رواية جديدة للروائية الجزائرية مريم نيرمان نومار، الصادرة سنة 2025 عن مؤسسة سيكدف (SecDev Foundation) كندا. إنها رواية تغوص في عالم الناشئة، عالم الرقمية، عالم الهواتف الذكية، ومساءلة الذكاء الاصطناعي. فبعد روايتها "حب من أول نقرة" سنة 2016، و"الشيفرة المفقودة" سنة 2023، تأتي روايتها "ظلال رقمية" لتصب في نفس المسار: عالم التكنولوجيا وتغلغل هذه التقنية في حياة الناشئة حتى الإدمان. في روايتها "ظلال رقمية"، تعالج نيرمان موضوع الرقمنة من زاوية جديدة، حيث تغوص في عالم الشباب المدمن على التكنولوجيا ومخلفات هذا الإدمان ومخاطره ومشكلاته، التي يصبح معها المبحرُ الغرُّ في هذه العوالم غير قادر على التفريق بين الافتراضي والواقعي. لقد اختارت الروائية نيرمان استعمال اللغة المتداولة في أوساط هذه الفئة العمرية، وتوظيف الرموز والإشارات والمصطلحات الرائجة بين هذه الفئات من الشباب في أدوات التواصل الرقمي، مثل: إيموجي خجول، أو إيموجي مبتسم، أو القلوب، أو الفلتر، أو التنمر. فمن خلال هذه الاستعمالات اللغوية الإلكترونية، تقترب الرواية من مفاهيم هذا الجيل، تماشياً مع المستجدات التي يفرضها استعمال هذه التقنيات التي هي في حركة تطوير مستمر وسريع. فالخطاب الذي تتبناه مريم نيرمان في أعمالها الروائية هو النظرة إلى هذه الوسائل وإمكانياتها المتاحة للتواصل كضرورات حداثة يمكن الاستفادة منها، لكن في نفس الوقت يجب التعامل معها بحذر شديد، حتى يكون المستعمل لها واعياً بالفرق بين ما هو واقعي وما هو افتراضي. إن روايات مريم نيرمان، كدكتورة وأستاذة محاضرة متخصصة في الإعلام وتكنولوجيا الاتصال الحديثة في جامعة مدينة باتنة في جبال الأوراس شمال شرق الجزائر، هي امتداد وتفعيل لدراساتها حول العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وخاصة دراساتها العديدة حول علاقة المرأة الجزائرية بالتكنولوجيا. فقد أصدرت العديد من الدراسات في هذا المجال، من بينها مؤلف "الدراما الاجتماعية والمرأة في الفضاء الافتراضي 2021، دراسة في تمثلات الذات عبر مواقع شبكات الانترنيت"، إلى جانب العديد من المقالات العلمية في مجال تخصصها الصادرة في مجلات دولية علمية، ويعكس اهتمامها المتواصل بعالم التكنولوجيا والشباب وخاصة المرأة وتعاملها مع هذا المجال. في رواية "ظلال رقمية" تمثل شخوصها خيوط أحداث تتشابك وتتداخل فيما بينها، مكونة صورة تتراوح بين الواقعي والافتراضي، بل بدرجة يصبح من غير الممكن الفصل بينهما، فهما محكومان بزمن ينتهي بسرعة ويخلف ظلاله على مجريات الأحداث. إحدى الشخصيات المكونة لمحور الرواية هي جوري، التي تعيش مشكلة ملامح وجهها، وهي مشكلة مصيرية بالنسبة لها. فعدم الرضى عن شكلها، الذي تعبر عنه صورة وجهها والتي تتقاسمها مع المشاركين معها في صفحتها على الانترنيت وفي الحوارات الإلكترونية، يدفعها إلى استعمال الفلتر لإخفاء ملامح وجهها أو تغييرها، ما يدفعها في النهاية، كعُمق لعدم الرضى عن صورتها وشكلها العام، إلى خلق شخصية "جوليا جولي" الوهمية لتستتر خلفها ولتثير موجة من الفضول والبحث عن فك شفرة هذه الشخصة المنتحلة ومن يقف خلفها. أما الشخصية المحورية الثانية