يشدد عبد الله بووانو، النائب البرلماني ورئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، في كتابه الصادر تحت عنوان "أزمة القطيع الوطني: من دعم الإنتاج الداخلي إلى ريع الاستيراد"، على أن استمرار ارتفاع أسعار اللحوم في الأسواق المغربية ليس مجرد خلل اقتصادي عابر، بل هو نتاج هندسة متعمدة حولت دعم الدولة إلى آلة لصناعة الثروات السريعة لفئة تعرف ب"الفراقشية". فالإعفاءات الضريبية والدعم المالي، وفقا للكتاب، لم تُستخدم لتخفيف الأعباء عن المواطن، بل لتضخيم أرباح المستوردين، مما يُكرّس الغلاء. ويكشف الكتاب، أن المقارنة بين أسعار الشراء من الأسواق الأوروبية وأسعار البيع النهائية للمستهلك المغربي تُظهر زيف المبررات التي يُسوّق لها لتبرير الغلاء. ويخلص الكتاب إلى أن السياسات المعتمدة، بشروطها الإقصائية، نجحت في صنع ريع محصن بقوة القانون، ليضر الإنتاج الوطني والقدرة الشرائية للأسر، ويتحول الدعم إلى أداة لمضاعفة الثروات الريعية بشكل غير مسبوق. وفق ما ورد في الكتاب، فإن دعم استيراد الماشية لم يؤد إلى خفض أسعار اللحوم، بل تحول إلى ريع منظم لفئة معينة من المستوردين. ويوضح بووانو، معتمدا على بيانات محاسباتية، أن صافي ربح المستورد من استيراد نعجة واحدة يصل إلى 2406 دراهم، وهو رقم يعكس ضخامة الأرباح الممولة من المال العام. كما يُغطي الدعم الحكومي 84% من ثمن الشراء في الخارج، مما يرفع عائد استثمار المستوردين إلى أكثر من 2500% في بعض العمليات. أما استيراد الخرفان، فيُحقق هامش ربح يتجاوز 108% من التكلفة الفعلية، وأرباح فاحشة مضمونة ومدعومة من الدولة دون مخاطر تذكر. يفصل الكتاب في كيفية استخدام دفاتر التحملات الخاصة باستيراد الأبقار المخصصة للذبح لخلق عوائق تقنية معقدة تهدف إلى تقييد المنافسة الشريفة. فشرط إيداع الملف قبل 5 أيام من تاريخ الشحن، في ظل آجال زمنية ضيقة جدا، كان وسيلة مقصودة لإقصاء المنافسين الصغار والمستقلين. كما أن فرض "فاتورة مبدئية" ضمن ملفات الاستيراد يمنح أفضلية مسبقة لأشخاص يمتلكون المعلومة قبل إعلانها رسميا. وتؤكد الوثيقة أن هذه الإجراءات جعلت الحصول على الموافقة بمثابة سباق محصن يخدم فقط المقربين من صناع القرار، وأن الهدف لم يكن تنظيم السوق بل حماية رخص الاستيراد. يكشف الكتاب استغلال النفوذ السياسي بوضوح من خلال وجود 8 برلمانيين ينتمون إلى الأغلبية الحكومية في الولاية التشريعية الحالية ضمن قائمة المستوردين المستفيدين من الدعم. ويتوزع هؤلاء على الأحزاب كالتالي: 3 من حزب التجمع الوطني للأحرار، و3 من حزب الأصالة والمعاصرة، و2 من حزب الاستقلال، و1 من حزب الاتحاد الدستوري، وهو ما يُشكل تضارب مصالح صارخا. فالمسؤولون يجمعون بين موقع القرار السياسي والاستفادة المباشرة من الامتيازات الريعية، ويؤكد بووانو أن بعض المسؤولين الحزبيين المجاليين قاموا ببيع حصصهم من الدعم بعد التأشير عليها. وهذا يفسر التهافت الكبير على تعديل الأنظمة الأساسية لشركات غير متخصصة لتصبح شركات استيراد بين عشية وضحاها لاقتناص الدعم. يوثق التقرير أن لائحة المكتب الوطني للحبوب والقطاني ضمت 100 شركة مستوفية لشروط استيراد الحيوانات الحية، لكن المستفيدين الفعليين بلغوا 277 شركة، دون إصدار أي إعلان رسمي شامل يوضح تفاصيلها أو معايير اختيارها. والأكثر دلالة، بحسب المؤلف، أن 51% من هذه الشركات تأسست بعد عام 2022، وهو التاريخ الذي تزامن مع انطلاق برامج الدعم العمومي المكثف للحيوانات الحية، مما يعني أن إنشاءها كان مخصصاللاستفادة من هذه البرامج. كما لجأت شركات كبرى متعددة الأنشطة إلى تعديل أنظمتها الأساسية لإدراج نشاط استيراد الحيوانات، مما أدى إلى احتكار كامل للسلسلة من الاستيراد إلى التسمين والتوزيع. ويؤكد الكتاب أن إحداث شركات خلال سنتي 2023 و2024 خصيصا للاستفادة من الدعم هو مؤشر قوي على وجود ريع مؤسساتي لا علاقة له بالتطوير المهني. أثار هذا الكتاب جدلا واسعا خلال جلسة مناقشة حصيلة الحكومة في المؤسسة التشريعية، حين طالب رئيس الجلسة، رشيد الطالبي العلمي، النائب بووانو بسحب الكتاب، لكن الأخير تمسك به، مؤكدا أنه يأتي في إطار العمل البرلماني، خاصة بعد إفشال محاولات تشكيل لجنة تقصي حقائق حول ملف دعم واستيراد المواشي.