تتجدد اليوم مناقشة مسألة تمكين فئة كتاب الضبط من ولوج مهنة المحاماة، مع الإصلاح المرتقب في مشروع القانون رقم 66.23 للمهنة، وفي سياق البحث الدائم عن سبل تثمين الخبرة المهنية داخل منظومة العدالة وتحقيق قدر من المرونة في المسارات القانونية وجعل مهنة كاتب الضبط مهنة محفزة لكل الشركاء في منظومة العدالة. ويستند هذا النقاش إلى مرتكزات تشريعية مقارنة، وعلى رأسها التجربة الفرنسية، إضافة إلى اعتبارات واقعية ومهنية داخلية، خاصة مع امتلاك هذه الفئة لكل المقومات العلمية والإدارية لولوج مهنة المحاماة. سنتناول هذا المقال من زاويتين وفق محورين يتعلق بالسند المقارن في القانون الفرنسي ثم المحور الثاني من خلال التأصيل الداخلي لولوج مهنة المحاماة المحور الأول: السند المقارن في القانون الفرنسي يُعد المرسوم رقم 91‐1197 الصادر في 27 نوفمبر 1991 المنظم لمهنة المحاماة في فرنسا نموذجاً دالاً على اعتماد المشرّع لفلسفة الاعتراف بالخبرة المهنية. الفقرة الأولى: المادة 98 من المرسوم 91-1197 فقد نصت المادة 98 من هذا المرسوم على إعفاء فئات مهنية معينة من التكوين النظري والعملي ومن شهادة الأهلية لمهنة المحاماة، ومن بين هذه الفئات نجد: – موظفي المحاكم -الموثقون -المفوضون القضائيون -أساتذة التعليم العالي الحاصلون على الدكتوراه مع أقدمية -المستشارون القانونيون بالمقاولات وقد قيدت المادة السالفة الذكر ولوج هذه الفئات بأقدمية لا تقل عن ثماني سنوات من الممارسة الفعلية. وتكشف هذه المقتضيات عن توجه واضح للمشرع الفرنسي يقوم على معادلة الخبرة المهنية والكفاءة المكتسبة وهو منطق يمكن استحضاره في النقاش الوطني الدائر. الفقرة الثانية: الواقع المهني اليوم لكتاب الضبط يُراكم كتاب الضبط اليوم خبرة عملية دقيقة داخل المحاكم، تشمل مهاما مختلفة منها : التدبير الإجرائي للملفات حضور الجلسات الإلمام بمختلف المساطر المدنية والجنحية التعامل اليومي مع مختلف الفاعلين في منظومة العدالة وهذه الخبرة الميدانية الطويلة تمثل رأسمالاً مهنياً حقيقياً، تبرر التفكير في آليات قانونية لتثمينها وتقويتها ، دون المساس بمتطلبات الجودة المهنية لمهنة المحاماة. المحور الثاني : التأصيل الداخلي — ولوج كتاب الضبط إلى القضاء من المهم التأكيد على مسألة هامة وهي أن المشرّع المغربي سبق أن اعترف بإمكانية انتقال كتاب الضبط إلى سلك القضاء وكذلك مهنة المفوضين القضائيين والعدول . الفقرة الأولى : ولوج كتاب الضبط للقضاء لقد نص القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة (المادة 10) على إمكانية ولوج موظفي كتابة الضبط وغيرهم لممارسة القضاء والمتحصلين على شهادة الدكتوراه مع أقدمية 10 سنوات داخل الإدارة القضائية ونحن نعلم جميعا أن القضاء مهنة رفيعة تحتاج الكفاءة والقدرة على فهم النصوص القانونية وتفسيرها وإسقاطها على النوازل المختلفة. وهذا المعطى له دلالتان أساسيتان في رأينا ، وهو بمثابة اعتراف تشريعي بالكفاءة القانونية لكتاب الضبط، وإقرار لمبدأ الحركية المهنية داخل منظومة العدالة التي تعتبر كفاءة عملية وتطبيقية بامتياز . ومن ثَمّ، فإن فتح مسار منظم نحو المحاماة ينسجم مع هذا التوجه ولا يشكل سابقة تشريعية. الفقرة الثانية: المقارنة مع مسالك مهنية أخرى إن مسألة الولوج المباشر لمهن قانونية أخرى، أصبحت واقعا منذ مدة طويلة و نجدها في قانون العدول من خلال المادة 9 التي تعفي المنتدبون القضائيون من المباراة شريطة أقدمية 10 سنوات من العمل بهذه الصفة في هيئة كتابة الضبط ثم هناك المفوضون القضائيون من خلال المادة 6 بأقدمية 10 سنوات وفي حدود 25 في المئة من المناصب المتبارى عليها ، بعد استقالتهم أو إحالتهم للتقاعد مالم يكن بسبب تأديبي ، وهذه الآليات تؤكد أن المشرّع المغربي يعتمد مقاربة مرنة عندما تبررها المصلحة المهنية. غير أن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو : هل فتح الولوج يعني هجرة جماعية؟ وجواب هذا السؤال أن التخوف من نزيف بشري داخل كتابة الضبط يبدو مبالغاً فيه للأسباب التالية: الاستقرار الوظيفي عامل جذب مهم لفئات واسعة من كتاب الضبط. المحاماة مهنة حرة تتطلب إمكانات معتبرة لا تتوفر لدى الكثير من الموظفين منها رسوم الولوج، المكتب وتجهيزاته ..... إلخ لهذا كثير من موظفي كتابة الضبط يفضلون البقاء في الوظيفة العمومية رغم امتلاكهم شهادة الكفاءة لولوج مهنة المحاماة، كما أن التجارب المقارنة لم تسجل أي نزيف دخلي عند فتح الجسور المهنية. وعليه، ففتح الولوج يعني إتاحة خيار محدود وليس تفريغاً للمرفق. الخاتمة: إن مسألة الولوج لمهنة المحاماة من طرف كتاب الضبط، مطلب عادل ومشروع وعليه نقترح ما يلي: -الإجازة في القانون – أقدمية مهنية لا تقل عن 10 سنوات – تخصيص نسبة لا تتجاوز 25% من المقبولين لفائدة كتاب الضبط، بما يمنع أي اختلال عددي. – تكوين تكميلي إلزامي يركز على أخلاقيات المحاماة وتقنيات المرافعة وتدبير المكتب غير أن نجاح هذا التوجه يظل رهيناً بتأطير تشريعي دقيق ومتوازن، يضمن جودة المهنة ويحافظ على استقرار مرفق العدالة. وفي هذا الإطار، فإن اعتماد مقاربة متوازنة ومؤطرة بالنِّسَب والشروط الموضوعية يبدو الخيار الأكثر انسجاماً مع متطلبات الإصلاح المهني للمحاماة.