لم تكن مهنة المحاماة يوما مهنة حرة منظمة بقانون عادي، بل لطالما كانت عنصرا بنيويا في منظومة العدالة، وأداة حقيقية لممارسة حق الدفاع، بل وأحد أهم الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة كما كرسها الدستور المغربي والمواثيق الدولية. هذا وقد عرفت مهنة المحاماة أول تنظيم لها بموجب الظهير الشريف الصادر بتاريخ 12 غشت 1913، ثم تعاقب على هذا التنظيم عدة قوانين آخرها قانون 28.08 . جل هذه القوانين كانت، دون شك، آلية في تصريف العدالة وإسهاما في رفع كل حيف ناهيك عن تعزيز ركائز الدولة. نتساءل بدورنا: هل يحتاج هذا القانون لتعديل أصلا؟ ولماذا هذا الهجوم الممنهج على مهنة المحاماة؟ لقد عرف المشروع تذبذبا منذ سنة 2019، والذي لم تتم فيه مراعاة المقاربة التشاركية والاتفاقيات المبرمة في إطار اللجان الموضوعاتية المشتركة، وعليه، فإن أي تدخل تشريعي يطال هذه المهنة يجب ألا يتم بشكل اعتباطي، بل يجب أن يستحضر معياريين متلازمين : سلامة المنهج، واحترام الحدود الدستورية، فضلا عن التوافق من خلال إسهام فعلي ومثمن للهيئات المهنية باعتبارها المعنية الأولى بهذا الإصلاح تكريسا للضمانة القانونية التي يكرسها الفصل 12 من الدستور المغربي، والتي تنص على إسهام الهيئات المهنية في إعداد القرارات والمشاريع ذات الصلة، كما يكرس الفصل 139 آليات الديمقراطية التشاركية، ولا نتحدث عن هذا الإشراك باعتباره إجراء شكليا فحسب، بل هو فرض عين وضمانة جوهرية لحسن التشريع. ليس من السهل إنكار أن استقلال الدفاع امتداد دستوري لاستقلال القضاء، وهذا واضح من خلال استقرار الفصلين 107 و 120 من الدستور المغربي، إذ يستشف منهما أن استقلال الدفاع ليس مفهوما معزولا بل امتداد وظيفي لاستقلال القضاء. ولا يفوتنا في هذا المقام أن نستحضر التجربة الفرنسية، فمهنة المحاماة مؤطرة في فرنسا بقانون 31 دجنبر 1971 الذي خضع لتعديلات متلاحقة دون المساس بجوهر استقلال المهنة، وقد تم هذا الإصلاح وفق قواعد ثابتة : إشراك المجلس الوطني للمحامين منذ مرحلة التفكير الأولى بحيث تحال عليه الأفكار الأولية، يليها فتح حوار مؤسساتي مع الهيئات المحلية مع اعتبار رأي المحامين ملزم سياسيا وإن لم يكن ملزما قانونا. وحفاظا وحماية للاستقلال وحق التقاضي، تدخل المجلس الدستوري الفرنسي لإسقاط مقترح الحكومة الفرنسية وتقييد المقتضيات التي مست أساسا السر المهني ونظام التأديب، إذ لم يسلم المحامي الفرنسي من وقائع مماثلة للتضييق على حقوق الدفاع، كان أخرها نضال سنة 2019، بخصوص مشروع إصلاح نظام التقاعد في حكومة إيمانويل ماكرون، والذي عرف حراكا بسبب فرض إلغاء أنظمة التقاعد الخاصة ودمجها في نظام موحد، في حين كان المحامون آنذاك يتوفرون على نظام خاص» CNBF- Caise Nationale Des Barreaux Francais». غير أن البرلمان الفرنسي كان أكثر مرونة في التطبيق السليم للقانون وتفعيله روح القانون بعيدا عن أية وصاية أو مساس بما يضمن الاستقلال الفعلي للمحامي وصونا حقيقيا لحق الدفاع، فتم سحب جزئي لبعض المقتضيات والاعتراف بخصوصية «CNBF»، وتم تجميد المشروع عمليا في ما بعد. هذا، وقد استقر الفقه الدستوري المقارن مع تأكيد المجلس الدستوري الفرنسي على أن:» كل مساس غير متناسب باستقلال المحامي يشكل مساسا غير مبرر بحق المتقاضي في الدفاع». وعليه فإن أي مقتضيات توسع من تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم الهيئة أو تضعف الاستقلال التأديبي للهيئات المهنية أو تفرض قيودا غير ضرورية على ممارسة الدفاع تعد مخالفة صريحة لمبدأ التناسب كما هو متعارف عليه دستوريا . تقدم