قبل أيام، وقعتُ على بث مباشر على منصة "التيكتوك" لإحدى المشعوذات، تدّعي قدرتها على قراءة شخصية أي شخص بناءً على رقمه الطاقي، الذي تدّعي أنه مرتبط باسمه الشخصي. في ذلك البث، كانت هذه المشعوذة تكشف شخصية امرأة تُدعى رقية، وتُخبرها بأن رقمها الطاقي هو 9، وأن هذا الرقم محكوم من كوكب المشتري، كوكب الحكمة والحظ والتوسع، وتسترسل في سرد مزاعم عن صفات الرحمة والكرم والنضج الروحي المزعومين المرتبطين بهذا الرقم. حسب أحد المتابعين، هذه المشعوذة تطلب 500 درهم مقابل تقديم هذه الخرافات. وقبل ذلك بأيام، شاهدتُ بثًا مباشرًا آخر لأحد المشعوذين، يدّعي أنه يستطيع معرفة ما إذا كان أي شخص تعرّض للسحر فقط من خلال اسمه وعمره، وفي ثوانٍ معدودة، وعلى المباشر. أكثر من ذلك، كان هذا الشخص يدّعي أنه يستطيع إخبارك بالشخص الذي مارس عليك السحر، وحتى مكان دفن السحر. كل هذا الكلام يُقدَّم بثقة كاملة، وكأنما المشاهد يشاهد خوارزميات علمية دقيقة، في حين أنه مجرد هراء وخرافة استغلالية واضحة. وطبعًا، خلال البث يطالب المتابعين بالدعم المادي من خلال إرسال الهدايا. هؤلاء المشعوذون ليسوا معالجين ولا حكيمين، ولا يملكون أي معرفة علمية. كل ما يفعلونه هو استغلال جهل الناس وخوفهم وطموحهم للمال أو الحب أو النجاح. كل وعد زائف، كل رقم مزيف، وكل مبلغ مالي يُطالب به (500 درهم هنا، آلاف الدراهم هناك)، هو ابتزاز صارخ ومباشر لضعف الناس النفسي والاجتماعي. لكن الأكثر استفزازًا هو أن هناك من يصدق هذه الخرافات، ونحن في عصر العلم والتكنولوجيا. نعم، أقولها بصراحة: من يضع ثقته في هذه "القراءات الطاقية" أو في ادعاءات "كشف السحر من الاسم والعمر فقط" يختار التخلي عن العقل والمنطق. ليس كل من يبحث عن النصيحة غبيًا، لكن من يقبل استبدال الحقائق العلمية بالخرافات، ويترك نفسه عرضة للاستغلال باسم الطاقة والسحر والحظ، فهو شريك في استمرار الدجل، وفضح جهله بنفسه. لماذا يصدق بعض الناس هذه الخرافات؟ هناك أسباب نفسية واجتماعية واضحة: الخوف من المستقبل والقلق النفسي يجعل الإنسان يبحث عن أي شعور بالأمان، حتى لو كان وهميًا. الرغبة في النجاح وحل المشاكل بسرعة تدفع البعض للبحث عن حلول سحرية بدل مواجهة الواقع بالجهد والعمل. الحاجة للاهتمام والاعتراف الشخصي تجعل كلمات المشعوذين العامة تبدو وكأنها مخصصة لهم، رغم أنها يمكن أن تنطبق على أي شخص. ضعف التفكير النقدي وقلة الثقافة العلمية تجعل بعض الناس عاجزين عن التمييز بين الحقيقة والوهم، أو فهم أن هذه الخرافات ليست سوى خدعة منظمة. الدجالون يعرفون جيدًا نقاط ضعف الناس، ويستغلونها ببراعة. كل وعد زائف، كل رقم مزيف، كل ادعاء عن السحر، وكل مبلغ مالي يُفرض مقابل "خدمة" وهمية، هو استغلال مقصود وممنهج للجهل البشري. لقد حان الوقت لإعلان موقف صريح وواضح ضد هؤلاء النصابين: يجب فضحهم، ويجب على المجتمع أن يفهم أن الحقيقة لا تأتي من الأرقام، ولا من الكواكب، ولا من السحر المزعوم. الحكمة الحقيقية تأتي من التفكير النقدي والعمل الجاد والتعلم المستمر والنزاهة الشخصية. وكل من يختار الطلسم والخرافة على العقل والمعرفة، يختار الجهل على الحقيقة، ويكشف عن ضعفه الذهني والأخلاقي. كما يجب أن نذكر أننا كمسلمين، لا يجوز لنا تصديق العرافين أو المشعوذين، فاتباعهم والاعتماد على خرافاتهم ضلال عن الطريق الصحيح، ويُضعف العقل والقدرة على التمييز. فقد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد» (في مستدرك الحاكم عن أبي هريرة). كفى خداعًا، كفى استغلالًا، كفى تصديقًا للخرافات. الأرقام لن تصنع شخصية، الكواكب لن تغيّر حياتك، والطاقة والسحر المزعومان ليسوا سوى أوهام. ومن يصدق هذه الأوهام ليس مجرد ضحية، بل شريك في استمرار الدجل. المجتمع بحاجة إلى وعي حقيقي، وتفكير مستقل، وقدرة على التمييز بين العلم والوهم، وإلا ستظل الخرافات تنتشر بلا توقف، ويستمر هؤلاء النصابون في جني المال على حساب ضعف الناس، واستغلال كل نقطة ضعف نفسية واجتماعية لديهم.