لا يمكن اعتبار التربية مجالاً محايداً بمعزل عن السياق السياسي والاجتماعي الذي تُنتَج فيه، فهي واحدة من أقوى أدوات السلطة في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه العواطف وتحديد ما يُسمَح بحبه أو كرهه. وعندما تتحول المدرسة من فضاء للتنوير وبناء العقل النقدي إلى أداة للتلقين الإيديولوجي، فإنها تكشف حقيقة النظام بشكل أعمق مما تستطيع الخطب الرسمية أو البيانات السياسية. فالتعليم يتعامل مع العقول في لحظات التكوين الأولى، حيث تكون الكلمة أسبق من النقد، وحيث يُزرع المعنى قبل أن تتشكل أدوات المساءلة. لذلك، حين تتكرر الانزلاقات داخل المؤسسة التعليمية، وتتطابق الأساليب، وتتشابه الرسائل، يصبح من المشروع، بل من الواجب، الانتقال من منطق التخفيف والتبرير إلى منطق التحليل وتحميل المسؤولية. في هذا المستوى تحديداً، لا يعود الخلل تربوياً محضاً، بل سياسياً بامتياز، تتحمل تبعاته سلطة عسكرية اختارت، بوعي أو بصمت، توظيف المدرسة في خدمة بئيسة عدائية، وجعلها امتداداً لمنطق الضبط لا فضاءً لبناء المواطن الحر. ما شاهدناه من تلقين أطفال في المرحلة الابتدائية خطاباً عدائياً موجهاً ضد المغرب من شخص يُفترض أن يكون مربية، وما سبقه من مشهد موثق بالصوت والصورة لأستاذ يمارس تنمّراً علنياً على تلميذ مراهق يُدعى عبيدة فقط لأنه عبّر عن تمن صادق بفوز المغرب في مباراة كرة قدم، لا يمكن قراءته كوقائع منفصلة أو زلات فردية معزولة. نحن لسنا أمام انفعال لحظي ولا خلاف رياضي عابر، بل أمام عقاب رمزي داخل المؤسسة التعليمية بسبب موقف وجداني بسيط. وهذا ينقل المسألة من مستوى الخطأ الفردي إلى مستوى النسق المتكرر، حيث تتجلى المدرسة كفضاء غير محايد، يُكافَأ فيه الامتثال وتُعاقَب فيه المخالفة. في المشهدين معاً تتكرر العناصر نفسها: سلطة تربوية منحازة، أطفال ومراهقون في وضعية هشاشة نفسية، خطاب إقصائي أو تنمّري، ورسالة واحدة واضحة مفادها أن التفكير أو الشعور خارج السياق المفروض يُواجَه بالعقاب. وحين يُسمَح لأستاذ بأن يضع تلميذاً في موضع السخرية الجماعية لأنه لم ينسجم مع "الاختيار العاطفي الصحيح"، فهذا يعني أن المدرسة لم تعد فضاءً لحماية التنوع، بل تحولت إلى جهاز ضبط إيديولوجي، تُؤمَّم فيه المشاعر قبل الأفكار، ويُحدَّد للتلميذ مسبقاً من يحق له أن يفرح له، ولمن، وضد من يجب أن يشعر بالعداء. الأخطر في هذا المسار ليس فقط ما يُقال صراحة بل ما يُفترض ضمنياً، إذ يُقدَّم العداء كأمر طبيعي وبديهي لا يحتاج إلى تفسير أو نقاش. الطفل لا يُمنح سبباً واضحاً أو إطاراً تاريخياً أو أدوات عقلانية للفهم، بل يُطالب فقط بأن يكره. والعداء الذي لا يستند إلى سبب مفهوم هو أخطر أشكال العداء، لأنه لا يُناقش ولا يُراجع، بل يتحول إلى شعور غريزي يمكن استدعاؤه في أي لحظة. وعندما تصل التربية إلى حد مصادرة المشاعر والوجدان، تكون قد انحرفت جذرياً عن