تشهد كليات الحقوق اليوم تحولاً جذرياً في فلسفة التكوين القانوني، حيث برزت مسابقات الترافع (Moot Courts) ك "موضة" أكاديمية مهيمنة. ورغم جاذبيتها الظاهرية، إلا أنها تطرح إشكالات عميقة تتعلق بجوهر العدالة واستقلالية الجامعة أمام توغل "منطق السوق". لكن قبل المضي في النقد، من الضروري الاعتراف بأن هذه المسابقات تحمل أيضاً قيمة تدريبية عملية، والمشكلة ليست في وجودها كوسيلة، بل في القيم السائدة التي تنظمها وتوجهها. المرافعة كأداء مسرحي: الهروب من "الحق" إلى "البلاغة" تكرس هذه التقليعة مفهوماً خطيراً للمرافعة، حيث تتحول من وسيلة لاستظهار العدالة الملموسة إلى "عرض مهارة" جاف. الطالب هنا لا يُختبر في مدى انحيازه للحق، بل في قدرته الإغوائية وتأثيره الخطابي. النتيجة هي تكريس "السفسطة" الحديثة، حيث يصبح الفوز بالملف هو الغاية، بصرف النظر عن عدالة القضية. إنها مرآة براقة تخفي وراءها فراغاً أخلاقياً. ومع ذلك، ينبغي التفريق بين استخدام البلاغة كأداة وبين تحولها إلى غاية في حد ذاتها. فالبلاغة القانونية ليست مرفوضة أصلاً؛ فالمحامي الملتزم بالحق يمكنه استخدام نفس الأدوات الخطابية لتقديم حجج قوية في خدمة المظلومين. المشكلة ليست في وجود البلاغة، بل في فصلها عن الأخلاق والحقائق وتقييمها كمعيار وحيد للنجاح. الخطر الحقيقي هو عندما تصبح "قدرة الإقناع" منفصلة عن "صدق القضية"، وعندما يُكافأ الطالب على أدائه الخطابي بغض النظر عن محتوى القضية التي دافع عنها. وفقاً لطروحات دنكان كينيدي، فإن هذه المسابقات هي "مختبرات" لإعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية. المنافسة المحمومة بين الطلاب للحصول على لقب "أفضل مترافع" تخلق جيلاً من "المرتزقة" التقنيين، حيث يتم فصل الأخلاق عن التقنية ويُدرَّب الطالب على الترافع عن النقيضين بنفس الحماس، مما يفرغ ضميره المهني ويجهزه ليكون لساناً مستأجراً لخدمة الشركات الكبرى. هنا يمكن استدعاء بورديو: فالمسابقات تمنح الأولوية لمن يملكون الرأسمال الثقافي واللغوي، مما يضمن وصول النخبة فقط إلى قمة الهرم المهني. هذا الانتقاد الطبقي وجيه ودقيق، لكنه موجه ضد التنظيم الحالي للمسابقات، وليس ضد فكرة المسابقة نفسها. فمن الممكن – نظرياً وعملياً – تصميم آليات تقييم تقلل من أثر التفاوت الطبقي، مثل توزيع درجات أكبر على التحليل القانوني الموضوعي بدلاً من الشكل الخطابي، وتوفير دورات مجانية في الإلقاب والخطابة للطلاب غير المتمتعين بالرأسمال اللغوي الموروث، والتركيز في النصوص القانونية على قضايا تعكس تجارب الطبقات الشعبية لا النخبوية. إن غياب هذه الآليات هو ما يحول المسابقات إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، وليس خاصية ملازمة لها. بهذا الشكل تتحول الجامعة إلى مصنع للنجوم، لا مختبر للحق. حين يفرض السوق قواعده، يصبح التدريس خاضعاً لمنطق التسليع، حيث تُختزل الجامعة في مركز لتأهيل "الموارد البشرية" بدلاً من تكوين "المثقف القانوني". المحامون النجوم الذين تخرجوا من هذه المنظومة يبرعون في تجميل القوة وتحويل الاستغلال الاقتصادي إلى نصوص تقنية معقدة، بينما يغشي بريق النجومية أبصار الطلاب عن الوظيفة الاجتماعية للقانون. لكن من الإنصاف القول إن بعض المهارات التي تقدمها هذه المسابقات – كالتحليل السريع للقضايا، بناء الحجج