بلال الخنوس يحرز هدفين أوروبيين    النيابة العامة تؤكد فرضية انتحار "ضيف" الفرقة الوطنية.. ووالداه يشككان في الرواية ويطالبان بكشف ملابسات القضية    إطلاق سراح الأمير أندرو بعد ساعات من التحقيق.. والملك يؤكد أن "القانون يجب أن يأخذ مجراه"    تشريح يؤكد وفاة بالقفز من مقر BNPJ    بنسعيد يعلن اعتماد صيغة جديدة لدعم المقاولات الصحفية    دعم أمني وطبي.. المغرب ينخرط عملياً في تثبيت الاستقرار بغزة        نصائح ابن حزم في "طوق الحمامة" للعشاق وحكاية ابن السراج والفاتنة شريفة        المجلس الوطني لحقوق الإنسان: تدبير فيضانات الغرب واللوكوس يؤسس لنموذج مغربي في مجال الجاهزية الاستباقية في تدبير الأزمات والكوارث الطبيعية    مطلب برلماني لوزارة الداخلية بتعويض متضرري فيضانات الحسيمة    الحكومة تصادق على تعيين بنحيون عميدًا لكلية الآداب بتطوان    إحباط محاولة تهريب أقراص مهلوسة إلى المغرب عبر سبتة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة    أحكام بسجن المشجعين السنغاليين في المغرب بين ثلاثة أشهر وسنة    أمريكا تمنح 10 مليارات لمجلس السلم    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولات بأداء إيجابي    عن القلوب التي تواسي بلا حدود أو قيود    تقرير إسباني: ميناء طنجة المتوسط غيّر خريطة الموانئ في مضيق جبل طارق        الزلزولي: "أنصار ريال بيتيس الأفضل في "الليغا" ويذكرونني بجماهير المنتخب المغربي"    ليلى شهيد.. رحيل امرأة استثنائية    الذهب يرتفع مع تزايد التوتر بين أمريكا وإيران وترقب بيانات تضخم أمريكية    عمالة إقليم العرائش .. كافة سكان مدينة القصر الكبير يمكنهم العودة إلى منازلهم ابتداء من اليوم الخميس    مكتب الصرف يطارد استثمارات "مخفية" لرجال أعمال مغاربة في الخارج    وزارة الأوقاف تحدد موعد قرعة الحج        انطلاق عملية الإحصاء الخاص بالخدمة العسكرية بداية مارس المقبل    وزارة الأوقاف تعلن مواعيد قرعة الحج لموسم 1448ه وإعلان اللوائح النهائية    "الكونفدرالية" ترفض الإصلاح الحكومي الأحادي لأنظمة التقاعد وتحذر من المساس بمكتسبات الأجراء    نقابات الصيادلة تندد ب"الإقصاء" ومجلس المنافسة يؤكد شرعية إصلاح القطاع    شنغن تتجه لتمديد التأشيرات لأكثر من خمس سنوات    استيراد أبقار إضافية يعزز تموين السوق باللحوم الحمراء في شهر رمضان        بنزيما: "شهر رمضان يمنحني التركيز والتألق"    المغرب يجمع منتخبات إفريقيا وآسيا في دورة دولية ودّية بالرباط والدار البيضاء    آيت منا يراهن على جمهور الوداد لاقتحام دائرة أنفا بالدار البيضاء    إنفوجرافيك | 5780 شخصًا.. ماذا نعرف عن الموقوفين على خلفية حراك "جيل زد 212"؟    عمدة واشنطن تعلن عن حالة طوارئ بعد تسرب مياه للصرف الصحي في نهر "بوتوماك"    ملحق أبطال أوروبا.. إنتر يسقط في فخ بودو وأتلتيكو يتعثر ونيوكاسل يكتسح    سامي: الأسرة أساس تناقل الأمازيغية    ليلى شهيد.. شعلة فلسطين المضيئة في أوروبا تنطفئ إلى الأبد    ارتفاع الإيرادات الضريبية في المغرب إلى 291 مليار درهم ما بين 2021 و2025 وحصتها ناهزت 24.6% من الناتج الداخلي الخام    رئيس وزراء إسرائيل الأسبق: تركيا باتت تمثل "إيراناً جديدة" في المنطقة تقود "محورا سٌنيّا" ضد إسرائيل    "مجزرة ضرائب" أم "سلّة إنقاذ"؟ قرارات الحكومة اللبنانية تحرك الشارع    السيناتور الأمريكي غراهام يهاجم السعودية ويقول إن "حربها" مع الإمارات بسبب تطبيعها مع إسرائيل    وفاة المدافع عن "حقوق السود" جيسي جاكسون    لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في رمضان؟    متى ندرك المعنى الحقيقي للصوم؟    من الإفطار إلى السحور .. نصائح لصيام شهر رمضان بلا إرهاق أو جفاف    في حفل مؤثر أربعينية الحسين برحو بخنيفرة تستحضر مساره في الإعلام السمعي الأمازيغي وخدمة السياحة والرياضات الجبلية    المتحف محمد السادس بالرباط يحتضن تأملات يونس رحمون... من الحبة إلى الشجرة فالزهرة    إمام مسجد سعد بن أبي وقاص بالجديدة ينتقل إلى فرنسا خلال رمضان 1447ه    وفاة الدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد في فرنسا عن 76 عاماً... صوت القضية الفلسطينية الناعم في أوروبا    إشبيلية .. مركز الذاكرة المشتركة يتوج بجائزة الالتزام الدولي ضمن جوائز إميليو كاستيلار    مخرجة فيلم "صوت هند رجب" ترفض جائزة مهرجان برلين وتتركها في مكانها "تذكيراً بالدم لا تكريماً للفن"    القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأسرة بين الضوابط الشرعية والمستجدات القانونية والاجتماعية.. موضوع ندوة علمية بكلية الآداب بالجديدة
نشر في الجديدة 24 يوم 27 - 03 - 2025

في إطار أنشطته العلمية، نظم مختبر الدراسات الإسلامية والأنساق المعرفية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة شعيب الدكالي، يوم الخميس 20 مارس 2025، الموافق ل 19 رمضان 1446ه، ندوة وطنية تحت عنوان "الأسرة بين الضوابط الشرعية والمستجدات القانونية والاجتماعية"، وذلك بمدرج الدكتوراه. هذه الندوة شهدت حضورا متميزا من طلبة الدراسات الإسلامية في مختلف الأسلاك (إجازة، وماستر، ودكتوراه)، بالإضافة إلى باحثين ومهتمين بقضايا الأسرة.
توزعت أشغال الندوة على جلستين علميتين، ترأس الأولى الدكتور عبد الرحمان السايب، مدير المختبر، فيما أشرف على الثانية الدكتور علي زروقي، منسق الندوة. وناقش المشاركون قضايا الأسرة من منظور شرعي وقانوني واجتماعي، بالنظر إلى أهميتها البالغة في السياقين الأكاديمي والمجتمعي.
الجلسة الافتتاحية:
افتتحت الندوة بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، تلاها ترحيب الدكتور عبد الرحمان السايب بالحضور، حيث عبر عن امتنانه للأساتذة والباحثين المشاركين. وأكد في كلمته أن موضوع الأسرة يشكل ركيزة أساسية في بناء المجتمعات، إذ توفر البيئة الأسرية الطمأنينة والدعم العاطفي والاجتماعي للأفراد، فضلا عن دورها الجوهري في ترسيخ القيم والهوية، وضمان استقرار المجتمع وتنميته. كما أشار إلى أن هذه الندوة تأتي في سياق النقاشات الوطنية الجارية حول قضايا الأسرة، وتعزيز التفاعل مع المستجدات الاجتماعية والقانونية.
من جانبه، وصف الدكتور فؤاد بلمودن، رئيس شعبة الدراسات الإسلامية، الندوة بالمائدة العلمية المنعقدة في أجواء رمضانية مفعمة بالروحانية والنقاش الهادف. وأشاد بدور المختبر في تنظيم فعاليات تناقش قضايا الهوية والقيم، وحرصه المستمر على تقديم مقاربات أكاديمية رصينة تسهم في إشعاع الشعبة علميا. كما لم يفته الإشادة بجهود المديرين السابقين للمختبر، الأستاذين نور الدين لحلو والحسن صدقي، في دعم البحث العلمي وتعزيز الحضور الأكاديمي للكلية.
