هذه الأيام، أنا مريض، مريض بالمعنى الحرفي للكلمة، مريض أيضا بسبب سوء الأحوال الجوية التي تمر بها بلادي وخاصة مدينتي الصغيرة آسفي، المدينة العالقة بين وادي الشعبة الفاغر فمه، والمفتوح جهة المحيط، الذي استفاق من سباته الطويل الذي قارب المئة سنة، فآخر فيضان ضرب المدينة كان سنة 1927، وحصد أرواح العديد من الأبرياء. يحكي والدي على لسان جدتي، أنها استفاقت مذعورة مع تصاعد الهرج والمرج بين حواري المدينة وأزقتها، فحملته على ظهرها هو الرضيع الذي لم يتجاوز سنته الثانية وهربت به في جنح الليل نحو الربوة اليسرى للمدينة المسورة. وها هو الوادي يعود من جديد ليباغت الباعة والمتسوقين هذه المرة في واضحة النهار ويغدر بالمدينة من جديد. مريض كذلك لأن الحياة تحت لساني لم يعد لها طعم هذه الأيام. أعتقد أن مرض الجسد فاقم مرض الروح المكلومة. لكنني أعرف كذلك أن هذا الإحساس ليس بجديد كلية، هو إحساس قديم وعميق، يستكين تارة ويستفيق مرات كثيرة، إحساس بالضجر يرافقني منذ زمن بعيد، أتذكر أنه صاحبني منذ أيام المراهقة الأولى، حين يستفيق الواحد مننا إذا استفاق طبعا، وهذا موضوع آخر من سبات الطفولة ليجد نفسه أمام غول هو الحياة، فلا تجد مفرا إلا أن تفر من أمامه كي لا يبتلعك ويحيلك إلى خراب. مراهقة باهتة، أكثر ما ميزها الحرمان، الحرمان من كل شيء حتى تسود الحياة في عينيك، فلا ترى إلا الظلام الدامس يتسلط على كل شبر من روحك المعذبة، فتصير الحياة بلا معنى، ويصبح الموت مطلبك الأول للنجاة من المعاناة الملتصقة بجلدك كعلقة تمص دمك النازف كشلال. مع مرور الوقت تعتاد على هذا الإحساس المخرب الذي ينخر كل شيء جميل ويحيله رمادا، تتعود عليه كما كل الأشياء التي نتعود عليها بحكم العادة وتكرارها المستمر، لننسى أو تتناسى مع دفق سيل الحياة التي يجرك إلى مشارب شتى: الدراسة، العمل، الارتباطات الطويلة أو العابرة، وبين الفينة والأخرى، يطل عليك كضيف ثقيل، كنت تعتقد أنك تركته في إحدى محطات حياتك التي هجرتها منذ زمن بعد، ينظر إليك بابتسامة ماكرة، فتنظر إليه فاغر الفم لا تعرف كيف تمكن من اللحاق بك. تقف قليلا، تجالسه لبعض الوقت، لأنك تعرف أن ذلك لن يستمر إلى ما لا نهاية، ثم تخلفه على الرصيف، وتأخذ قطارا آخر يقذف بك إلى تجارب أخرى، رغم أنك تعرف، أنك ستصادفه مرة أخرى في إحدى لحظات ضعفك التي من الطبيعي أن تعيشها مرة أخرى. سقوط مؤقت يجعلك تهمس لنفسك مشجعا إياها: لا بأس عليك فهذا طبيعي، والطبيعي أيضا، أن تعاود حمل صخرتك وتتسلق جبل سيزيف من جديد.