وظيفتها الحقيقية، كما يظهر في النظرات الملطخة بالسادية والوزرة الملطخة ببقع حمراء، حيث عجزت المعلمة عن تقديم نظافة الهندام قبل نظافة الفكر. أوضح مثال على ذلك هو سؤال المعلمة للتلاميذ عن سبب عدم شعورهم بالفرح لفوز المغرب، فكان الجواب صمتاً جماعياً – "الحكرة" – وكأن العداء أصبح جزءاً من الهواء الذي يتنفسونه. تكشف هذه اللحظة عن دورة مفرغة من الإقصاء النفسي والاجتماعي، حيث يُزرع الشعور بالظلم منذ الصغر ويُدمج في الهوية الجماعية. وفق هذا المنطق، ستنشأ أجيال تفتقر إلى الإبداع، عاجزة عن النقد المستقل، ومحكومة بمزاج الجماعة، حيث يصبح كل ما هو خارج السيطرة مبرراً بالكراهية أو بالخضوع. التلميذ الذي عبر عن تمن رياضي لم يعلن موقفاً سياسياً، ولم يمارس استفزازاً، ولم يعتد على أحد، ومع ذلك عوقب رمزياً لا لأنه أخطأ بل لأنه لم يكره كما ينبغي. هذا النوع من العنف الرمزي، كما يصفه علم الاجتماع التربوي، أخطر من العنف المباشر؛ لأنه يمارس باسم التربية وبغطاء الشرعية الأخلاقية. هنا لا تُقمع الأجساد بل تُدجن العقول. وبهذا المعنى، نحن أمام سلسلة متكاملة: تلقين مبكر للعداء في الابتدائي، ضبط وتأديب في المراحل اللاحقة، ثم تطبيع مع فكرة العدو الدائم دون مساءلة أو نقاش. وفي هذا الصدد، كنت قد أشرت في مقال نشر سنة 2016 بعنوان «أكاديميو النظام... أكاديميو الجزائر» إلى أن توظيف النخب الأكاديمية في ترسيخ خطاب عدائي تجاه المغرب ليس ممارسة عشوائية، بل خياراً سياسياً واضحاً. وبهذا المنطق، لا يقتصر نسق العداء على التعليم الابتدائي أو الثانوي، بل يمتد إلى الجامعة حيث تفرغ المؤسسات الأكاديمية من دورها النقدي وتتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج الإيديولوجيا. وحين يُقمع التفكير منذ الطفولة، ويعاد تشكيله في المراهقة، ويستكمل تدجينه في الجامعة، فإن أثر هذه البرمجة قد يلازم الفرد طوال حياته. وبالتالي، فإن هذا التلقين لا يبقى محصوراً داخل جدران المدرسة، بل يظهر لاحقاً في السلوك الاجتماعي والفضاء العام، خاصة في لحظات الانفعال الجماعي. لذلك لا يمكن فصل ما يحدث داخل الأقسام عن بعض السلوكيات التي صدرت عن مشجعين وإعلاميين ولاعبين جزائريين خلال الدورة الأخيرة لكأس إفريقيا بالمغرب. فتمزيق مشجع راشد لأوراق نقدية داخل بلد مستضيف، أو قيام مراهق بالتلفظ وتصوير أفعال مهينة وحاطة بالكرامة الإنسانية في ملعب يعج بالناس، أو سخرية لاعب محترف – يُفترض أنه قدوة – من رموز دول أخرى، أو اختيار صحفي مكان القمامة لإجراء حوار، كلها تعبيرات رمزية عن عداء مشبع ومطبّع معه بنفسياً قبل أن يمارس سلوكياً. والمفارقة اللافتة أن الشخص الأكثر اتزاناً وموضوعية كان المدرب؛ لأنه ببساطة خارج منظومة التنشئة الإيديولوجية المحلية، ما يؤكد أن الخلل ليس في الأفراد بل في النسق الذي ينتجهم. الأمر نفسه ينطبق على مشاهد الاحتفال الجماعي بهزيمة المغرب، لا