أما الدكتور علي زروقي، فسلط الضوء على أهمية موضوع الأسرة، مشيرا إلى أنه رغم كونه قضية جوهرية، إلا أنه لا يزال بحاجة إلى مزيد من البحث والاهتمام. وأوضح أن الإشكالات المرتبطة بالأسرة تتشابك بين الأبعاد الشرعية والقانونية والنفسية والاجتماعية، وتتأثر بالمتغيرات الاقتصادية والإعلامية والقيمية. كما عبر عن تقديره للأساتذة الذين أسهموا في تقديم مداخلات علمية ثرية، مؤكدا أهمية مواصلة البحث الأكاديمي حول قضايا الأسرة باعتبارها نواة المجتمع وأساس استقراره وتطوره.
الجلسة العلمية الأولى:
شهدت هذه الجلسة تقديم ثلاث مداخلات، تناولت موضوعات متنوعة مرتبطة بالأسرة من زوايا شرعية وقانونية واجتماعية.
استهل الدكتور ربيع حمو، الأستاذ بالمدرسة العليا للتربية والتكوين بالقنيطرة، الجلسة بمداخلة حول "تدبير المسؤولية داخل الأسرة بين الزوجين – مقاربة مقاصدية" أوضح خلالها أن الزواج، باعتباره "ميثاقا غليظا"، تحكمه تشريعات تهدف إلى تحقيق التوازن والاستقرار، مؤكدا أن النقاشات المجتمعية حول قضايا الأسرة كثيرا ما تخضع لتمثلات خاطئة، مما يستوجب معالجة علمية تستند إلى مقاصد الشريعة. وأكد أن استقرار الأسرة لا يتحقق بالقوانين وحدها، بل يستلزم تعزيز الوعي الأخلاقي والديني الذي يؤطر العلاقات الزوجية.
وفي تفصيله للقيم المؤطرة للحياة الزوجية، شدد الدكتور حمو على أهمية المكارمة، والتكامل في الأدوار، والتشاور، مشيرا إلى أن التدبير الرشيد للمسؤولية الأسرية يتطلب التأهيل الأسري وفق القيم الإسلامية، وضبط الحقوق والواجبات عبر التشريعات، مع مراعاة خصوصية كل حالة أسرية وفق المصالح والمفاسد. واختتم مداخلته بالدعوة إلى تبني مقاربة تكاملية في دراسة قضايا الأسرة، تستفيد من مختلف العلوم لضمان التوازن الأسري وتحقيق التنمية المجتمعية.
بعد ذلك، قدمت الدكتورة حنان خياطي، أستاذة الفكر الإسلامي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، مداخلة بعنوان "النظام المالي للزوجين بين المقاربة المالية والشرعية"، ركزت فيها على الذمة المالية للزوجين وإدارة الأموال المشتركة في ضوء التعديلات التي طرأت على مدونة الأسرة. وأكدت أن التحولات المجتمعية، خاصة مع بروز المرأة كفاعل اقتصادي، لم تواكب بتعديلات قانونية كافية، مما خلق تحديات في التدبير المالي الأسري.
وأشارت إلى أن الشريعة الإسلامية تقر استقلال الذمة المالية لكل من الزوج والزوجة، وهو ما تبنته مدونة الأسرة، باستثناء ما يتم الاتفاق عليه مسبقا. وأوضحت أن المادة 49 من المدونة جاءت لحماية حقوق الزوجة في الثروة المكتسبة خلال الزواج، لكن هذه المادة تواجه صعوبات على مستوى التطبيق. وأكدت على ضرورة تبني مقاربة متوازنة تراعي أحكام الشريعة وخصوصية المجتمع المغربي، مع تعزيز وعي الأزواج بأهمية التعاقد المالي داخل الزواج لتجنب النزاعات المستقبلية.
أما المداخلة الثالثة، فقدمها الدكتور إدريس أبو زيد، أستاذ الفقه وأصوله وتاريخ التشريع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن طفيل، تحت عنوان "الوساطة الأسرية بين التأصيل الشرعي والتأطير القانوني وعوائق التنزيل". أوضح خلالها أن التشريع الإسلامي لم يقتصر على وضع قواعد عامة، بل فصل في الأحكام التي تؤطر العلاقة الزوجية في مختلف مراحلها، من المودة والرحمة، إلى الصبر عند الخلاف، والعدل والتسريح بإحسان عند استحالة استمرار العشرة.
