ أكثرَ شفافيةً وأشدَّ إنصاتاً لنبضِ العالم أراقبُ الخرائطَ كأنها شرايينُ متوترة يمرُّ فيها النفطُ كما يمرُّ الدمُ في عروقِ الكوكب أسمعُ أسماءَ الدول فتبدو لي كنجومٍ متقابلة تتوهّجُ بالخوفِ أكثرَ مما تتوهّجُ بالقوة إسرائيل قلقٌ وجوديٌّ يبحثُ عن أمانٍ لا ينام إيران ذاكرةُ حصارٍ وصوتُ تاريخٍ طويلٍ لا يريدُ أن ينحني الولاياتالمتحدة قوةٌ تمشي على حافةِ العالم تحرسُ مصالحَها وتخشى أفولَ شمسِها وفي الخلفِ روسيا تبتسمُ نصفَ ابتسامةٍ وتحسبُ الريح والصين تُحصي الموانئَ والمعادنَ النادرة وتُفكّرُ في قرنٍ كاملٍ لا في معركةٍ عابرة أما أنا فبين جهازِ قياسِ الضغط ونشرةِ الأخبار أشعرُ أن العالمَ يشبهُ جسدي توترٌ مزمن عضلاتٌ مشدودة وأعصابٌ لا تنام كأن الإنسانيةَ كلَّها تستعدُّ لعمليةٍ جراحيةٍ كبرى لا أحدَ يعرفُ هل ستكونُ شفاءً أم ندبةً جديدةً في وجهِ التاريخ المضائقُ تختنق السفنُ تمضي بحذر والنفطُ يرتجفُ في خزاناته كأنَّه يعرفُ أن شرارةً واحدة تكفي لكنّني رغم خوفي الإنسانيِّ الصغير ورغم ارتباكِ القلبِ أرى ما هو أبعدُ من الدخان أرى تعبَ البشر من الحرب أرى الأمهاتِ وهنَّ لا يهتممنَ بمن ربحَ الجولة بل بمن عادَ حيّاً أرى الجنودَ وهم يتشابهونَ في الخوفِ مهما اختلفتِ الرايات وأدركُ أن الضجيجَ العالي يُخفي هشاشةً عميقة فالقوةُ مهما تعاظمت تبقى قلقة والسلاحُ مهما تطوّر لا يمنحُ طمأنينةً دائمة العالمُ اليوم لا يعيشُ حرباً فقط بل يعيشُ قلقَ المعنى قلقَ المستقبل قلقَ المكانة قلقَ السقوط وأنا أنتظرُ سريري الأبيض في غرفةِ العمليات أفكّرُ أن الجسدَ حين يمرضُ لا يحتاجُ إلى حربٍ داخلَه بل إلى مصالحة فهل يتعلّمُ العالمُ ما تعلّمتُه من ضعفي؟ أن النجاةَ ليست في كسرِ الآخر بل في شفاءِ الذات وأن الإنسانيةَ مهما طال توترُها ستبحثُ في النهاية عن قلبٍ سليم لا عن سيفٍ أطول وسأدخلُ عمليتي وأنا أؤمنُ أن خلفَ هذا الضجيجِ الكونيِّ نبضاً خافتاً يريدُ الحياة كما أريدها أنا…