حباً في الفريق الفائز، بل كرهاً في الآخر. من منظور التحليل النفسي لفرويد، يمكن تفسير هذا السلوك على أنه آلية دفاعية جماعية: فالفرح بهزيمة الغير يعمل كإسقاط لمكبوتات الفرد والجماعة، حيث يسعى الشخص والجماعة إلى تعويض شعورهم بالنقص أو العجز الداخلي عبر توجيه العداء خارجياً. حين تعجز الدولة عن صناعة الفرح الحقيقي، يصبح الفرح مشروطاً بهزيمة الغير لا بإنجاز الذات، وهو مؤشر على خلل عميق في بناء الهوية الجماعية. وقد ينجح هذا المنطق مؤقتاً في خلق تعبئة عدائية، لكنه في العمق يزرع قنبلة موقوتة من المكبوتات الجماعية التي قد تنفجر داخلياً في أي لحظة. كان يفترض أن تتحول مأساة العشرية السوداء إلى ذاكرة تربوية تحصّن الأجيال من العنف الإيديولوجي، لا إلى صدمة صامتة يُعاد إنتاج آلياتها بوسائل ناعمة. ففي التربية النقدية، يُعدّ نقل الصراع إلى المدرسة أخطر أشكال الانحراف؛ لأنه يُدرّب الطفل على الطاعة قبل الفهم، وعلى الاصطفاف قبل التفكير، وعلى الخوف قبل العقل. والأسوأ أن العداء غير المؤسس لا يعرف وجهة ثابتة؛ فهو طاقة قابلة لإعادة التوجيه، وغالباً ما ينقلب في لحظة ما إلى الداخل، كما يعلّمنا التاريخ. لا نحتاج إلى وثيقة رسمية أو قرار مكتوب لإثبات الطابع الممنهج لهذا المسار. يكفي التكرار، ويكفي التسامح المؤسسي، ويكفي صمت الهياكل الرقابية، حتى يتحول الانحراف إلى قاعدة غير معلنة. وهنا تحديداً تتجلى مسؤولية النظام ذي الطابع العسكري، الذي لم يكتف بإدارة الصراع سياسياً، بل نقله إلى المدرسة، وحوّل التعليم إلى أداة تعبئة وعداء، تعويضاً عن عجز مزمن في إنتاج شرعية قائمة على الحرية والإنجاز، وخوفاً من المقارنات التي تشكل تهديداً حقيقياً لشرعيته. هكذا يتحول المجتمع إلى امتداد لمنطق الثكنة: أطفال يلقنون العداء، ومراهقون يدربون على الانضباط العقلي، ومدارس وجامعات تتحول إلى غرف عمليات رمزية، وأساتذة يدفعون، عن وعي أو عن غير وعي، إلى أداء دور ضباط بمشاعر سادية في انتظار الثناء. وبهذا تزرع الكراهية، ويُقمع التفكير، ويُفرغ الفرد من مناعته النقدية، ليصبح قابلاً للتوجيه أو للانفجار، وغالباً ما يكون هذا الانفجار داخلياً، عند أول تحول في الظروف. وبوصفي أستاذاً ومربياً، كان الألم أعمق حين رأيت كيف تسرق براءة الأطفال، وكيف يمارس القمع الرمزي على الفكر باسم التربية. فالهزيمة الرياضية حدث عابر، أما تدمير وظيفة المدرسة فخسارة استراتيجية. لطالما دار النقاش، في جلسات فكرية مع باحثين جزائريين خلال ملتقيات دولية، حول طبيعة المشاعر بين الشعبين المغربي والجزائري. كنت أؤمن أن المحبة والأخوة هما الأصل، وأن العداء استثناء. غير أن ما كشفته الدورة الأخيرة من الكأس الإفريقية، التي نظمها المغرب باحتراف ورقي إنساني كبير، يوحي بأن العكس هو ما يزرع منهجياً.. -أستاذ باحث في تدبير الموارد البشرية والذكاء الاستراتيجي جامعة القاضي عياض، مراكش