وأشار إلى أن الوساطة الأسرية تستند إلى مفاهيم الصلح والإصلاح التي وردت في القرآن الكريم، موضحا أن المشرع المغربي أدرجها ضمن مدونة الأسرة لعام 2004، لا سيما في قضايا الطلاق والتطليق، من خلال آليات مثل غرفة المشورة، وإحضار الشهود، وانتداب حكمين من العائلة، إلى جانب مجلس العائلة. ورغم أهمية الوساطة الأسرية، إلا أن تفعيلها يواجه عدة عوائق، أبرزها:
- على المستوى القيمي: انتشار قيم فردانية تقلل من أهمية التنازل والتوافق الأسري، مما ينعكس سلبا على استقرار العلاقات الزوجية؛
- على المستوى القانوني: عدم وجود إطار قانوني واضح يحدد إجراءات الوساطة بشكل دقيق، مما يجعل دورها غير ملزم؛
- على مستوى التأهيل: غياب برامج تدريبية لإعداد المقبلين على الزواج حول كيفية التعامل مع النزاعات الأسرية، مما يؤدي إلى تفاقم المشكلات الزوجية قبل اللجوء إلى الوساطة؛
- على المستوى المادي: ضعف الموارد المالية المخصصة لأتعاب الوسطاء الاجتماعيين، مما يجعل الوساطة الأسرية إجراء شكليا يسبق الطلاق دون تحقيق نتائج فعلية.
وفي ختام مداخلته، دعا الدكتور أبو زيد إلى ضرورة إرساء إطار قانوني واضح ينظم الوساطة الأسرية، وتعزيز التأهيل قبل الزواج، وتوفير الموارد الكفيلة بإنجاح هذه الآلية، مع إحياء القيم الأسرية المبنية على التراحم والتفاهم لضمان الاستقرار الأسري في ظل التحولات الاجتماعية المعاصرة.
عقب المداخلات، فتح باب النقاش، حيث طرح الحضور عدة تساؤلات، وفيما يلي ملخص لأهم ردود الأساتذة المحاضرين بشأنها:
- مقترح إيقاف توريث بيت الزوجية عند وجود زوجة وبنات يثير جدلا فقهيا وقانونيا يجب الانتباه إليه، وأخذه بعين الاعتبار في أي تعديل قانوني مقبل؛
- أي إصلاح قانوني يجب أن يضمن حماية الفئات الضعيفة، خصوصا مع تراجع القيم الأخلاقية وضعف الوازع الديني؛
- المغرب، كدولة موقعة على اتفاقيات دولية، يسعى إلى تحقيق التوازن بين مرجعيته الدينية والتزاماته الدولية؛
- التشريعات الإسلامية الأسرية ذات طابع أخلاقي في جوهرها، حيث تنتهي آيات الأحكام الأسرية بعبارات مثل "بالمعروف" أو "بالتقوى"، مما يعكس غايتها في تحقيق العدل والإنصاف؛
- ضعف الوعي القانوني يؤدي إلى اتخاذ قرارات متسرعة داخل الأسرة، مثل الطلاق الذي قد يندم عليه الزوجان لاحقا؛
- ضرورة التمييز بين الوساطة الأسرية، والمساعدة القضائية، والإرشاد الأسري، مع إسناد الوساطة إلى مختصين مؤهلين؛
- يمكن للمناهج التعليمية أن تلعب دورا مهما في تعزيز الثقافة القانونية والأسرية لدى الأجيال الصاعدة؛
- لا ينبغي التركيز فقط على الجوانب القانونية الصارمة، بل يجب نشر ثقافة التراحم والمودة داخل الأسر؛
- إلزامية الوساطة الأسرية قد تصبح واقعا مستقبليا، لكنها لا تزال بحاجة إلى نضج تشريعي وقبول مجتمعي أوسع.
الجلسة العلمية الثانية:
خلال هذه الجلسة، قدمت أربع مداخلات تناولت قضايا الأسرة من زوايا متعددة. استهلها الدكتور محسن بنزاكور، أستاذ علم النفس والاجتماع بعدد من مؤسسات التعليم العالي، المداخلة الأولى بعنوان: "أنماط التفكك الأسري وأثرها على البنية النفسية للطفل".
أكد الدكتور بنزاكور أن التفكك الأسري يعد من العوامل الأكثر تأثيرا على الأطفال والمجتمع، إذ يسبب اضطرابات عاطفية ونفسية قد تؤثر بعمق على البناء النفسي للطفل. ويختلف مدى هذا التأثير تبعا لطبيعة الأسرة والطفل نفسه.
