صادق مجلس النواب على مقترح قانون يقضي بتغيير الظهير الشريف رقم 1.75.398 بتاريخ 10 شوال 1395 (16 أكتوبر 1975 ) المعتبر بمثابة قانون يتعلق بإحداث جامعات. يقضي مقترح القانون الجديد بدمج جامعتي محمد الخامس أكدال، ومحمد الخامس السويسي، في إطار جامعة محمد الخامس بالرباط، وكذا دمج جامعة الحسن الثاني عين الشق وجامعة الحسن الثاني المحمدية في إطار جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء. إذا يبرر التجميع بفوائد كترشيد تدبير الموارد البشرية والإمكانيات المالية... فإن أهم فائدة ستتمثل في تجميع جهود البحث العلمي وتكثيفه، وتجاوز تشتت، ظل يعد من أعمق أسباب الترتيب المتأخر للجامعة المغربية في الترقيم العالمي. فكل جامعة تشتغل لوحدها، وتقرر مشاريعها في البحث، وتحدث الشعب والمسالك ووحدات التكوين، وتقيم مختبرات وترسي مجموعات بحث... قد يتكرر اعتمادها في كل الكليات المغربية دون تميز واضح؛ إذ يمكن إهدار نفس الميزانية بكليات عدة في نفس المشروع دون أن تحقق كلها نتيجة. لذا يحتاج إحداث المراكز الجامعية إلى إعادة النظر، ويقتضي ذلك الجرأة على تقييم الأداء. فلا يعقل أن تتألف جامعة من كليتين (الآداب والعلوم) فقط، وإنما ينبغي أن تتشكل على الأقل من خمس كليات ومعاهد متعددة التخصصات. حتى يتحقق فيها مبدأ الجامعة. يمكن اعتبار مبادرة الدمج التي أقدمت عليها الوزارة، بداية مشروع تجميع شتات الهياكل في جامعات أقطاب. وسيخدم ذلك تركيز جهود البحث العلمي، وتجميع مؤسساته البحثية. فمثلا التعاون في الميدان الطبي أو الصيدلي سيجعل المشاريع أكثر جدية وتنافسية، تحسم في تمويلها خلية وطنية تتوفر فيها الشفافية والنزاهة. وسيكون من المفيد إخضاع ميزانيات البحث العلمي للتنافس الجهوي او الوطني على مستوى التخصصات، وإخضاعها لدفتر تحملات، لضمان تحقيق نتائج علمية دقيقة. بدل إهدار المال العام في مهرجانات واحتفالات وتكريمات... تبدو أحيانا مجرد تبرير لصرف الميزانيات. لعل تجميع الجامعات سيقود إلى تجميع الميزانية الضعيفة التي لن تقو في الوقت الحالي على تبني الجامعة لمشاريع علمية، تساهم في الاختراع وتطوير التيكنولوجيا، وتدعم النشاط الصناعي. وربما سينتج عن التجميع تشجيع الباحثين على وضع إستراتيجية، تميز كل جامعة عن غيرها ببصمات فريدة. كما أن تدقيق المشاريع سيقصي الكثير من المتطفلين ويغري الكفاءات التي تزخر بها الجامعة المغربية. فالواقع الحالي للبحث العلمي مرتهن باجتهادات فردية، وفي أحيان كثير لمجموعات مصغرة وأشخاص ليس في مقدورهم المساهمة في دعم تنافسية الجامعة المغربية وتسويق خدماتها العلمية. قد يثمر تجميع جهود البحث العلمي تركيز تجهيز المختبرات... ومن تم تشجيع صناعة الخلف الذي بدأت الجامعة المغربية تشكوه منذ المغادرة الطوعية. اذ يتضح عجز الأطر الجديدة التي تمكنت من ولوج الجامعة رغم غياب دراسات دقيقة عن مواكبة مسيرة البحث العلمي والاندماج فيه. ومن تم تتضح صعوبة ضمان الخلف، إلا إذا تم تدارك ذلك بتشجيع الأعمال الميدانية والتطبيقية والتجريبية. كما اصبح من الضروري حسم الاختيار، فنتيجة غياب نموذج في الميدان، يختزل البحث العلمي في نشر حصيلة ندوات ولقاءات لا تخضع لمخطط وطني، ودون الاندماج في مشاريع تشغل الباحثين وتدر مداخيل على المؤسسات الجامعية وفق شراكات. ففي الوقت الذي اختارت فيه العديد من الجامعات العربية تبني النموذج الانجلوساكسوني الناجح، اختارت الجامعات المغربية النموذج الفرنكوفوني الفاشل. لذلك من الطبيعي في ظل التشتت وضعف الميزانية الموجهة للبحث أن تظل الجامعة المغربية في ذيل الترتيب العالمي والجهوي. فالبحث العلمي لا يقاس بالكم الكبير من الجامعات، وإنما يتعلق بالكيف. ولعل التقسيم الجهوي الجديد قد يكون اساسا لتجميع الجامعات في أقطاب جهوية تخدم التأطير والبحث العلمي الجاد والرقي بموقع الجامعة المغربية من خلال وضع خريطة للاهتمامات الكبرى والصغرى التي يضطلع بها كل قطب في ارتباط بقطاع من القطاعات الوزارية التي تخصص جزءا من ميزانيتها للبحث العلمي. * باحث في العلوم الانسانية