يعتبر التضامن في الفضاء العمومي من بين القيم النبيلة التي تساهم في بناء العيش المشترك بين الأفراد والجماعات. كما يعبر عن المواطنة الفاعلة في الأيام العادية وزمن الأزمات واللايقين (كورونا، الكوارث الطبيعية: الجفاف والزلازل والفيضانات...). ويشكل قوة معنوية ومادية في مواجهة الأزمات من حيث التدبير والمعالجة من أجل تحقيق الاعتراف والإنصاف والعدالة الاجتماعية. وتتميز الثقافة المغربية بقيم التضامن وحضورها في الوعي الفردي والجماعي. تجسدت في الواقع اليومي بالتضامن مع المتضررين لزلزال الحسيمة والحوز وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم من طرف الدولة والمجتمع المدني على السواء. واليوم يتضامن المغاربة مع المتضررين من الفيضانات التي تعرفها مدينة القصر الكبير والنواحي وسهل الغرب والمناطق الشمالية، وما تعرفه من انهيار في المباني والمنازل والطرقات وتضرر البنية التحتية. جعلت الدولة بأجهزتها المختلفة في الميدان لحماية الأرواح والممتلكات. هذا بالإضافة إلى تطوع المجتمع المدني للمشاركة في تقديم يد المساعدة للساكنة المتضررة. 1- دور التواصل الفعال في تحقيق التضامن يكون التواصل الفعال والبناء ناجحًا عندما ينفتح الفاعل السياسي في المجتمع على المواطن في الفضاء العمومي الواقعي والافتراضي، سواء في الأيام العادية أو في وقت الأزمات. ويتم الإنصات إلى انشغالاته لضمان انخراطه البناء، لبلورة الحلول والبدائل لمختلف الصعوبات والمشاكل التي يواجهها، وذلك باعتماد الحوار في جميع الظروف بالرغم من الأزمات المركبة واللايقين. كما يساعد التواصل على معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بشكل متضامن في وقت الأزمات والكوارث، بحيث يساهم الحوار في تدبير الاختلاف في المقاربات والتصورات والتغلب على الصعوبات والتحديات بما يخدم المصلحة العامة. في هذا السياق، يشكل الفضاء الافتراضي أداة لتعزيز التضامن عبر نشر المعلومات المفيدة والتفاعل السريع من أجل الإغاثة وتقديم المساعدة للساكنة المتضررة. كما يساعد التواصل الواقعي والرقمي على الوصول إلى الفئات المتضررة بشكل فعال. والتضامن كفعل اجتماعي يتحقق من خلال التواصل في الفضاء العمومي من خلال الحوار والنقاش المبني على الإقناع، لتعزيز التفاهم والمشاركة المسؤولة من طرف الجميع، قصد توحيد الجهود الفردية وتحويلها إلى فعل جماعي لإنقاذ الأرواح والممتلكات، وذلك باعتماد حلول تضامنية تعكس المصلحة العامة، وتجاوز الاختلافات لضمان الإنصاف. كما يعتبر التضامن في الفضاء العمومي حجر زاوية في تدبير شؤون المواطنين، مستندا إلى قيم التعاون والمساعدة. وتحتم ظروف الأزمات الدراسة والتقييم والتقويم والتواصل المستمر مع المواطن، لوضعه في الصورة كاملة بكل شفافية ومسؤولية، لضمان انخراط الجميع في خلق وعي مجتمعي بناء، باعتماد النقاش العمومي وأخلاقيته لمعالجة الأزمات وحماية المواطنين من الكوارث الطبيعية والاجتماعية. 2- ثقافة التضامن والعيش المشترك تساعد ثقافة التضامن في وقت الأزمات في بناء وتعزيز العيش المشترك داخل المجتمع، وتقوي أسس التفاهم بين المواطنين، لإنتاج الحلول والبدائل بشكل مسؤول. كما تساعد هذه الثقافة في تجاوز ظروف التوتر واللايقين، حين يصبح الفضاء العمومي مجالًا للتعاون والحوار والنقاش البناء، بأخلاق تواصلية وديمقراطية حقيقية؛ تعكس روح الصدق والمسؤولية عند الدولة والمجتمع على السواء. في هذا السياق، يتطلب الاختلاف في الأفكار والمواقف روح الحوار والنقاش، لمعالجة قضايا الشأن