فهي ليلى، صديقة جوري، التي تصبح ضحية الانترنيت، ضحية شخص "عماد" الذي أحبته عن بعد ومنحته ثقتها وأفشت له كل أسرارها، فبدأ يبتزها ويهددها بنشر كل أسرارها للعالم، ما دفعها إلى محاولة الانتحار، بعد أن يئست من إيجاد حل للخروج من ورطتها العاطفية الذاتية. غير أن تضامن صديقتها جوري، التي كانت بينهما عداوة بسبب نشر ليلى لصورة جوري دون إذنها، جعل الشرطة تصل إلى مكان اختفائها وإنقاذها من الموت والوصول إلى مستغلها عماد. فرواية "ظلال رقمية"، علاوة على طرحها قضايا الشباب، فهي تتطرق في ذات الوقت إلى صراع الأجيال، ودائماً في خانة ما هو إلكتروني: "لماذا يعتبروننا دائمًا كسالى ولا نفعل شيئًا سوى استخدام هواتفنا؟ وكأن الجيل السابق كان مشغولاً بالاختراعات والاكتشافات!". ضحكت ليلى وقالت: "وكأنهم لا يقضون وقتهم الآن على الفيسبوك والواتساب. نحن فقط نستخدم تطبيقات مختلفة، هذا هو الفرق!" "لكنهم حرفيًا لا يفهمون كيف نستخدمها لأشياء مهمة أيضًا. نتعلم، نتواصل، حتى نقوم بمشاريع. لكن كل ما يرونه هو أننا جيل الهواتف، ولا نعرف كيف نعيش بدونها." لقد عكست رواية "ظلال رقمية" اهتمام مريم نيرمان الكبير بهذا الجيل من مستخدمي الانترنيت وبما يشغلهم وما يمكن أن ينتج عن ذلك من إشكالات، وكل ذلك بعيداً عن اللغة التعليمية والخطاب التقريري، فقط من خلال تحويل هذا الاهتمام ودراسة علاقة هذه الفئة العمرية بعالم الانترنيت إلى مشاهد حية في الرواية، أو بالأحرى إعطاء نماذج حية مفعمة بالمواقف والانفعالات والحوارات التي تقترب أكثر من عوالم هذه الفئة من الشباب، بأسلوب قريب من نمط تفكيرهم، وبلغة ليست بغريبة عنهم فقط، بل بلغتهم وطرق تعبيراتهم اليومية، حتى وإن كانت الرواية في خاتمتها قد خصصت "مساحة خاصة" لمنح نصائح وإرشادات لمستعملي الانترنيت من الشباب، وما يمكن أن تكلفهم نقرة واحدة من معاناة، وما يمكن أن ينتج عنها من مخلفات غير مطمئنة ومشاكل عميقة. وكل هذه النصائح مصحوبة بعلامات وصور تمثل الإشارات التعبيرية المختزلة للتواصل الإلكتروني. غير أن الرواية، في سياقها الأدبي العام وأسلوب تعاملها مع الواقع الاجتماعي، لا توحي بأنها رواية طالعة من وسط جزائري، بقدر ما توهم بأنها رواية أجنبية بعيدة عن هذا المجتمع وهذا الوسط. فلا حديث فيها عن دراسة هؤلاء الشباب، ولا عن علاقتهم بالمدرسة أو الدروس المنزلية، ولا العلاقات الاجتماعية، فقط عالم الانترنيت والهاتف، كأنه عالم مغلق يحلق فوق المجتمع الجزائري جغرافياً واجتماعياً، باستثناء إشارة في عبارة: "في ذلك الصباح، عصفت رياح قوية قادمة من جبال الأوراس، ومعها شعرت جوري بقطرات المطر وهي تطرق زجاج النافذة كما لو أنها تداعبها بأظافرها." فكلمة "جبال الأوراس" هي الكلمة التي تحيلنا كقراء إلى أن الرواية تدور أحداثها في الجزائر. لكن في النهاية، للرواية تميز من ناحية اقتحامها عوالم قريبة منا وبعيدة عنا في نفس الوقت، عوالم مبنية على السرعة في التعبير والتطور، ومسايرتها يحتاج إلى شجاعة في الطرح والتحليل، بل إدراك نفسية هذه الفئة العمرية وعلاقتها السيكولوجية بعالم الانترنيت، والبعد التعبيري الإلكتروني في خلق إمكانية التواصل والتجاوب.