«العنصرية هي ملجأ الجهلاء حين يعجزون عن فهم الآخر»، هكذا لخص ألبير كامو واحدة من أكثر أمراض المجتمعات قبحًا واستعصاءً. ولعل هذه المقولة تعود اليوم بإلحاح، كلما حاول البعض تحويل مباراة كرة قدم، بما تحمله من تنافس عابر وانفعالات لحظية، إلى ذريعة لإطلاق خطاب إقصائي لا علاقة له بالرياضة ولا بالقيم الإنسانية التي يُفترض أن تجمع الناس بدل أن تفرقهم. فحين يعجز الفرد عن استيعاب الهزيمة أو قبول الآخر، يبحث عن تفسيرات جاهزة، ويستدعي لغة التفوق والاحتقار كآلية دفاع نفسي واجتماعي في آن واحد. من منظور علم الاجتماع، تُعد كرة القدم أحد أقوى الفضاءات التي تُستثار فيها المشاعر الجماعية. هي، بتعبير إميل دوركهايم، لحظة «هيجان جماعي» يشعر فيها الفرد بأنه ذائب داخل جماعة أكبر، فيستمد منها القوة والشرعية. هذا الانصهار، وإن كان طبيعيًا، يصبح خطيرًا حين يتحول الانتماء الرياضي إلى هوية مغلقة، تُختزل فيها الذات في شعار، والآخر في خصم لا يُرى إلا من زاوية العداء. هنا تبدأ الرياضة في فقدان معناها الرمزي، وتتحول من لعبة إلى أداة تفريغ توترات أعمق لا علاقة لها بالميدان. كرة القدم، في جوهرها، ليست أكثر من لعبة: فوز وخسارة، فرح عابر وحزن مؤقت. الألقاب تُرفع ثم تُنسى، والنتائج تُسجل في الذاكرة الرياضية لا في الضمير الأخلاقي للأمم. غير أن علم الاجتماع يلفت الانتباه إلى أن المجتمعات التي تعاني من هشاشة الوعي الجماعي تكون أكثر قابلية لإسقاط أزماتها على أحداث رمزية. فحين تتراكم الإحباطات الاجتماعية والاقتصادية، تصبح المباراة فرصة لتصريف الغضب، لا للاحتفال باللعب. الخطر الحقيقي، إذن، لا يكمن في خسارة نهائي، بل في السماح لانفعالات لحظية بأن تفتح الباب أمام عنصرية رقمية باردة، تُدار من خلف الشاشات، وتستثمر في الغضب الجماعي لتأجيج الكراهية وبث أوهام التفوق والإقصاء. في هذا السياق، يلعب الفضاء الرقمي دورًا حاسمًا. فوسائل التواصل الاجتماعي، كما يفسر علماء الاجتماع، لا تعكس الواقع بقدر ما تعيد إنتاجه بشكل مشوه. الخوارزميات تفضل الصدام، وتكافئ التطرف، وتمنح الصوت الأعلى للأكثر استفزازًا. وهكذا يتحول خطاب هامشي إلى ظاهرة متضخمة، ويُخيَّل للمتابع أن الكراهية صارت رأيًا عامًا، بينما هي في الحقيقة ضجيج أقلية وجدت في اللحظة الرياضية مادة سهلة للاصطياد والتحريض. ما رافق بعض التظاهرات الرياضية الأخيرة من انزلاقات خطابية على الفضاء الرقمي لا يعكس، في عمقه، واقع المجتمع المغربي ولا سلوكه اليومي. فالميدان، بشهادة المتابعين، ظل في معظمه محكومًا بروح رياضية عالية، وبسلوك جماهيري لم ينجرّ وراء الاستفزازات. وهذا التناقض بين الواقع والافتراض يؤكد ما يقوله علم الاجتماع: المجتمع الحقيقي أكثر تعقيدًا وتوازنًا من صورته الرقمية، لكن الخطر يكمن في أن يُسمح للخطاب الافتراضي بأن يُعيد تعريف هذا المجتمع ويُشوّه صورته. المغرب، تاريخيًا، لم يكن يومًا أرض انغلاق أو إقصاء. هو مملكة تشكلت عبر قرون من التعدد، ونسجت هويتها من تلاقي الثقافات والأديان والأعراق، دون أن ترى في الاختلاف تهديدًا لوجودها. من اليهود إلى المسلمين، ومن الأمازيغ إلى العرب، ومن إفريقيا إلى الأندلس، تشكل هذا البلد على قاعدة التعايش لا الإقصاء. هذا التراكم التاريخي ليس مجرد سردية رسمية، بل رأسمال رمزي، بلغة بيير بورديو، يمنح المجتمع توازنه وشرعيته الأخلاقية. المساس بهذه الصورة، ولو تحت ذريعة الحماس الرياضي، لا يُسيء لخصم عابر، بل يطعن في عمق التجربة المغربية نفسها. إن أخطر ما في العنصرية المرتبطة بالرياضة هو قابليتها للتبرير. فحين تُغلَّف الكراهية بخطاب الوطنية أو الدفاع عن الكرامة، تصبح مقبولة لدى البعض، بل مطلوبة أحيانًا. غير أن علم الاجتماع يذكرنا بأن القيم لا تُقاس بالشعارات، بل بالقدرة على ضبط الانفعال واحترام الآخر في لحظات التوتر. الوطنية، حين تنفصل عن بعدها الإنساني، تتحول من رابطة جامعة إلى أداة إقصاء، ومن قوة ناعمة إلى عبء أخلاقي. لهذا، فإن الدفاع عن قيم التعايش ليس ترفًا أخلاقيًا ولا خطابًا مثاليًا، بل هو دفاع عن توازن المجتمع نفسه. فالمغرب لا يحتاج إلى انتصارات رياضية ليؤكد مكانته، بقدر ما يحتاج إلى وعي جماعي يضع كرة القدم في حجمها الطبيعي. ستبقى اللعبة جميلة حين نراها كما هي: لعبة. وستظل خطيرة فقط عندما نسمح لها بأن تعبث بما هو أسمى منها: قيم العيش المشترك، وكرامة الإنسان، وصورة بلدٍ بُني عبر التاريخ على الاعتراف بالآخر لا على نفيه.