يمر التفكك الأسري بمراحل عدة، تبدأ بمرحلة الكمون حيث تسود الخلافات غير المعلنة، مما يخلق جوا من التوتر دون البحث عن حلول مبكرة. يليها مرحلة الإثارة، حين يشعر أحد أفراد الأسرة بعدم الرضا، مما يولد إحساسا بالظلم والدونية، وتتكرر الألفاظ الجارحة التي تترك أثرا سلبيا على الصحة النفسية. ثم تأتي مرحلة الاصطدام، حيث يصبح النزاع صريحا ويتفاقم التوتر. ومع تصاعد الأزمة، تبدأ مرحلة انتشار النزاع، حيث يتزايد الخلاف ويتم البحث عن الحلفاء، وقد يستخدم الأطفال كأدوات في النزاع، مما يضاعف مشكلاتهم النفسية والعاطفية. وأخيرا، تصل العلاقة الزوجية إلى طريق مسدود، مما يؤدي إلى الطلاق أو الانفصال، مع احتمالية استمرار النزاعات حتى بعد الطلاق، مما يخلق بيئة غير مستقرة للطفل.
ويتخذ التفكك الأسري أشكالا عدة، منها: التفكك الناتج عن غياب أحد الأبوين بسبب الطلاق، الوفاة أو الهجرة، مما يؤثر على استقرار الأسرة. وهناك التفكك الكلي الذي يؤدي إلى انهيار الروابط الأسرية بالكامل، والتفكك المعنوي الذي يتجسد في غياب الروابط العاطفية بين أفراد الأسرة رغم العيش تحت سقف واحد. وهناك التفكك الأخلاقي، وخلاله تنتشر انحرافات سلوكية مثل الخيانة الزوجية أو ضعف الالتزام القيمي، مما يترك أثرا سلبيا على تنشئة الأطفال.
يؤثر التفكك الأسري على الطفل في أربعة أبعاد رئيسية وهي البعد العاطفي، والمعرفي، والاجتماعي، والأخلاقي. وللحد من آثاره، اقترح الدكتور بنزاكور استراتيجيات لتعزيز استقرار الأسرة ورفاه الطفل، منها خلق بيئة أسرية مستقرة، وتعزيز ثقة الطفل بنفسه، والتدخل النفسي والتربوي المبكر، وتشجيع بناء صداقات صحية، وتنمية المهارات التكيفية والاجتماعية. واختتم بالتأكيد على أن معالجة التفكك الأسري تتطلب دعما مستمرا وتوجيها فعالا لضمان الاستقرار النفسي والاجتماعي للأطفال.
في المداخلة الثانية، تناول الدكتور فؤاد بلمودن، أستاذ الفكر الإسلامي بكلية الآداب بالجديدة، موضوع "مقترحات تعديل مدونة الأسرة في ضوء المسؤولية الاجتماعية للدولة ومسؤولية القضاء". ركز فيها على مفهومين أساسيين: "المسؤولية الاجتماعية" للدولة والمجتمع، و"مسؤولية القضاء".
عرف الدكتور بلمودن المسؤولية الاجتماعية بأنها مفهوم حديث نشأ في المجال الاقتصادي، ثم امتد ليشمل الدراسات الاجتماعية والقانونية، وهو يعكس التزام الدولة بتوفير الرعاية والتنمية واستقرار الأسرة باعتبارها ركيزة أساسية لاستقرار المجتمع. وفي التصور الإسلامي، ترتبط المسؤولية الاجتماعية بعلاقة متينة بين الدولة والمجتمع، مما يسمح بتطوير نظرية إسلامية متكاملة في شؤون الأسرة، تشمل مفاهيم مثل الولاية، الكفالة، الوصاية، الضمان، والعصبة، مع توظيف هذه العلاقات لتحقيق التوازن الاجتماعي.
أما بشأن السلطة التقديرية للقاضي، فأوضح أنها مستمدة من الفقه الإسلامي، وتمنح القاضي صلاحية الاجتهاد في حل النزاعات الأسرية وفق الضوابط الشرعية. وأكد أن الفقهاء يناقشون هذا الموضوع في إطار آداب القضاء والاجتهاد، مع مراعاة الالتزام بالنصوص القطعية وتحقيق المقاصد الشرعية. واستعرض بعض الإشكالات المرتبطة بمدونة الأسرة، مقترحا حلولا، منها تفعيل السلطة التقديرية للقاضي، وتدخل الدولة لدعم الأسر في الأزمات، وإنشاء محكمة متخصصة للتحكيم الأسري، وتأسيس صندوق تكافل لدعم الأسر المحتاجة. واختتم بالتشديد على أن قضايا الأسرة ليست ميدانا للصراعات مهما كانت طبيعتها، بل هي مسؤولية وطنية تتطلب نظاما قضائيا نزيها وسياسات اجتماعية داعمة.