المنطقية، إدارة الوقت تحت الضغط، والرد على الخصوم – هي مهارات أساسية حتى للمحامي الناقد والمدافع عن الحقوق الاجتماعية. فالفصل بين "التقنية" و"الأخلاق" ليس حتمياً؛ فالطالب يمكن أن يتدرب على التقنية العالية ويظل متمسكاً بضميره المهني إذا ما اقترنت التدريبات بنقاش أخلاقي مستمر وبتكوين نقدي موازٍ. لذلك، الخلل الأساسي ليس في وجود التدريب التقني، بل في غياب البعد النقدي والأخلاقي في الثقافة السائدة حول هذه المسابقات، وفي تحويلها إلى غايات استعراضية بمعزل عن الوظيفة الاجتماعية للقانون. رغم هذا التوغل، يبقى الأمل معقوداً على إعادة النظر في المناهج الجامعية. لا يمكن للجامعة أن تستسلم إذا استعادت دورها النقدي، بتسييس المنهج وتدريس القانون كصراع قوى وليس كقواعد محايدة. هنا يمكن استدعاء أنطونيو غرامشي ومفهوم "المثقف العضوي"، لتأكيد أن المرافعة يجب أن تكون أداة لتحرير المجتمع لا لتزيين السلطة. إن الرهان المفترض هو تحويل المسابقات من قضايا وهمية إلى قضايا اجتماعية وحقوقية حقيقية: البيئة، العمال، اللاجئون. بعض الجامعات في أمريكا اللاتينية مثلاً جعلت من مسابقات الترافع منصات للدفاع عن حقوق المهمشين، وهو نموذج يمكن أن يُلهمنا. والأكثر من ذلك، يمكن اقتراح خطوات عملية ل"تسييس" هذه المسابقات وتوجيهها نقدياً بدلاً من إلغائها: أولاً، تغيير موضوعات المسابقات لتعكس قضايا اجتماعية حقيقية ومأساوية بدلاً من النزاعات التجارية الافتراضية. ثانياً، إدخال بُعد أخلاقي صريح في معايير التقييم، كأن يُسأل الطالب عن موقفه الشخصي من عدالة القضية التي دافع عنها، وهل يمكنه الدفاع عن الطرف الآخر بضمير مرتاح. ثالثاً، ربط الفوز في المسابقة بالتزام عملي لاحق، مثل العمل في عيادة قانونية مجانية أو مؤسسة حقوقية، بدلاً من أن تنتهي الجائزة عند كأس أو شهادة أو لقب "أفضل مترافع". هذه الإجراءات يمكن أن تحول المسابقات من مختبرات لإنتاج المرتزقة إلى منصات لتدريب المثقفين العضويين. الخاتمة إن "تقليعة المرافعات" هي الواجهة البراقة لمنظومة تسعى لتحويل العدالة إلى سلعة والمحامي إلى خبير تسويق. استعادة روح المرافعة تبدأ من قاعات المحاضرات، عبر غرس وعي نقدي يدرك أن قوة اللسان لا قيمة لها إذا لم تكن في خدمة المظلوم. الجامعة يجب أن تظل حصناً للحق، لا حلبة لمنافسات السوق. فالمرافعة ليست فناً للغلبة، بل مسؤولية أخلاقية؛ وكلما تحولت إلى سلعة فقدت روحها، وكلما ارتبطت بالمظلوم استعادت معناها. لكن خلاصة القول: الحل ليس في إلغاء مسابقات الترافع أو تحريمها، بل في تحويلها من "موضة استعراضية" إلى "أداة تعليمية نقدية". المشكلة ليست في وجود المسابقات كوسيلة، بل في القيم السائدة التي تنظمها: إذا كانت القيم رأسمالية نخبوية، أنتجت المسابقات مرتزقة تقنيين؛ وإذا كانت القيم نقدية تحررية، يمكن أن تنتج المسابقات مثقفين عضويين كما دعا غرامشي. لذلك، المعركة ليست ضد المسابقات في ذاتها، بل ضد المنطق التسليعي والاستعراضي الذي يختطفها. ويمكن للأساتذة والطلاب الناقدين أن يستعيدوا هذه المسابقات ويوظفوها كمنصة للدفاع عن الحقوق المهمشة، تماماً كما حدث في تجارب أمريكا اللاتينية وبعض الجامعات الأوروبية. عندئذ فقط، تعود المرافعة إلى معناها الحقيقي: أداة للعدالة لا للاستعراض، ومسؤولية أخلاقية لا سلعة في سوق المهارات.