" الآن يمد أبو حنيفة رجله" .. يُروى أنَّ الإمامَ أبو حنيفة كان جالسًا في مجلسه بين تلامذته يُلقي العلم، وقد آلمته ركبتُه فمدَّ رجله يستريح بها دون تكلّفٍ ولا تصنّع، إذ العلم عنده مقامُ صدقٍ لا مقامُ هيئة. وبينما المجلس على سجيّته دخل رجلٌ ذو هندامٍ فخمٍ وهيئةٍ تملأ العين، فهابه الحاضرون واعتدل الإمام، وكفَّ رجله وجلس جلسة الوقار إكرامًا لما ظنَّه علمًا وفضلًا. دار الحديث حول وقت صلاة الفجر، فالتفت الوافد وسأل سؤالًا كشف به عن خواء المظهر حين قال: يا مولانا، متى يبدأ وقت الفجر ومتى ينتهي؟ فأجابه الإمام: يبدأ بطلوع الفجر وينتهي بطلوع الشمس. فقال الرجل: فإن طلعت الشمس قبل الفجر ماذا يكون؟ عندها أدرك الإمام أن الهيئة كانت أكبر من المعنى، وأن الصورة قد خدعت التوقير، فمدَّ رجله وقال كلمته التي صارت مثلًا: "الآن يمدُّ أبو حنيفة رجله". ومنذ ذلك الحين صار المثل يُضرَب لكل مظهرٍ بهر الأبصار ولم يحمل في جوهره ما يسند ذلك البهاء. في الأزمنة التي صار فيها للصورة سلطانٌ يفوق سلطان الفكرة، وللهندام قدرةٌ على حصد الأصوات أكثر مما تحصده البرامج، لم يعد الوافد إلى المجالس العلمية وحده هو الذي يُخضع الجالسين لهيبة مظهره، بل صار المشهد السياسي برمّته مسرحًا واسعًا لذلك الداخل ببدلةٍ مصقولة، وخطابٍ مُنمّق، وابتسامةٍ مدروسة الزوايا، تُدار كما تُدار الحملات الإشهارية، وتُضبط كما تُضبط الإضاءة في استوديوهات التصوير، حتى ليخيّل للناخب البسيط أن الفجر قد طلع من محيّاه، وأن الشمس لن تشرق إلا بإذن صوته في صندوق الاقتراع، فإذا بالكلمات – حين تُختبر بمنطق الواقع – تطرح السؤال ذاته: ماذا لو طلعت الشمس قبل الفجر؟ أي ماذا لو تقدّمت الشعارات على الإمكانات، والوعود على القدرة، والصورة على المشروع؟ عندها فقط يدرك الناس أن ما اعتدلوا له طويلاً لم يكن إلا هندسةً للمظهر لا بناءً للجوهر، وأن اللحظة قد حانت ليمدّ العقل رجله ويستريح من عناء التصفيق. إن "البروفايل" المعاصر في ميدان السياسة صار مشهدًا بصريًا يُستهلك؛ تُصاغ فيه الألوان بعناية، وتُختار فيه المفردات كما تُختار العطور، ويُصنع فيه القرب من الناس عبر عدسةٍ لا عبر معاناةٍ مشتركة، حتى صار الناخب يرى المرشح أكثر مما يسمعه، ويحفظ صوره أكثر مما يحفظ أفكاره، فتتحول العملية الديمقراطية – في لحظات ضعفها – من تعاقدٍ عقلاني إلى انفعالٍ بصري، ومن اختيارٍ للبرامج إلى تصويتٍ للانطباعات، وهنا تكمن المفارقة التي تجعل المثل القديم حيًّا في قلب الحداثة: نحن لا نقف احترامًا للعلم .. فالهندام هو سيد المظهر، ولا نعتدل للفكرة بل للصورة، فإذا تكلم الواقع سقطت الزينة وعاد كل شيء إلى حجمه الطبيعي. ما أشبه الحملات الانتخابية – في كثير من تجلياتها – بمعارض للوجوه لا أسواقًا للأفكار؛ اللافتات فيها أطول من البرامج، والخطب فيها أعلى من الإمكانات، والوعود فيها أكبر من الزمن السياسي الذي يسمح بتحقيقها، فينشأ لدى المواطن نوعٌ من الإيمان المؤقت، إيمانٌ بالصورة لا بالمضمون، فإذا انقضت الأيام الأولى من التجربة، واصطدمت الشعارات بصخرة التدبير اليومي، بدأ السؤال الكبير يطفو على السطح: أين ذلك الفجر الذي وعدتمونا به؟ ولماذا تأخرت شمس الوعود؟ وهنا فقط تُمدّ الأرجل المتعبة من طول الوقوف في طوابير الانتظار، ويكتشف الناس أن الوقار الذي منحوه كان بعيدا كل البعد عن المعنى، وأنهم استنزفوا وقتهم لمظاهر خداعة. إن أخطر ما في المظاهر الخادعة أنها لا تخدع الآخرين فقط، إنما تخدع صاحبها أيضًا؛ إذ يظن أنه نجح لأنه أتقن فن الظهور، ويحسب أن التصفيق دليل على الرضا، وأن الصور التي تملأ الشاشات تعني حضورًا في الوجدان، بينما الحقيقة أن الوجدان لا يُشترى بالعدسات، ولا يُبنى بالمنصات، وإنما يتكوّن ببطءٍ في تفاصيل الحياة اليومية للناس، في الطرق التي تُعبد، والمدارس التي تُفتح، والكرامة التي تُصان، والعدل الذي يمشي على قدمين لا على ملصقٍ انتخابي. في زمن الشبكات الرقمية صار "البروفايل" برنامجًا سياسيًا مختصرًا: صورةٌ مع طفلٍ يتيم، وأخرى في سوقٍ شعبي لشرب "أتاي منعنع" واحتساء "البيصارة" ، وثالثةٌ في مسجدٍ بإظهار خشوع مُلتقَط، ورابعةٌ مع كتابٍ مفتوح للكذب على الذقون، كأن المرشح يريد أن يقول: أنا كلُّ هذا؛ بينما السؤال الحقيقي الذي ينتظره المواطن هو: ماذا ستفعل حين تُغلق الكاميرات؟ هناك، في تلك المنطقة المعتمة التي لا تصلها الأضواء، يبدأ الامتحان الحقيقي، ويظهر الفرق بين من بنى نفسه فكرةً ومن بنى نفسه صورة. وليس في هذا الكلام دعوةٌ إلى احتقار المظهر، فالجمال قيمة، والنظام مطلوب، وحسن التقديم جزءٌ من البلاغة السياسية، ولكن الخلل يبدأ حين يصبح الشكل بديلًا عن المضمون، وحين تُستثمر الطاقة كلها في صناعة الانطباع بدل صناعة الإنجاز، فيتحول العمل السياسي إلى إدارةٍ للانتباه لا إدارةٍ للمصالح العامة، ويصبح الناخب متلقيًا لعرضٍ مسرحي لا شريكًا في تعاقدٍ اجتماعي. إن المثل القديم – في جوهره – دعوةٌ إلى اقتصادٍ أخلاقي في توزيع الاحترام: لا تُعطِه كاملًا حتى ترى المعنى، ولا تسحبه كاملًا لأن الصورة سقطت، بل اجعل ميزانك الفكرة والعمل، فإن استقاما فذلك هو الوقار الحقيقي، وإن اختلّا فلا حرج أن تمدّ رجلك في حضرة الحقيقة، لأن الكرامة التي يمنحها الوعي لنفسه أعلى من كل بروتوكول. وهكذا يغدو الناخب الحكيم هو أبو حنيفة العصر، لا ينخدع بوافدٍ حسن الهيئة حتى يسمع منطقه، ولا يمنح صوته قبل أن يختبر البرنامج، ولا يطيل الوقوف في حضرة خطابٍ لا يعرف ترتيب الفجر من الشمس، لأن الديمقراطية – في عمقها – ليست احتفالًا بالمظاهر، هي تمرينٌ يومي على التمييز بين الصورة والحقيقة. في الختم .. ليست كل حملةٍ انتخابية فجرًا، ولا كل ابتسامةٍ برنامجًا، ولا كل صورةٍ قربًا من الناس؛ فإذا أردت أن تعرف صدق الطريق فانظر إلى تصميمه هل يسير وحده في ثبات لا ترى فيه عوجا ولا أمتا، وهل يبقى المعنى حين تنطفئ الأضواء، فإن الذي يقوم على الحق لا يحتاج إلى إخراجٍ مسرحي، والذي يقوم على الصورة يسقط مع أول سؤال. فمن صوّت للفكرة استراح، ومن صوّت للمظهر طال وقوفه، حتى يأتي يومٌ يمدّ فيه رجله في حضرة الحقيقة.