أما المداخلة الثالثة، فقد ألقاها الدكتور حميد هواري بعنوان "الضوابط الشرعية لرعاية الأبناء داخل الأسرة"، حيث استعرض مبادئ التربية الإسلامية وأهميتها في تنشئة الأطفال على أسس سليمة ومتوازنة. حيث أشار إلى أهمية التربية التدريجية، مثل تعويد الأطفال على الصيام، وأكد على ضوابط الاستئذان داخل المنزل ودورها في بناء الشخصية السليمة. كما ناقش دور اللعب في تنمية شخصية الطفل، مشددا على ضرورة التوازن بين الحزم واللين، مع الالتزام بالضوابط الشرعية لضمان تنشئة متوافقة مع القيم المجتمعية...
وفي المداخلة الرابعة، تطرق الدكتور علي زروقي إلى "الأسرة المغربية وتحديات الواقع"، حيث تناول تأثير التحولات الاجتماعية على بنية الأسرة المغربية موضحا أن الأسر الحضرية باتت أكثر عرضة للتفكك مقارنة بالأسر الريفية، نتيجة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية. كما ناقش تأثير الهجرة الداخلية والخارجية على العلاقات الأسرية، وظهور الأسر الصغيرة والمعزولة، مما أضعف الروابط العائلية. وأشار الدكتور زروقي إلى انخفاض معدل الخصوبة وارتفاع معدلات الطلاق، إضافة إلى عزوف الشباب عن الزواج والإنجاب بسبب التحديات الاقتصادية. كما تناول جهود الدولة لحماية الأسرة عبر تجريم العنف الأسري، تعزيز حقوق الأطفال، وضمان سلامتهم النفسية والجسدية، إلى جانب تشديد العقوبات لحماية كبار السن من الإهمال والإساءة...
وفي ختام الجلسة العلمية الثانية، تناولت ردود الأساتذة المحاضرين عدة نقاط رئيسية، منها:
- الوساطة الأسرية ليست مجرد أداة للصلح، بل عملية متكاملة تهدف للحفاظ على تماسك الأسرة بموضوعية وحياد؛
- ضرورة تكوين الوسطاء تكوينا متينا كي يتملكوا مهارات معرفية وتطبيقية تمكنهم من مساعدة الأطراف المعنية على إيجاد حلول؛
- الحاجة إلى تأهيل الأزواج في مهارات التواصل وتدبير النزاعات الأسرية بأسلوب فعال، نظرا لتفاقم مشكلات التواصل داخل الأسرة المغربية؛
- الأطفال يتمتعون بفضول طبيعي، بينما تكمن المشكلة غالبا في افتقار الآباء لمهارات التواصل الفعال؛
- بعض الآباء يتهربون من مسؤولياتهم تجاه أبنائهم بحجة الانشغال بالعمل؛
- ضرورة الجمع بين التكوين الأكاديمي والخبرة العملية لدى القضاة لضمان نجاعة القرارات الأسرية؛
- أهمية فهم القاضي للواقع الاجتماعي لضمان تطبيق السلطة التقديرية بما يحقق العدالة والإنصاف؛
- ضرورة استمرارية البحث في القضايا الأسرية وتعزيز آليات الإصلاح الأسري والقضائي لمواكبة التحولات المجتمعية المستمرة.
اختتام الندوة:
عكست الندوة التزام المختبر بالانخراط في القضايا الحيوية التي تهم المجتمع، حيث تناولت إشكاليات متعددة حول الأسرة في ضوء التغيرات القانونية والاجتماعية المعاصرة، ضمن رؤية أكاديمية رصينة ومسؤولة. وفي ختامها، وجه الدكتور علي زروقي الشكر إلى المتدخلين والحضور، مشيدا بقيمة الموضوع وأهمية المداخلات والنقاشات الهادفة التي أسهمت في إنجاح الندوة، ومؤكدا على ضرورة استمرار البحث والحوار في هذه القضايا لتعزيز الاستقرار الأسري.
* عبد الكريم بن رزوق
مفتش تربوي، باحث في مناهج التربية وقضايا الأسرة المعاصرة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.