في العدد 1610 من أسبوعية "ماروك إيبدو" (Maroc Hebdo)، الصادر في الفترة ما بين 13 و19 فبراير 2026، نشر الباحث في علوم التدبير المتخصص في الإدارة العمومية والسياسات العامة، فؤاد بوجبير، قراءة تحليلية وازنة تحت عنوان: "عندما تفتح هشاشة الأحزاب السياسية الطريق أمام حكومة الخبراء". يُقدم بوجبير في مقاله أطروحة مركزية مفادها: "عندما تعوّض الخبرةُ التمثيلَ، لا يتراجع المنتخبون فحسب، بل إن السياسة نفسها هي التي يتغير جوهرها". وبهذا يضع إصبعه على تحوّل عميق يمسّ بنية الدولة الحديثة في المغرب؛ حيث لم تعد المسألة تتعلق بمجرد حضور متزايد للتكنوقراط داخل دواليب الإدارة، بل بتحوّل في طبيعة الحكم ذاته، حيث تميل السياسة إلى أن تُختزل في تدبير تقني، وتتحول الخيارات المجتمعية إلى معادلات خبراتية تُقدَّم باعتبارها ضرورات موضوعية لا تقبل الجدل. من التمثيل إلى الخبرة: تحوّل في هندسة السلطة لطالما قامت شرعية الدولة الحديثة على تمفصل واضح بين التمثيل السياسي والتنفيذ الإداري: ينتج الاقتراع العام حكامًا يضعون التوجهات، بينما تتولى الإدارة تنفيذها. غير أن هذا التوازن بدأ يتزحزح، خاصة في الدول ذات المركزية المؤسساتية القوية. فشخصية جديدة تفرض نفسها: "مفوّض الدولة" أو الخبير العالي، الذي لا يستمد شرعيته من صندوق الاقتراع، بل من كفاءته التقنية ورأسماله المعرفي. هنا يبرز السؤال الجوهري: من يحكم فعلياً عندما تحلّ الخبرة محل التمثيل؟ التحول لا يعني اختفاء "السياسي"، بل إعادة تعريفه. فبدل أن يكون الفاعل المنتخب هو من يحدد الاتجاهات، يصبح القرار نتاج دوائر تقنية، ومجالس، ووكالات، وخبراء يتكلمون باسم "المصلحة العامة" دون المرور باختبار الشرعية الانتخابية. بذلك تضعف آليات المساءلة التقليدية، ويغدو تحديد المسؤولية مسألة ضبابية. الجذور النظرية: من فيبر إلى توكفيل يستند المقال إلى أرضية فكرية صلبة، تستحضر قامات فكرية كبرى لتفسير الظاهرة: • ماكس فيبر: يوضح أن البيروقراطية الحديثة تقدم عقلانياً، لكنها تحمل خطر "القفص الحديدي"، حيث تذوب الغايات السياسية في الوسائل التقنية. • بيير بورديو: يطرح فكرة "الرأسمال البيروقراطي"؛ حيث يحتكر كبار الموظفين سلطة التحدث باسم الصالح العام دون عناء الاختبار الانتخابي. • أنطونيو غرامشي: يشير إلى "الهيمنة بلا صناديق"؛ أي جعل رؤية معينة للعالم تبدو طبيعية ولا بديل عنها، فتُقدَّم السياسات كاستجابات تقنية لا كاختيارات سياسية. • ميشيل فوكو: يرى السلطة كشبكة منتشرة تُمارَس عبر المعايير والمؤشرات، مما يجعل القوة فعالة ولكنها "غير مرئية". • أليكسيس دو توكفيل: يحذر من "الاستبداد الناعم"؛ وهي سلطة وصية، عقلانية وفعالة، لكنها تُقصي المواطن من القرار وتُقرِّر نيابة عنه. الحالة المغربية: فعالية الدولة مقابل هشاشة الأحزاب في السياق المغربي، يرى بوجبير أن التكنوقراطية لم تكن ترفاً، بل ضرورة تاريخية ارتبطت ببناء دولة إدارية قوية بعد الاستقلال، قادرة على التحديث وضمان الاستقرار. وقد أنتج هذا المسار نتائج ملموسة في البنية التحتية والاستقرار الماكرو-اقتصادي. غير أن هذه الفعالية تزامنت مع تراجع أدوار الأحزاب السياسية. فبدلاً من أن تكون مختبرات للأفكار، انغلقت كثير منها على منطق الولاءات الشخصية والرهانات الانتخابية الضيقة، وتحولت أحياناً إلى "بيئات حاضنة" لبروفايلات إدارية بدلاً من تخريج نخب سياسية مناضلة. هنا، تصبح التكنوقراطية عَرَضاً للأزمة وليست سبباً لها؛ إنها الفاعل الذي يملأ الفراغ الذي تركه السياسي. ذوبان المسؤولية وأزمة المساءلة يرصد المقال خطورة تمييع المسؤولية؛ فإذا كانت السياسة العمومية نتاج خبرة تقنية أو إكراهات ميزانياتية دولية، فمن نُحاسب؟ يتحول النقاش العمومي من صراع حول "القيم والبدائل" إلى مجرد نقاش تقني حول "النجاعة والأداء"، مما يقلص المساحة الديمقراطية لصالح التوافقات التقنية. الخلاصة: التكنوقراطية مؤشر وليست مشكلة يخلص المقال إلى أن صعود التكنوقراطية في المغرب هو نتيجة ل "نقص التمثيل" لدى الأحزاب أكثر مما هو "فائض كفاءة" لدى الدولة. السؤال الحقيقي ليس في رفض الخبرة —فالدولة الحديثة لا تُدار بدونها— بل في كيفية منع تحولها إلى "الشكل الوحيد للحكم". يبقى الرهان سياسياً بامتياز: الديمقراطية لا تُقاس فقط ب "سرعة الإنجاز"، بل بقدرتها على جعل المواطنين شركاء حقيقيين في صياغة القرارات التي تحدد مصيرهم.