التجربة الفرنسية نموذجا متقدما في إصلاح مهنة المحاماة، وليس فقط على مستوى النصوص بل أساسا على مستوى المنهج، ووفقا للتجربة الفرنسية فإن منهج الإصلاح أهم من النص ذاته. إن من أبرز عناصر نجاح التجربة الفرنسية، الدور الفعلي الذي اضطلع به البرلمان، باعتباره فضاء للنقاش، وآلية التوازن بين السلط، والحريص على احترام الحقوق والحريات. وحتى يتسنى للبرلمان الفرنسي القيام بدوره على أكمل وجه عمل على استدعاء ممثلي المحامين للاستماع إليهم وأدخل تعديلات جوهرية على مشاريع حكومية، بل ورفض بعضها تكريسا لمبدأ سمو الدستور على الاعتبارات الظرفية. غير أن الوضع مغاير بالمغرب، فرغم عدم التوافق، صادق المجلس الحكومي، بتاريخ 8 يناير 2026، على مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة. لم يأخذ المشروع بعين الاعتبار الإصلاح التراكمي بل اتخذ منهج القطيعة والفردانية والفرض، خاصة وأن أهداف أي مشروع قانون هو إضافة وتعديل بما يعود بالنفع للرقي بإطاره، بدل وضع مشروع قانون يهدم التوازنات. إن أي تعديل خارج التوافقات هو ضرب من ضروب العبث لأن الأمر يبسط ويناقش ولا يفرض لاعتبارات شخصية وفئوية، خاصة إذا ما استحضرنا أن التوافق شرط دستوري وليس مجاملة، خاصة أن استقلال الدفاع خط أحمر ولا يحتاج أبدا لوصاية تنفيذية. إن تعزيز التأديب خارج الهيئات أو التضييق على السر المهني، وسحب صلاحيات الإشراف من الهيئات المعنية، يعد تطاولا غير قانوني وغير مبرر. إن دور مؤسسة البرلمان ينبغي أن يكون كشريك، وليس مجرد محطة لتمرير المشاريع القانونية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتشريع خاص يستدعي استشارة آراء المهنيين المعنيين، وبناءً على جلسات حقيقية، مع مراعاة أن الإصلاح يجب أن يتم انطلاقا من إرادة حقيقية للتغيير، بعيدا عن تسييس المهنة الحرة. إن إصلاح مهنة المحاماة لم يكن أبدا بالقوة بل بالحوار، وكلما غاب التوافق تعطل الإصلاح أو سقط دستوريا، لأن الحوار كان شكليا أكثر منه تشاركيا ودون إشراك فعلي وملزم للهيئات المهنية، وهذا خلق أزمة ثقة بين الدولة وهيئة الدفاع. إن الإشكال الحقيقي الذي يطرحه مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة لا يكمن في بعض المقتضيات الجزئية القابلة للتعديل، بل يتجسد أساسا في الفلسفة العامة التي يقوم عليها النص، والتي تميل إلى إعادة تشكيل مهنة المحاماة باعتبارها نشاطا مهنيا خاضعا لمنطق الضبط الإداري، بدل تكريسها كمهنة حرة مستقلة تضطلع بدور دستوري أصيل في حماية حقوق الدفاع وضمان المحاكمة العادلة. فالمشروع، من خلال توسيع مجالات تدخل السلطة التنفيذية، يضعف مبدأ الاستقلال الذاتي لهيئات المحامين، وهو الاستقلال الذي لا يشكل امتيازا مهنيا، بل ضمانة أساسية للمتقاضين ولمبدأ سيادة القانون، كما أن هذا التوجه يثير إشكالا دستوريا حقيقيا لكونه يمس بجوهر حق الدفاع المكرس دستوريا، ويخل بالتوازن الواجب بين السلط ويجعل من المحامي فاعلا تابعا بدل أن يكون شريكا مستقلا في تحقيق العدالة. وفي سياق تقييم مشروع قانون مهنة المحاماة، ينبغي التذكير بأن سلطة وزير العدل تبقى محدودة دستوريا ومؤسساتيا، فهي تقتصر على تقديم إطار تشريعي عام وضمان انسجام المشروع مع القوانين القائمة، دون أن تمتد إلى إعادة تعريف جوهر المهنة أو التدخل في تنظيمها الداخلي، والأجدر أن يكون هذا التدخل اقتراح إطار قانوني عام، وليس التدخل في التسيير المهني، فضلا عن ضمان حماية المتقاضين بدل إخضاع المحامي لرقابة تنفيذية، وبناء علاقة قوية مع الجهاز القضائي بدل الإجهاز على مهنة المحاماة والمساس بالتنظيم