لم يعد خافيا على أحد أن العملية التشريعية في المغرب تمر بمرحلة مقلقة من الارتباك البنيوي وغياب الانسجام، إلى حد بات من المشروع توصيفها، دون تهويل، ب"المجزرة التشريعية". فبدل أن تكون القوانين تعبيرا عن نضج تشريعي، ونتاجا لدراسات معمقة ونقاشات مؤسساتية جادة، ومطابقة للدستور ومنسجمة مع الالتزامات الدولية للمملكة، أصبحت في كثير من الأحيان نصوصا متسرعة، مثقلة بالتناقضات، أو مشوبة بنقائص جوهرية، الأمر الذي أفقد التشريع المغربي معايير الجودة والصرامة، وأفرغ القانون من وظيفته التنظيمية والحمائية. وتتجلى مظاهر هذا الخلل التشريعي، بوضوح صارخ، في التناقض الصريح مع الدستور. فقد صدرت قوانين عادية تتضمن مقتضيات تمس بشكل مباشر مبادئ وحقوقا دستورية، دون أن يثير ذلك أي حرج لدى الجهات التي أعدتها أو صادقت عليها. وعندما تحال بعض هذه القوانين على المحكمة الدستورية، كما هو الشأن بالنسبة لقانون المسطرة المدنية وقوانين الصحافة، فغالبا ما ينتهي الأمر بالتصريح بعدم دستورية عدد وازن من مقتضياتها، وهو ما لم يعد استثناء، بل أصبح مؤشرا بنيويا على ضعف الرقابة القبلية وغياب الحس الدستوري في مرحلة إعداد النصوص. والأخطر من ذلك أن قوانين أخرى، من قبيل قانون المسطرة الجنائية، لم تحال أصلا على المحكمة الدستورية، رغم ما تثيره من إشكالات دستورية عميقة، في تجاهل غير مبرر لما يتيحه الفصل 132 من دستور 2011 من آليات لمراقبة مطابقة القوانين للدستور. ولا يقف الخلل عند حدود عدم الدستورية، بل يمتد إلى غياب الانسجام الداخلي بين النصوص القانونية نفسها، حيث يعثر الباحث والممارس على تعارضات صريحة بين قوانين سارية، أو على مقتضيات غامضة وفضفاضة تركت دون تحديد أو ضبط، مما يفتح الباب أمام تأويلات قضائية متناقضة، ويقوض مبدأ الأمن القانوني ويربك عمل القضاء والمتقاضين على حد سواء. ويسجل، في هذا السياق، على الحكومة الحالية اعتماد منطق السرعة والارتجال في إعداد مشاريع قوانين مصيرية، وفرضها على البرلمان في آجال قياسية، أحيانا تحت ضغط حسابات سياسية ظرفية، دون استشارة حقيقية للهيئات المهنية أو إشراك فعلي للمجتمع المدني والخبراء. وهو ما يحول التشريع إلى فعل إداري استعجالي، بدل أن يكون ممارسة سيادية رصينة. أما البرلمان، الذي يفترض فيه أن يكون فضاء للنقاش التشريعي العميق والتمحيص القانوني الدقيق، فقد جرى في كثير من الحالات اختزاله في دور غرفة تسجيل، حيث يطغى النقاش السياسي السطحي أو الانضباط الحزبي على النقاش القانوني الرصين. وحتى حين تتقدم فرق المعارضة بمقترحات جدية وذات قيمة تشريعية، فإن منطق الأغلبية العددية غالبا ما يفرغ هذه المبادرات من محتواها، في مس واضح بالوظيفة الدستورية للمؤسسة التشريعية. ويتجلى هذا الاختلال التشريعي بشكل أكثر حدة في مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، الذي جاء، في صيغته المعروضة حاليا، بصياغة ركيكة تفتقر إلى الدقة والانسجام، ومذكرة تقديم ضعيفة لا ترقى إلى مستوى تبرير الاختيارات التشريعية ولا توضيح خلفياتها الدستورية والحقوقية. ويزداد الأمر خطورة في ظل الغياب التام لدراسة الأثر، رغم ما يتضمنه المشروع من مقتضيات تمس جوهر المهنة ووظيفتها داخل منظومة العدالة. ولا يقتصر الخلل هنا على الجانب الشكلي أو المنهجي، بل يمتد إلى المضمون، إذ يتضمن المشروع مقتضيات تشكل ضربا صارخا لاستقلال مهنة المحاماة، سواء على المستوى الجماعي المرتبط باستقلال الهيئات المهنية والتنظيم الذاتي، أو على المستوى الفردي المتعلق بحرية المحامي في ممارسة مهامه دون تبعية أو ضغط أو تدخل غير مشروع. وهو ما يعد تراجعا خطيرا عن المكتسبات الدستورية والمهنية، ومساسا مباشرا بالحق في الدفاع وبشروط المحاكمة العادلة. ولم يكن مستغربا، أمام هذا الوضع، أن يفضي هذا المشروع إلى احتقان غير مسبوق داخل الجسم المهني، ترجم بخوض المحامين إضرابا تاما سيشل مختلف المحاكم طيلة هذا الاسبوع، وتنظيم وقفة جماعية أمام وزارة العدل هذا اليوم وأمام البرلمان يوم 6 فبراير 2025، في تعبير واضح عن رفضهم لمقاربة تشريعية إقصائية، ومس خطير باستقلال مهنتهم، وغياب أي حوار مؤسساتي جدي يليق بمكانة المحاماة داخل منظومة العدالة. ولا يمكن، في هذا السياق، إعفاء وزارة العدل من مسؤوليتها في هذا التردي، بحكم اضطلاعها بإعداد عدد كبير من مشاريع القوانين الأساسية. إذ كشفت جل النصوص الأخيرة عن ضعف مقلق في الصياغة التشريعية وغياب التقدير السليم للآثار الدستورية والحقوقية. كما يبرز، إلى جانب ذلك، الغياب شبه التام للدور المنوط بالأمانة العامة للحكومة، ولا سيما مديرية التشريع التابعة لها، التي يفترض أن تشكل صمام أمان تشريعيا عبر ممارسة رقابة قانونية ودستورية وتقنية صارمة قبل إحالة النصوص على البرلمان، غير أن الواقع يظهر أن هذه الرقابة إما شكلية أو معطلة. وتترتب عن هذا الانحدار في الجودة التشريعية آثار خطيرة، من بينها فقدان الثقة في القانون كمؤسسة منظمة للعلاقات الاجتماعية ومصدرا للعدالة، وتكريس الازدواجية والتناقض والارتباك في الأحكام القضائية، فضلا عن تعريض المغرب مستقبلا لمساءلات وانتقادات دولية بسبب تشريعات لا تحترم التزاماته الدولية في مجال الحقوق والحريات. إن "المجزرة التشريعية" التي يشهدها المغرب حاليا ليست قدرا محتوما، بل نتيجة مباشرة لسوء تدبير تشريعي وتراكم اختلالات مؤسساتية. وتجاوز هذا الوضع يقتضي، وبشكل استعجالي، إعادة الاعتبار لمبدأ الجودة التشريعية، وتفعيل الرقابة الدستورية تفعيلا حقيقيا لا انتقائيا، وفتح حوار مؤسساتي جاد مع الفاعلين المهنيين والخبراء قبل سن القوانين. فالقانون هو عنوان الدولة، وإذا فقد القانون صرامته وجودته وانسجامه، ضاعت الثقة، وضاعت معها شرعية المؤسسات. -دكتور في الحقوق