العام في المجتمع بمقاربة تواصلية منفتحة، تضمن مشاركة الجميع بما في ذلك الرأي المعارض، لتجويد القرارات المتخذة حتى تكون ذات مصداقية في التنفيذ، وضمان انخراط المواطن وتفاعله الإيجابي مع هذه القضايا بكل مسؤولية وروح تضامنية. تؤسس لفعل ديمقراطي وتواصلي ناجح، في عالم يعرف تراجعًا في منسوب القيم الإنسانية النبيلة. كما تساهم المقاربة التواصلية ببعدها الديمقراطي في الفضاء العمومي، لبلورة ثقافة التضامن والتفاعل الإيجابي مع الحلول الصادرة عن مؤسسات الدولة، قصد تجاوز الأزمات والكوارث بأقل الخسائر الممكنة ومساعدة الفئات المتضررة من الفيضانات. 3- ثقافة التضامن في مواجهة اللايقين تتطلب معالجة الأزمات الإنصات والإنصاف لتنزيل الحلول بشكل ديمقراطي وبناء، تحمي المواطن من المزايدات الشعبوية التي تزيد في تأزيم الوضع الاجتماعي. في هذا السياق، يساهم التواصل الفعال بأبعاده الاجتماعية والسياسية والثقافية في خلق روح تضامنية توحد جميع الفئات الاجتماعية، تعكس القيم النبيلة للثقافة المغربية بروافدها المتنوعة، قصد تحقيق مجتمع الحوار والنقاش على أسس عقلانية، لخلق علاقات اجتماعية سليمة قوامها الإنصاف والاعتراف والعيش المشترك. كما تهدف ثقافة التضامن إلى توحيد الجهود لمجابهة الإقصاء والتهميش وتحديات المستقبل، عبر إدماج الجميع في الدينامية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، للنهوض بالتعليم والصحة والشغل والسكن. تفترض تغييرًا في العقلية السياسية والاجتماعية في مجتمعنا المعاصر، وتحتم استحضار الإرادة الفعلية لتصحيح أعطاب الأمس والحاضر باعتماد الفكر النقدي، لفتح آفاق جديدة نحو المستقبل، بإرادة الحوار والتواصل والإنصاف، لتحقيق مجتمع الحقوق والواجبات اعتمادًا على الديمقراطية ببعديها النيابي والتشاركي. إن المقاربة التواصلية بأبعادها الاجتماعية والسياسية والثقافية تشكل مقاربة نوعية تهدف إلى إشراك الجميع في النقاش العمومي العقلاني، قصد معالجة قضايا المجتمع الحديث ومشاكله بطريقة ديمقراطية، اعتمادًا على التواصل كممارسة نبيلة وبناءة، يطبعها الحوار وأخلاقيات النقاش والحجاج قصد تدبير الاختلاف، للتوصل إلى حلول وبدائل مناسبة، من أجل إدماج الجميع في الدينامية الاجتماعية والسياسية للمجتمع وتحقيق الإنصاف ضمن وحدة المشترك الوطني. خلاصة تساعد ثقافة التضامن في وقت الأزمات في بناء وتعزيز العيش المشترك داخل المجتمع. كما تقوي أسس التفاهم بين المواطنين، لإنتاج الحلول والبدائل بشكل مسؤول. كما تساعد هذه الثقافة في تجاوز ظروف التوتر واللايقين، حين يصبح الفضاء العمومي مجالًا للتعاون والحوار والنقاش البناء، بأخلاق تواصلية وديمقراطية حقيقية، تعكس روح الصدق والمسؤولية عند الدولة والمجتمع على السواء. إن بناء ثقافة التضامن في الفضاء العمومي يتطلب بلورة ديمقراطية بشقيها النيابي والتشاركي، تشتغل بطريقة تكاملية من أجل البحث عن الحلول لمشاكل المجتمع وفئاته المختلفة بمقاربة يطبعها الحوار والوضوح والشفافية والمصداقية، وذلك قصد التغلب على الأزمات المركبة واللايقين بروح جماعية وقيم رفيعة تجعل الدولة والمجتمع يتغلبان على مختلف التحديات بالحوار والإنصات وبلورة الحلول المناسبة مع ربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الفساد في إطار دولة الحق والقانون، تجعل المغرب قويًا وفي المسار الصحيح بالتضامن والتواصل الديمقراطي الفعال. -أستاذ باحث في الترجمة بالمعهد الجامعي للدراسات الإفريقية والأورومتوسطية بجامعة محمد الخامس، الرباط