الذاتي. إن الرفض لهذا المشروع هو رفض للمقتضيات غير الدستورية، ورفض لأي تقويض لا يستند إلى أساس واقعي وقانوني، وأن أي تعديل تشريعي يطال المهنة لا ينبغي أن يقاس فقط بما يضيفه من مقتضيات جديدة، بل كذلك وهو الأهم، بما قد يفرغه أو يقوضه من مكتسبات راكمتها المهنة عبر عقود، والتي لا يمكن اختزالها في امتيازات فئوية بل في ضمانات مؤسساتية هدفها حماية استقلال الدفاع وتحقيق التوازن بين سلطة الدولة ودور المحامي، وعليه فإن أي مساس بها يعد مساسا بجوهر الحق في الدفاع. إن المشروع الحالي طمس أعراف المهنة، ومس باستقلالية الهيئات، وكرس اختلال ميزان العلاقة مع القضاء والسلطة، حيث عهدنا سابقا علاقة تكامل وتوازن بين المحامي وباقي مكونات العدالة، دون تبعية أو خضوع أو خنوع، بينما يلاحظ في المشروع الحالي ميل واضح نحو منطق الضبط والمراقبة بدل الشراكة، وهو ما قد يخل بالتوازن الضروري لحسن سير العدالة، ويضرب في العمق جوهر المهنة الحرة، فلو أراد المحامي أن يكون تابعا لكان موظفا عموميا يخضع للإشراف و السلم الإداري. أما بخصوص سلطة التأديب فقد كانت سابقا شأنا مهنيا خالصا يمارس من طرف مجالس الهيئات، وفق ضمانات إجرائية واضحة، وانسجاما مع مبدأ « المحامي لا يؤدب إلا من أقرانه»، في المقابل يفتح المشروع الحالي الباب أمام تأثير ورقابة خارجية يحول التأديب من آلية لحماية أخلاقيات المهنة إلى وسيلة ضغط وتضييق، وهو ما يمس جوهر استقلال المحامي في أداء رسالته. كما نظر المشروع نظرة قاصرة إلى نظام التمرين بمنطق إداري، حيث كان التمرين وفقا للقانون السابق مرحلة تكوينية بامتياز، تلعب فيه الهيئات دورا محوريا في التأطير والتقييم، في حين أن المشروع الحالي يميل إلى تشديد الشروط وتقليص هامش تدخل الهيئات، بما يخشى معه تحويل التمرين إلى مسار إداري بيروقراطي بدل كونه فضاء لإعداد محامين أحرار ومؤهلين. إن منح امتيازات للمكاتب الأجنبية على حساب التضييق في شروط الولوج أمام أبناء الشعب، الذين لهم الأحقية في ولوج المهنة، يعد ضربا من ضروب اللامنطق، خاصة في ظل غياب مبدأ المعاملة بالمثل. فهذه الاتفاقية تُحدث، في الآن ذاته، شروطا لا محيد عنها، ولا تمنح أي امتياز للشهادة المغربية، حتى في حالة ممارسة المهني المغربي نشاطه ببلد أجنبي، إذ يُلزم بالخضوع للتقييم والقبول وجملة من الإجراءات القانونية. فَلِمَ كل هذه الامتيازات التي قدمها المشروع الجديد للمكاتب الأجنبية على طبق من ذهب؟ إن مهنة المحاماة لا تقاس بمنطق المهن الحرة العادية بل بوظيفتها الدستورية في حماية الحقوق والحريات، ولا يمكن التذرع بالإصلاح من أجل المساس بالمكتسبات، وعليه صار لزاما على الحكومة تكريسا للقانون، سحب المشروع تطبيقا للفصل 184 من النظام الداخلي لمجلس النواب 7 غشت 2024 الذي ينص على أنه :»يمكن للحكومة أن تسحب أي مشروع قانون في أي مرحلة من مراحل المسطرة التشريعية قبل تمام الموافقة عليه من قبل مجلس النواب «، وإعادة النظر في الفلسفة العامة للمشروع بما يضمن عدم التراجع عن الضمانات التي راكمتها المهنة سنين طويلة، كما يبقى منطق التوافق شرطا أساسيا لنجاح أي إصلاح في مقاربة تشاركية تحفظ الثقة وتحقق التوازن بين متطلبات التنمية والإصلاح وحماية جوهر المهنة، على أن نشدد ونسطر بالخط العريض، أن إصلاح مهنة المحاماة هو في جوهره إصلاح للعدالة ذاتها، وأن أي مقاربة تشريعية لا تضع هذا المعطى في صلب اهتماماتها وفلسفتها ستظل قاصرة وستزيغ عن مسار الإصلاح الفعلي والحقيقي. (*) محامية بهيئة المحامين بالدارالبيضاء باحثة بسلك الدكتوراه مختبر قانون العلوم السياسية